المعادل السياسي للحربين الرابعة والسادسة مع إسرائيل   
الأحد 1427/9/9 هـ - الموافق 1/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)


إبراهيم عجوة

أوجه الشبه بين الحربين الرابعة والسادسة
أوجه الاختلاف بين الحربين الرابعة والسادسة
في ضرورة اختلاف المعادل السياسي

خاضت إسرائيل ست حروب كبرى ومعارك كثيرة مع العرب جيوشا وأنظمة ومقاومين. وسميت هذه الحروب إما بتاريخ وقوعها مثل 48 و56 و67 و73 و82 و2006 أو من الأولى حتى السادسة بالترتيب أو بأسماء ذات دلالة مثل النكبة والعدوان الثلاثي والنكسة وتشرين التحريرية واجتياح لبنان لإخراج المقاومة الفلسطينية وحرب الوعد الصادق مع حزب الله.

في كل هذه الحروب ما عدا اثنتين كانت إسرائيل هي المبادرة للحرب وكانت الحروب بالنسبة للإسرائيلي أقرب إلى النزهة أو الحرب على شاشة مشغلات الألعاب.

أما الاثنتان الرابعة والسادسة فكانتا كما وصفهما الإسرائيليون أنفسهم بالصدمة أو الفشل أو الكارثة أو التقصير وهما في الواقع هزيمتين مجلجلتين لهم بكل المعايير العسكرية والسياسية والنفسية وكان الطرف العربي هو المبادر فيهما.

ولكن لأي نصر عسكري معادل سياسي، حيث تتولى الحرب إظهار ميزان قوى جديد يستدعي إعادة ترسيم التوازن السياسي في ضوئه. حيث يحقق الطرف المنتصر ما يعتقده معادلا سياسيا لنصره العسكري.

الحربان انتصار ولكن كيف نتعلم من نصر الحرب الرابعة ونتيجتها السياسية الكارثية المتمثلة في كامب ديفد لنتفادى ثمنا آخر للنصر في الحرب السادسة، مع الفرق طبعا بين طرفي الحرب العربيين فالحرب الرابعة خاضها نظامان رسميان اختلفا بعد نهايتها على المعادل السياسي المتوخى، وغدرت القيادة السياسية المصرية بالقيادة السورية حتى أثناء الحرب وبعدها.

والقائد السياسي السادات هو الذي أطلق في حينها شعار أن 99% من أوراق الحل بيد أميركا، بينما في الحرب السادسة الطرف العربي هو حزب عقائدي مقاوم وزعيمه هو سماحة السيد حسن نصر الله الذي رفع شعار الموت لأميركا والموت لإسرائيل.

أوجه الشبه بين الحربين الرابعة والسادسة
في الحرب الرابعة:

"
في الحرب الرابعة تم تدمير أهم تحصين عسكري في العصر الحديث وهو خط بارليف الذي قال عنه الروس إنه لا يمكن اقتحامه إلا بقنبلة نووية، بينما صرح موشيه ديان حينها أنه لا يمكن عبوره إلا بتعاون هندسي عسكري روسي أميركي
"

1- كان هناك فشل استخباري إسرائيلي وحتى أميركي مريع في كشف التحضيرات المصرية السورية للمعركة وفي تقدير حجم التسليح الذي تم تحضيره للمعركة وفي تقدير القدرات التي وصل إليها "الجيش المعادي".

2- كانت هناك مفاجأة في قدرة مضادات الطائرات سام 6 وسام 7 على إسقاط الطائرات الإسرائيلية وشل فعالية الطيران الإسرائيلي.

3- كانت هناك مفاجأة في قدرة مضادات الدروع على تدمير الدبابات الإسرائيلية لدرجة أن الحرب اعتبرت أكثر معركة تم فيها تدمير دبابات في العصر الحديث، لدرجة أن أحد المقاتلين في الجيش المصري وسمي بصائد الدبابات قد أعطب لوحده 36 دبابة.

4- تم تدمير أهم تحصين عسكري في العصر الحديث وهو خط بارليف والذي قال عنه الروس إنه لا يمكن اقتحامه إلا بقنبلة نووية، بينما صرح موشيه ديان وزير الحرب الإسرائيلي حينها أنه لا يمكن عبوره إلا بتعاون هندسي عسكري روسي أميركي. وقد تم اقتحامه وتدميره بقدرة وعبقرية مصرية بحتة. كذلك كانت هناك مفاجأة في سرعة توغل الجيش السوري الذي وصل حتى بحيرة طبرية.

5- أدت المعركة إلى حالة من الصدمة في أوساط القادة الصهاينة وفي أوساط جيشها لدرجة أن وزير الدفاع حينها موشيه دايان قد خاطب رئيسة وزرائه جولدا مائير قائلا: إن الهيكل الثالث قيد التدمير ويعني دولة إسرائيل.

وتحول ملف الحرب إلى لجنة تحقيق حول ما سمي أسباب التقصير ما أدى إلى سقوط حكومة العمل. بل وأستطيع القول إنها المفصل الذي آل فيه حزب العمل إلى السقوط السياسي النهائي باستثناء بعض محاولات النهوض العاجز التي كانت تؤدي إلى سقوطه مرة أخرى وفي وقت قصير.

6- قامت أميركا بمد إسرائيل بجسر جوي أدى إلى قلب موازين المعركة وجعل الانتصار جزئياً وإن كان له دلالته الإستراتيجية الكبرى في هزيمة الجيش الذي لا يقهر وفي إنهاء قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالأرض ناهيك عن شل قدرتها على العدوان.

7- جاءت الحرب محصلة لتحضيرات بدأت منذ إعلان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر لحرب الاستنزاف كرد على هزيمة حزيران وحتى قبوله بمادرة روجرز لإعطاء فرصة للجيش لإعداد نفسه لحرب أكتوبر/تشرين الأول.

"
أثبتت الحرب السادسة هشاشة دبابة المركافا -الدبابة الأولى تصفيحا في العالم- أمام مضادات الدروع التي يمتلكها حزب الله، لدرجة أن أحد العسكريين الصهاينة صرح بأن مضادات الدروع العائدة لحزب الله كانت تخترق دبابة المركافا كما تخترق السكين قرص الزبدة
"
وفي الحرب السادسة:
1- كان هناك فشل استخباري صهيوني كبير في تقديراته الاستخبارية لقدرات حزب الله وفي فشله في اختراق بنية حزب الله التنظيمية وكشف تحركاته وأماكن تواجده وتواجد قادته ومنصات صواريخه.

2- كانت هناك مفاجأة في قدرة حزب الله على امتصاص الضربات الجوية، وعلى إيصال صواريخه إلى عمق الكيان الصهيوني حتى تل أبيب، التي هدد سماحة السيد بقصفها إذا قصفت بيروت، فكان أن وافق الصهاينة على وقف إطلاق النار ربما ليس خشية من قصف تل أبيب بل ربما خشية من تصعيد يصعب توقيفه وربما خشية أن يطال القصف ما بعد تل أبيب كمفاعل ديمونا.

3- كانت هناك مفاجأة في هشاشة دبابة المركافا -الدبابة الأولى تصفيحا في العالم- أمام مضادات الدروع التي يمتلكها حزب الله، لدرجة أن أحد العسكريين الصهاينة صرح بأن مضادات الدروع العائدة لحزب الله كانت تخترق دبابة المركافاة كما تخترق السكين قرص الزبدة.

4- عجزت إسرائيل عن التقدم في الأرض اللبنانية في المعارك البرية، برغم كل قوات النخبة التي تم زجها في المعركة، وبرغم الكم الضخم لعدد القوات مقارنة بمقاتلي حزب الله.

5- كان هناك صدمة هائلة لدى القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية لدرجة إقدام رئيس هيئة الأركان على إقالة قائد المنطقة الشمالية أوري آدم أثناء الحرب، وهو إبن نائب رئيس هيئة أركان سابق قتل على أيدي مقاتلي حزب الله.

6- قامت أميركا بمد إسرائيل بكل وسائل الصمود والدعم السياسي والعسكري وأقامت جسرا جويا للصواريخ الذكية والذخيرة علها تحقق لإسرائيل انتصارا في القضاء على حزب الله.

7- جاءت الحرب محصلة لنشاط وتحضيرات حزب الله في حرب التحرير التي خاضها كرد على العدوان الصهيوني على لبنان عام 1982 واحتلاله مساحة من الأرض اللبنانية مضافة إلى الأرض التي كان احتلها عام 1978 في عملية الليطاني.

هذه التحضيرات التي أخذت شكل حرب الاستنزاف والتي أدت في ما أدت إليه إلى انسحاب إسرائيلي من الجنوب عام 2000.

تكاد تنطبق النقاط على نفسها في الحربين ولكن باستعمال حزب الله وقيادته بدل الجيشين المصري والسوري.

"
في الحرب الرابعة كان هناك تضامن رسمي عربي تجلى في إرسال المساعدات وفرق الجيوش وفي استعمال سلاح النفط, بينما في الحرب السادسة خاضها حزب الله مجرداً من أي تعاون رسمي عربي بل تمت مواجهته بتواطؤ مكشوف سياسياً وإعلامياً
"

أوجه الاختلاف بين الحربين الرابعة والسادسة
هذا ما يتعلق بالتشابه أما في الفرق فهناك فروق يمكن تلخيصها في التالي:

1- الحرب الرابعة خاضها جيشا دولتين عربيتين مركزيتين هما مصر وسوريا ولم تكن هذه الحرب ملهمة بكون النظم الأخرى لا تستطيع لا بحجمها ولا ببنيتها العسكرية ولا بما كان متوفرا لها من نظم تسلح أن تقلد النموذج المصري والسوري. بينما خاض الحرب السادسة حزب كبير في دولته الصغيرة والضعيفة والمنهكة.

وهذا موضوع ملهم فيما يتعلق بقوى المقاومة حيث وكما عبر أحد الكتاب الصهاينة وهو يوناثان شام أور بسخرية أن هذه الهزيمة ستجعل أي جماعة قادرة على أن "تتغوط علينا في المستقبل الكم الذي ترغب من الصواريخ"، وهذا يؤشر على مرحلة جديدة تشير إلى قدرة الجيوش الصغرى على تحقيق نفس النتائج التي تحققها الجيوش الكبرى بل وربما أفضل منها حين تتوفر الإرادة السياسية.

2- في الحرب الرابعة كان هناك تضامن رسمي عربي تجلى في إرسال المساعدات وفي إرسال فرق الجيوش وفي استعمال سلاح النفط في الضغط على الحلف المعادي للعرب والمتحالف مع إسرائيل.

بينما في الحرب السادسة خاضها حزب الله مجردا من أي تعاون رسمي عربي بل تمت مواجهته بتواطؤ مكشوف سياسيا وإعلاميا شكل غطاء مثاليا لإسرائيل للاستمرار في عدوانها وفي ظل تخبط رسمي عربي واستخذاء غير مسبوق للإرادة الأميركية، ولم يجد سوى الدعم الشعبي المحلي اللبناني والعربي المحبط بفعل أداء نظمه وقواه السياسية، ودولة عربية واحدة هي سوريا ودولة إسلامية إقليمية هي إيران.

في ضرورة اختلاف المعادل السياسي
ما يعنينا هنا برغم بسالة وعبقرية وقدرة الجيشين المصري والسوري، فقد أدت السياسة إلى تحويل النصر المصري السوري إلى نصر سياسي للدولة الصهيونية حين حققت من خلال الحركة السياسية والدبلوماسية اتفاقية كامب ديفد التي أخرجت مصر عمليا من قرار الحرب العربي.

لا نخشى من ذلك في حالة حزب الله وفي ظل قيادة سماحة السيد حسن نصر الله، ولكننا ندرك أيضا أن ما يريده سماحة السيد حسن نصر الله شيء، وما يتوفر من مناخ موات للفعل شيء آخر.

فقد أكد سماحته في خطابه الأخير على المعادل السياسي للنصر العسكري الذي تحقق في الحرب السادسة معددا إياه كالتالي:

1- توقف إسرائيل عن العدوان على لبنان والانسحاب من آخر شبر من الأراضي اللبنانية.

2- بناء الجيش اللبناني القادر على ردع إسرائيل على المدى التكتيكي والإستراتيجي.

3- بناء الدولة اللبنانية العادلة والنزيهة والشريفة الخالية من اللصوصية والفساد والتي تعمل لصالح موطنيها.

4- استعادة الأسرى اللبنانيين الموجودين في السجون الإسرائيلية.

استكمل سماحة السيد حسن نصر الله أن أي قوة في العالم لا تستطيع نزع سلاح حزب الله، لكنه أكد أن وجود هذا السلاح هو نتيجة لسبب إذا زال السبب زالت النتيجة ونحن لا ننوي الاحتفاظ بهذا السلاح إلى الأبد.

لم يقل سماحة السيد حسن نصر الله أن ثمن النصر هو الانسحاب من الجولان ولا الانسحاب من فلسطين وإعادة الحقوق الفلسطينية السليبة. وهو كلام موضوعي ناضج.

قال بأنه كانت هناك إمكانية لاستعادة مزارع شبعا في أثناء الحرب، ووعد من باب الإدراك العميق أن مزارع شبعا عائدة وأن الأسرى عائدون، ويبقى الاستحقاق الداخلي في بناء الدولة وبناء الجيش معادلة داخلية لن يسمح بتجاوزها.

وفي نفس الوقت أشار إلى ما بعد الأجندة ذات النقاط الأربع، أشار إلى الشعب الفلسطيني الذي يتعرض يوميا للقتل وبيوته تتعرض للهدم وأرضه للمصادرة والاستيلاء.

عودة إلى المقدمة حيث أن نصر أكتوبر/تشرين أول الذي حققه الجيش المصري والسوري قيض له قيادة سياسية مصرية رأت في هذا النصر إمكانية لتحقيق تسوية للانسحاب من سيناء المحتلة، ورأته صغيرا بحيث لا يمكن مطه حتى يطال البعد الفلسطيني في الصراع أو يؤدي إلى انسحاب صهيوني من الجولان، وكانت في حينها قد بدأت تسمع أصوات الفرعنة وأصوات أن مصر أدت ما عليها للعرب وللقضية الفلسطينية وعليها الالتفات إلى نفسها بمعنى أقرب إلى شعار "مصر أولا".

بالنسبة للقضية الفلسطينية وهي أساس كل هذه الحروب فالخطر يكمن هنا في اختلاف الوضع الذاتي للفلسطينيين بين هاتين الحربين. ففي الحرب الرابعة كانت المقاومة الفلسطينية في مرحلة نهوض وإعادة بناء وحظيت بدعم جماهيري وطني وعربي وعالمي بما فيها قوى المعسكر الاشتراكي على الصعيد الدولي، وكان هناك انقسام عربي حول المعادل السياسي للحرب.

"
في الحرب الرابعة كانت المقاومة الفلسطينية في مرحلة نهوض وإعادة بناء وحظيت بدعم جماهيري وطني وعربي وعالمي, بينما أتت الحرب السادسة في ظل أشرس هجمة عالمية على الأمة العربية والإسلامية والوضع الفلسطيني في أسوأ أحواله
"

بينما أتت الحرب السادسة في ظل أشرس هجمة عالمية بقيادة متفردة للعالم من قبل ألد أعداء الأمة العربية والإسلامية متمثلا في الولايات المتحدة الأميركية وفي ظل هيمنة مطلقة لها على المؤسسات الدولية والوضع الفلسطيني في أسوأ حالاته حيث يتخبط عالقا في نتائج اتفاقيات أوسلو وفي التنافس على السلطة الناتجة عنها، والوضع الرسمي العربي بلغ مداه من الخزي.

بعد الحرب الرابعة اقتنع تيار فلسطيني بشعار التسوية الممكن بعد الإختلال الذي حصل في ميزان القوى العسكري الناتج عن الحرب، فبدأ بطرح مشروع النقاط العشر معتقدا أن بإمكانه اللحس من هوامش النصر المصري السوري.

وربما قناعة البعض تأتت من تداعي معنوي وتعب نضالي والبعض شعورا منه بأن هذا النصر قد يكشف ظهر الفلسطينين إذا ذهبت مصر بعيدا في التسوية مع الإسرائيليين.

لكن حزب الله وقيادته المتمثلة في سماحة السيد حسن نصر الله وإخوانه ليس لديهم هذا الوهم الذي تلبس السادات ولا ذاك النهج، وبالقدر الذي حصر فيه سماحة السيد نتائج النصر في أربعة نقاط لبنانية فإنه لم ينس أن هناك جدول أعمال فلسطيني يجب استكماله بمعنى أنه لم يطرح شعارا يقترب بأي حال من "لبنان أولاً".

ما هو خطر الآن هو الوضع الفلسطيني الذي يتسم بالشلل وغياب القيادة الموحدة القادرة على رسم إستراتيجية تستكمل ما أشار إليه سماحة السيد عن الأجندة القادمة.

وتكون هذه القيادة قادرة على استكمال مشروعها ولا تشعر بأن ظهرها معرض للانكشاف إذا اكتفى حزب الله بمعادل سياسي للنصر على الصعيد اللبناني.

فإذا كانت إشارة سماحة السيد حسن نصر الله تشير إلى هذا الاكتفاء الموضوعي للمعادل السياسي للنصر فإنه أشار إلى دور يستطيع بل يرغب أن يقوم به لدعم المقاومة الفلسطينية.

فهل تتهيأ الساحة الفلسطينية لاستكمال هذا النصر ومطه على المساحة الفلسطينية قبل أن تتطاول قوى الهزيمة وتحول دون قدرة حزب الله وحلفائه على استكمال أجندتهم الفلسطينية وتعيد رفع شعار الهزيمة المشؤوم "يا وحدنا".
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة