لماذا تحولت الديمقراطية من حل إلى مشكلة؟   
الأربعاء 17/4/1434 هـ - الموافق 27/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:57 (مكة المكرمة)، 10:57 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي

الأطر الدستورية والقانونية قبل الصناديق
خيارات المجلس العسكري
اختيارات الرئيس
مواقف المعارضة
لا لاختزال المشكلات

في دول أخرى يتصارع الناس، وربما يتحاربون، ثم تكون الديمقراطية والارتباط بمعاييرها وضوابطها هي الحل. ما حدث عندنا في مصر هو العكس، رفع الشعب في ثورته شعارات ومطالب ديمقراطية، لكن النخب فشلت في ترجمة هذه المطالب إلى مؤسسات وأطر قيمية ودستورية وقانونية، وراحت تتنافس -قبل بناء النظام السياسي البديل- على كعكة غير موجودة بالأساس، واعتقد كل فصيل بأن رؤيته هي الصحيحة وأن الآخر يتآمر عليه.

الأطر الدستورية والقانونية قبل الصناديق
في الحالات الناجحة للانتقال إلى الديمقراطية، يتم الاتفاق -أولا- على الأطر الدستورية والقانونية بأكبر قدر ممكن من التوافق والمشاركة والشفافية، ثم يتم الاحتكام بعد هذا إلى صندوق الانتخابات لتشكيل مؤسسات وحكومات منتخبة تتنافس في تحقيق المصلحة العامة ببرامج مختلفة، في ظل إطار متفق عليه مسبقا وفي ظل مؤسسات رقابية، سياسية وقضائية ومحاسبية، فعالة ومحايدة.

ما تم عندنا هو العكس، تسابقت القوى السياسية على وضع أجنداتها الحزبية أمام المصلحة الوطنية الجامعة، ولم تتخلص من شكوكها المتبادلة، ثم رتبت كل مواقفها واختياراتها على هذا الأساس. وصارت المباراة صفرية بين فصائل لا تقرأ الواقع جيدا، ولا تفهم سنن الانتقال الديمقراطي، ويتصور كل طرف منها أنه يمتلك الحل وأن منافسه لا يستحق أن يكون في المشهد السياسي. ودخلت البلاد في جدالات عقيمة حول قضايا ليست من صلب النظام السياسي البديل، وتعاظمت المشكلات والأزمات.

وفي كل مرة تتصور النخب أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو الحل، وقد بدأ هذا الأمر في استفتاء التعديلات الدستورية، ثم في الانتخابات البرلمانية الأولى، ثم في استفتاء الدستور، ويبدو أنه سيتكرر الآن مع انتخابات مجلس النواب بعد صدور قرار الانتخابات دون تحقيق أي تقدم على مائدة الحوار الوطني، في ذات الوقت الذي يكرر فيه البعض أن كل الموضوعات مقبولة للنقاش في الحوار الوطني، دون التفكر في ماهية هذه الموضوعات التي تبقت للحوار.

الاحتكام إلى الصناديق لحل مشكلات النخب لن يساعد على حلها، وإنما ينتج أوضاعا أكثر انقساما أو مؤسسات سياسية من السهل استهدافها، ومن ثم يزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي

أكرر ما كتبته مرارا منذ مارس/آذار 2011 وحتى الاستفتاء الأخير: إن الاحتكام إلى الصناديق لحل مشكلات النخب (قبل تقديم حلول سياسية للمشكلات القائمة وبناء توافقات وطنية موسعة حول الأطر الدستورية والقانونية وقواعد التنافس السياسي) لن يساعد على حل هذه المشكلات، وإنما ينتج أوضاعا أكثر انقساما أو مؤسسات سياسية من السهل استهدافها، ومن ثم يزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي ويؤزم المشكلات.

ولا يمكن هنا مقارنة أوضاع مصر -التي تمر بمرحلة انتقالية، ولم يتم بعد بناء بقية مؤسسات الدولة، وتعيش حالة من الاستقطاب السياسي الحاد وصل مؤخرا إلى داخل التيار الإسلامي ذاته- بأوضاع الدول المستقرة ديمقراطيا من النواحي السياسية والدستورية والقانونية، والتي استقرت فيها ثقافة سياسية تسمح بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع لحسم القضايا الكبرى أو الخلافية.

كما أن الانتخابات ذاتها لا تعني الاقتراع والصناديق فقط، وإنما هناك مراحل ثلاث لها على الأقل: ما قبل الاقتراع (الأسس الدستورية والقانونية وضمانات تنافسية الانتخابات)، ويوم الاقتراع (ضمانات حيادية السلطة التنفيذية واستقلال الجهاز المشرف على الانتخابات ونزاهة إدارة الانتخابات وتأمينها)، وما بعد الانتخابات (أي أن تؤدي الانتخابات وظائفها في اختيار وتمكين المؤسسات المنتخبة من أداء مهامها، ومنحها الشرعية الشعبية، والتعبير عن الشعب كمصدر للسلطة). (انظر مقالنا بعنوان متى تكون الانتخابات ديمقراطية؟ الجزيرة نت، 28 مارس/آذار 2007).

خيارات المجلس العسكري
في حالات الانتقال الناجحة التي يلعب الجيش دورا فيها، يقتصر هذا الدور على تسليم السلطة للمدنيين ليديروا هم المرحلة الانتقالية والتوافق على الأطر الدستورية والقانونية والمؤسسية للبناء، ولا يلجأ فصيل ما إلى تسييس الجيش، لا بالتحالف معه والاستقواء به ضد منافسيه، ولا بدعوته إلى الانقلاب على المؤسسات المنتخبة.

ما حدث في مصر هو أن البعض اعتقد خلال فترة العام والنصف من حكم المجلس العسكري، أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على خلق التوازن بين القوى السياسية، وبالتالي لا خطورة (على الجيش أو منه) من ترك السلطة للجيش بمفرده. كما اعتقد أعضاء بالمجلس العسكري أنهم هم فقط الذين لديهم القدرة على التصرف والحكم في ظل مجتمع جُرّفت فيه السياسة لعقود.

كانت النتيجة هي عدم قدرة المجلس على اتخاذ خطوات حقيقية في الملفات الملحة (الشرطة، القضاء، الإعلام، الملف الاقتصادي/الاجتماعي، ناهيك عن الملف السياسي والإدارة السيئة للمرحلة الانتقالية)، ثم تورطت عناصر من الجيش في قتل المتظاهرين، ليصل الأمر إلى التظاهر ضد حكم العسكر، فالتعجيل بالانتخابات الرئاسية. لكن بعد تغيير قيادة الجيش عقب انتخاب الرئيس المدني، وبعد الاستقطاب الحاد بين القوى السياسية في أعقاب الإعلان الدستوري، استطاعت قيادة الجيش تغيير الصورة السلبية للمؤسسة، حتى صارت هناك قوى سياسية وشخصيات عامة تطالب الجيش بالتدخل من جديد وإقصاء الإخوان! 

اختيارات الرئيس
أما الرئيس المنتخب فلم يستطع البدء في معالجة الملفات الملحة بشكل علمي وشامل، ولم يكن قادرا على الحكم وإدارة البلاد عبر شراكة وطنية حقيقية أو حتى بطريقة شفافة. ومنذ الأسابيع الأولى لحكمه وقبل أن تتأزم الأمور، لم يختر الرئيس شخصية وطنية مشهودا لها بالكفاءة في رئاسة الوزراء، ولم يستطع الوصول إلى قدر أكبر من التوافق حول الدستور كما وعد. وبعد تأزم الأمور لم يصل الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس إلى نتائج ملموسة في كل المسائل المطروحة (تعديل الدستور، النائب العام، تغيير رئيس الحكومة).

متى تم زرع بذور العنف فلن يمكن احتواؤه لأنه ينمو ويتكاثر، كما أن هناك اختراقا من بعض الجماعات العنيفة لإجهاض الثورة

والأخطر من كل هذا  هو الاستمرار في التقليل من شأن كل تحرك شعبي في الشارع واعتبار أن الوقت كفيل لوحده بالقضاء عليه، وحصر الشرعية في الصناديق فقط قبل الانتهاء بشكل توافقي على بقية قواعد اللعبة والدستور والقوانين المكملة له.

أما محاولة جمع القوى السياسية وراء الرئيس والاستقواء بهم ومشاركتهم له في تحمل مسؤولية ملفات الإرث الأسود للعهد السابق وتوزيع العبء على كل الكفاءات الوطنية، فلم يكن الرئيس قادرا عليه أو راغبا فيه، بل وانتهى الأمر بعد ثمانية شهور من حكم البلاد إلى تصاعد المشكلات والمآزق السياسية، فبجانب تدهور المشكلات الاقتصادية وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، تأزمت المسألة الأمنية وصارت هناك احتجاجات متصاعدة داخل جهاز الشرطة ذاته، وهناك عصيان مدني في منطقة إستراتيجية من البلاد، وازدادت حدة الاستقطاب السياسي ليصل إلى داخل التيار الإسلامي ذاته.

والأخطر من كل هذا هو انتشار العنف الذي صار يمارس من قبل جماعات متعددة وبأشكال مختلفة، فمع الاستمرار في تجاهل الشباب والاستهانة بمطالبهم، ظهر العنف المنظم والعلني لتدخل الثورة مرحلة جديدة بقصر نظر النخب وقراءتها الضيقة للواقع من حولها.

ومشكلة العنف الأساسية هي أنه من الصعب معالجتها في المدى المنظور، فمتى تم زرع بذور العنف فلن يمكن احتواؤه لأنه يتكاثر وينمو، كما أن هناك اختراقا من بعض الجماعات العنيفة لإجهاض الثورة وتحقيق مصالح خارجية تعادي مصر والثورة.

مواقف المعارضة
تحولت الديمقراطية من حل إلى مشكلة عندنا حين فشلت المعارضة في تقديم بدائل حقيقية وفي النزول إلى الشارع وفي جعل علاقتها مع الرئيس والإخوان علاقة صفرية، فإما هم أو نحن. الهجوم المبكر على شرعية أول رئيس منتخب كان أول الأخطاء في ظل حالة السيولة السياسية القائمة، إذ كان يجب حصر الخلاف مع الرئيس حول سياساته، وكان ينبغي تقديم بدائل محددة بدلا من النضال لتسجيل المواقف عبر الفضائيات.

ثم كان الخطأ الثاني وهو الاحتماء بالجيش وتصور أنه الحل. واليوم تقترب المعارضة من خطأ آخر، فبدلا من الضغط من أجل انتخابات ديمقراطية حقيقية، تهدد بمقاطعة الانتخابات حتى تنتهي الأمور إلى انفراد فصيل واحد فعلا بالحكم. المقاطعة سلاح فعّال إذا تمت بالتنسيق بين أحزاب قوية ولها رصيد جماهيري قوي، وإذا قُدّم بديل لها كحشد مليونيات شعبية حقيقية وإضرابات قوية تماما كما حدث في أعقاب انتخابات 2010، فهل المعارضة قادرة على هذا؟

ومن الأخطاء القاتلة للطرفين أيضا اللجوء إلى الشارع وحشد الأنصار لاستعراض القوة أو فرض وجهة نظر معينة. هذه طريقة شعبوية في إدارة الأمور أدت في النهاية إلى ظهور مجموعات عنف غير تقليدي كالبلاك بلوك وغيرها، أو إلى تسييس قطاعات غير مسيسة في الأساس (كالألتراس مثلا)، أو ترك العنان للأفكار الشاذة والمتطرفة للظهور (كمحاولات إنشاء كتائب إسلامية)، مع استمرار الحروب الإلكترونية وكتائب تشويه الخصم ونشر الشائعات من أطراف عدة.

لا يمكن أيها العقلاء في المعارضة اختزال المشكلة في أخونة الدولة، ومع افتراض أن هناك نية لذلك, فالحل لا يكون في القضاء على الإخوان وإنما في التنافس معهم سياسيا

لا لاختزال المشكلات
لا يمكن أيها العقلاء في السلطة اختزال كل المشكلات التي يواجهها الرئيس في "مؤامرة" الآخرين عليه دون أدلة واضحة، ومع افتراض أن هناك مؤامرات فالحل يكمن في كسب الحلفاء والمؤيدين والمتعاطفين وتوسيع دائرة تحالفات السلطة، لا في اختيار السلطة مسالك تُفقدها كل يوم حليفا من حلفائها، وتتصور أن قناعاتها هي الصواب دوما.

ولا يمكن أيها العقلاء في المعارضة اختزال المشكلة في "أخونة الدولة"، ومع افتراض أن هناك نية للأخونة والسيطرة فالحل لا يكون في القضاء على الإخوان أو إقصائهم، وإنما في التدافع والتنافس معهم سياسيا في كل المواقع وتقديم البدائل وخلق نخب جديدة وتمكين الشباب.

الخطر الحقيقي على الثورة يأتي من اختيارات النخب التي تتصدر المشهد الحالي. وهناك بالطبع أبعاد خارجية مهمة لا تقرؤها هذه النخب وتخاطر بالمنطقة كلها، أبعاد تأتي من مصر النموذج الذي سينتقل -إنْ نجاحا أو فشلا- إلى أشقائنا العرب، ومن المتربصين بنا إقليميا ودوليا.. ولهذا حديث آخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة