جعدة مؤتمرات القمة العربية   
الخميس 26/3/1431 هـ - الموافق 11/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:43 (مكة المكرمة)، 10:43 (غرينتش)
محمد علي الحلبي


"غنى المرء في الغربة وطن، وفقره في الوطن غربة".

مثل قديم ردده ويردده الإنسان العربي، وفي تقديرنا أن الغنى ليس محصوراً بالمادة فقط، بل هو غنى المادة والروح، فاستقرار أوضاع الحياة المعاشية وتمتع الإنسان بحريته الكاملة التي لا تعتدي على حريات الآخرين يتركان لديه ثروة وسعادة دائمتين.

تذكرت هذه الحكمة إثر اجتماع وزراء الاقتصاد العرب في الكويت في10 فبراير/شباط الماضي، وانتهى مُعداً -وكالعادة- ملفاً اقتصادياً رفعه للقمة العربية (22) المُقبلة، التي ستعقد في شهر مارس/آذار القادم في ليبيا، وكما هو معروف ففي آذار بدايات أيام الربيع بجمال طبيعته، وكثرة أزهاره ووروده، وحتى اخضرار أشجاره، وبدء الدفء في أيامه جميعها تُحيي الأمل، وتطلق الأمنيات على غاربها لتصل إلى الذروة، ففيه تتزين الأرض بخضرة ألوانها, وبتكامل جمالات اللوحات الكونية تجعل الفرد يرتاح في ربعه -المنزل والوطن- ففيهما الأمان، لا بل الطمأنينة، وبالتالي فالطمأنينة تتحقق بتواجد شقيها المادي والنفسي، والمؤمن بربه وبوطنه يتوجه إلى السماء بالدعاء قائلاً: "اللهم اجعل القرآن ربيع قلبي" ففي تلاوته والتقيد بتعاليمه الراحة للقلوب الطاهرة... العابدة... الناسكة.

"
ميزة قرارات القمم العربية بقاؤها كلمات لا تنصرف على أرض الواقع وكلما مرّت السنون ازدادت غزارتها لكثرة ما يتوضع على الواقع العربي المتردي من آلام ومصائب لم يجدوا حلولا لها وما زالوا مصرين عبثاً على إيجادها
"
وماذا عن الجعدة؟
إنه نبت ينبت على شواطئ الأنهار في الربيع، طيب الريح، لكنه يجف سريعاً، ويتمادى اللغويون في الاشتقاق فيقولون: "جعد اليدين، أي بخيل" ومؤتمرات القمة برمتها ليست إطلاقا بجعدة اليدين في قراراتها، فهي غزيرة في مضامينها وتنوعات مقاصدها, وجميلة النصوص والإيقاع وعبقة الرائحة تنعش النفس, وميزتها الوحيدة بقاؤها كلمات لا تنصرف على أرض الواقع فكلما مرّت السنون ازدادت غزارتها لكثرة ما يتوضع على الواقع العربي المتردي من آلام ومصائب لم يجدوا حلولا لها وما زالوا مصرين عبثاً على إيجادها, فالإرادة غير متوفرة ومعدومة بفعل عوامل عدة، وللحق والحقيقة فقراراتها كالجعدة.

ففور الإعلان عنها تجف وتموت، ويطويها النسيان، ويُدفع بها إلى رفوف مكتبة مقرّ الجامعة العربية في القاهرة ومكتبات مقرات وزارات الخارجية في كل بلد يتعب العاملون في تصنيفها ويحافظون عليها وقد ألفوا ذلك وتآلفوا مع واقعها التخزيني ولا شيء أكثر، ذلك يتبدى ويظهر جليا وواضحا في الواقع الذي نعيشه المتردي من حال إلى حالٍ أسوأ، وأيضا في استطلاعات الرأي العام التي تُجريها مراكز إعلامية تظهر فقدان الأمل، بل انعدامه لدى الغالبية العظمى من أبناء الشعب العربي، وأكثر فبيانات وتصريحات العاملين في هذه الجامعة العربية تكشف عن المسيرة الفاشلة لها ولفروعها العديدة المتعددة.

فمجلس الوحدة الاقتصادية الذي أسس فعلياً في 3 يونيو/حزيران 1957، وقد سبقت التأسيس اتفاقية أبرمت في عام 1950 بين الدول الأعضاء في الجامعة أقرت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، وبعد مرور أكثر من نصف القرن على ولادة المجلس يُصرح منذ فترة قريبة الأمين العام له قائلاً: "الاقتصاديات العربية ضعيفة، وتحتاج إلى مشروع تنموي كبير لإعادة بنائها، وهو ما تدعو إليه جميع الدول العربية، هذا المشروع يحتاج إلى سبعين مليار دولار سنوياً ليستمر عشر سنوات بمبلغ إجمالي سبعمائة مليار دولار ليشمل إصلاحاً اقتصادياً كاملاً، فالبطالة في تزايد مستمر حيث بلغت 15% -20% من حجم القوى العاملة، ونحو ما يعادل 15-20 مليون عاطل عن العمل. حوالي60% منهم من الشباب "ويُبشرنا بمستقبل زاهر إن تُركت الحلول وفق عمليات بناء الاقتصادات القطرية قائلا ً: "إن قوة العمل تنمو سنوياً بمعدل2% "أي إن 3-4 ملايين فرد يدخلون سوق العمل كل عام، ومن المتوقع أنه وبعد عشر سنوات سيرتفع حجم البطالة إلى خمسين مليون فرد.

وعن الفجوة الغذائية بالوطن العربي يقول "بأنها أصبحت عبئاً على موازين مدفوعات بلدانها حيث تتراوح واردات الغذاء بين 20 و25 مليار دولار سنوياً، بينما صادرات الغذاء العربية تقدر فقط بنحو خمسة مليارات، أي أن الفجوة تقدر بحدود 15 مليار دولار، والعالم العربي يُعدّ مستورداً لكل أنواع الغذاء, منها الحبوب، والألبان، والسكر، واللحوم، ومن المتوقع تزايد الفجوة مع تزايد عدد السكان".

ويتابع الأمين العام تحليله وكشفه لعيوب الخطط الاقتصادية المحلية فيقول: "اقتصاد بعض الدول العربية يعتمد على البترول 70% من الصادرات العربية، واعتماد البعض الآخر على السياحة مما جعل اقتصادات الدول العربية عرضة للتقلبات نتيجة الأحداث العالمية والسياسية" مستنتجاً في نهاية تقييمه "بأن الاقتصاد العربي هشّ".

ومنذ أيام عُقد مؤتمر وزاري عربي أفريقي للتنمية الزراعية والأمن الغذائي ينطبق عليه المثل الشعبي الدارج "التقى متعوس الحظ مع خائب الرجاء" وقد نابَ عن الأمين العام لجامعة العربية وكيله فلم يترك في كلمته مصيبة من المصائب المحلية، أو العالمية إلا وتحدث عنها، وتنبأ مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) بوجود 46 دولة في العالم ستتعرض لأزمات غذائية طاحنة خلال الفترة القادمة منها 19 دولة أفريقية، ودولتان عربيتان موضحاً أن (الفاو) أكدت أيضاً أن فاتورة الواردات الغذائية للبلدان ذات الدخل المنخفض ستعاني من عجز غذائي بنسبة 40% في العامين القادمين، متوقعاً أن يصل العجز في مجالات الأمن الغذائي في الوطن العربي خلال السنة الحالية إلى 21 مليار دولار في ظل استمرار معدل الزيادة السكانية، وطبيعي أن الهدف من هذا المؤتمر -كالعادة- إعداد ملف متكامل من حيث "المحتوى والآليات" لرفعه للقمة العربية الأفريقية المُقبلة.

ومن خلال حقائق نصف القرن الماضي، وعبر الأنظمة المحلية، ومؤسسات الجامعة العربية جميعها أفقدتنا الأمل، وبالتالي فمن رابع المستحيلات عقد أي أمل في المجال الاقتصادي على القِمم المُشتركة والمُوسعّة، فهي جمع للأعداد السلبية وفي محصلتها يرتفع مقدار السالب لدى المجموع.

"
الأمن الاقتصادي من أوليّات وبديهيات العمل التنموي الاقتصادي الذي يُعدّ بدوره الرافد الأساس لعناصر القوة المطلوبة لحماية الأمة العربية عسكريا وسياسيا، فالاقتصاد رُكنها الأساس وعمادها
"
إن الأمن الاقتصادي من أوليّات وبديهيات العمل التنموي الاقتصادي الذي يُعدّ بدوره الرافد الأساس لعناصر القوة المطلوبة لحماية الأمة العربية عسكريا وسياسيا، فالاقتصاد رُكنها الأساس وعمادها، وبدون القوة الاقتصادية تبقى المجتمعات والبلدان عرضة للاختراق والاحتلال بشكل مباشر، أو غير مباشر واللعب بمكوناتها، وفي إطلالة على واقع الأمن الغذائي العربي، والإمكانات المتوفرة والمتاحة لتثبيت ركائزه في حياة الإنسان العربي, فإن المحور الرئيسي يجب أن يكون تحت شعار "التنمية الريفية الكاملة" وهي مهمة مستمرة تُغنيها الدراسات والتجارب.

ففي وضع المخططات التنظيمية العمرانية للقرى الريفية لتكون مماثلة لنظيراتها في العالم الغربي يُحول الريف إلى مدن صغيرة فيها كل المقومات الضرورية لمن يعيشون فيها من رعاية صحية وخدمات، إضافة إلى وحدات إرشادية تزيد من معارفهم، وتتعاون معهم في حل المشاكل والصعوبات التي تعترضهم، وقد يكون من المفيد جداً فتح مراكز تدريبية على المهن اليدوية، خياطة، تطريز، صناعة السجاد للمرأة الريفية فتتيح لها مورداً مالياً إضافياً يُعزز دخل الأسر، وعلى جانب القرى لا بد من إيلاء الأهمية القصوى لتخصيص مناطق صناعية تشمل الورشات المُصنعة للمعدات الزراعية، وورشات تحضير الإنتاج بصورة تتماشى مع رغبات المستهلكين، سواء أكانوا محليين أو مستوردين من بلدان أخرى، وفوق كل ذلك تقديم الحوافز بكل أنواعها للراغبين في تصنيع المنتجات لعدة قرى. كالمربيات، والزيوت، وتعبئة الزيتون وحفظه، وتصنيع أوليّ للمنتجات الحيوانية. البيض والحليب واللحم.

مثل هذه البرامج تجعل من الريف مناطق سكن تستهوي الكثيرين لجمال طبيعتها، ونقاء أجوائها، ولتزايد دخول أفرادها, فتحد من هجرات الريف إلى المدن.

لو دَخلنا إلى بعض التفاصيل الأساسية لتكتمل أهمية الدراسة، فمساحة الأراضي القابلة للزراعة في الوطن العربي بلغت وفق تقديرات عام 1996 حوالي 198,20مليون هكتار. مساحة الأراضي المزروعة منها 69,24مليون هكتار، المرويّة منها 11,12 مليون هكتار، وتبلغ مساحة الأراضي الحراجية (الغابات) 74,31 مليون هكتار، وتشكل 5% من إجمالي المساحة الكليّة، أما المراعي فتبلغ مساحتها 502,29 مليون هكتار، وتطوير إنتاجية هذه المساحات يكون عبر:

التوسع الأفقي: عن طريق زراعة المساحات المُتبقية، وضمّها إلى المزروعة حالياً، وأكثر البدء باستصلاح الأراضي غير القابلة للزراعة من خلال الآليات المُخصصة في هذا المجال بدعم حكومي يُقدم لمالكيها، وإن لم يكن من مُلاك لها ويطلق عليها اسم “أملاك دولة" فتوزع على الفلاحين بعد استصلاحها.

والتوسع الشاقولي: وذلك بزيادة الإنتاجية للوحدة المُقدرة باعتماد التطورات العلمية الحديثة، من الريّ بالتنقيط توفيراً للماء، وعدم نمو الأعشاب وبالتالي الإقلال من الجهد المبذول لاقتلاعها، واستعمال التقاوي المُحسنة وهي البذور التي تُشرف على تطويرها وانتقائها أجودها نوعا وأكثرها إنتاجا إما الدولة، أو مراكز الأبحاث القطرية، أو العالمية، كما أن إضافة الأسمدة وبالكميات المناسبة، والعناية المستمرة بالنباتات أو الأشجار تزيد جميعها من عطائها.

وعن الثروة الحيوانية، فالدراسات تبيّن أن عدد الماشية بجميع أنواعها وصل إلى 190,57 مليون رأس، وفي تسعينيات القرن الماضي وصل إنتاج اللحوم الحمراء عربيا 3192,79 ألف طن، ولحوم الدواجن 1621,99ألف طن، والألبان 16785,80 ألف طن، والبيض850,56 ألف طن، والتوسع في المراعي قابل للزيادة، فأغلب الأراضي العربية قليلة الأمطار، وتربتها بحاجة إلى معالجة، وبالتالي فالحل يكمن في إضافة بعض الأسمدة لها، وزرع نباتات رعوية تتعايش وندرة الماء كنباتيّ الأتربلكس، والهوهبا والنبات الأخير يمكن الاستفادة منه بالحصول على أنواع من الزيوت للطائرات.

وهنا لا بد من ذكر حقائق تدعو لشيء من التفاؤل فبعض الأقطار العربية بدأت إيلاء القطاع الزراعي اهتماماً في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مما أدى إلى زيادة نصيب هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي فارتفعت النسبة من 8,9% في عام 1985 إلى 11,4 في عام 1990، ثم إلى13% في عام 1996 فتضاعف إنتاج الحبوب خلال فترة عشر سنوات حيث وصل الرقم إلى 43,7 مليون طن عام 1994 بينما كان 22,4 مليون طن عام 1984، وازداد إنتاج القمح بنسبة 120% خلال نفس الفترة من 8,8 ملايين طن إلى 19,9 مليون طن.

إذاً عندما تتوفر الإرادة السياسية تخلق وتبدع في كل شيء، والإجراءات التي اتخذت في هذا المجال كانت محلية وقطرية، وقد سُجلت أبرزها في كل من مصر، والسعودية، وسوريا، وعلى سبيل المثال فمصر ارتفع إنتاجها ثلاثة أضعاف على ما كان عليه في الأعوام الماضية، ووصل إلى 17 مليون طن عام 1995، ومع كل ما تمّ فنسبة الاكتفاء الذاتي بقيت في حدود 55%.

رددنا دائماً مقولة الأمن الغذائي، ففي حال تحققه وتوفر فوائض إنتاجية للتصدير يؤمن للمواطن العادي رغد العيش ويسهم بالأمن الوطني والقومي، فوكالة المخابرات المركزية الأميركية كلفت خبراءها بوضع تقرير طلبه منها وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عشية انعقاد المؤتمر العالمي حول التغذية في عام 1974، وقد جاء في التقرير "إن نقص الحبوب في العالم من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة الأميركية سلطة لم تكن تملكها من قبل. إنها سلطة تمكنها من ممارسة السيطرة الاقتصادية والسياسية تفوق تلك التي مارستها في السنوات الماضية".

وهكذا فبيع الحبوب والمساعدات التي تقدم منه إلى دول العالم، ولبعض الأقطار العربية ارتبطت بشروط سياسية لمصلحة أميركا وحلفائها، وعندنا الحليف الإستراتيجي لها "إسرائيل".

"
مع كل الإحباطات التي عشناها نعود لنعقد الأمل في أدنى حدوده، فما يهم في هذه الظروف لقمة العيش لتستمر الحياة أملا في عودة وطننا إلينا، فلربما أفرزت الأيام المقبلة أجيالا ًتُعيد الأمور إلى نصابها
"
تحدثنا في البداية عن الربيع، والآمال والأماني من مؤتمر القمة القادمة، وبيّنا أن استطلاعات الرأي العام تعبر عن خيبة لا بل عن المزيد منها في هذا المجال، فالماضي وحصائده خلال أكثر من نصف قرن دَفع باليأس إلى قلوب وعقول أبناء الأمة العربية.

لقد تنشقوا جعدات الربيع وعبقها الذي لم يطل أمداً، فالجفاف والموت لحقا بها سريعاً، لكن وأمام الواقع الحالي فالحل ليس بيد هذه الكثرة من المسؤولين، لأنها عُزلت وعزلت نفسها عن مواقع القرار الصائب بفعل عوامل خارجية ومحلية, والموضوعية هنا ورغم كل الظلمات والعتمة تقتضي منا ذكر ومضات إشراقية في مجال الاستثمار الزراعي, لكنها مبادرات -ورغم تقديرنا لها- ليست ضمن نهج عام مخطط له على مستويات القرار العربي.

فلقد وقعت شركة "حصاد" القطرية اتفاقية استثمار مع السودان بمساحة 255 ألف فدان في شماله برأسمال قيمته مائة مليون دولار تليها مراحل أخرى متطورة يصل فيها مبلغ الاستثمار إلى مليار دولار والمشروع المقام سيعمل تجاريا داخل وخارج السودان وحصة الشركة فيه 75% والسودان 25%, وفي المغرب العربي فما بين خمس وعشر شركات خليجية تشارك في مناقصة دولية للاستثمار في زراعة خمسين ألف هكتار من الأراضي التابعة للدولة, والشركات التي ستتقدم للمنافسة من السعودية والإمارات ومستثمرين من البحرين وقطر وهناك نوايا وتمنيات من مدير شركة تبوك السعودية لإقامة ضيعة مغربية شاسعة تقدر بآلاف الهكتارات تقام عليها زراعات كأشجار الزيتون, كما وللسعودية مشاريع قائمة في ماليزيا والحبشة.

لذا ومع كل الإحباطات التي عشناها نعود لنعقد الأمل في أدنى حدوده، فما يهم في هذه الظروف لقمة العيش لتستمر الحياة أملا في عودة وطننا إلينا، فلربما أفرزت الأيام المقبلة أجيالا ًتُعيد الأمور إلى نصابها.

 زراعة الأرض. كل الأرض لتزداد الخضرة والعطاءات هي نقطة بدء ستليها تغيرات ومتتاليات عدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة