رسائل سياسية من تونس   
الاثنين 1432/2/13 هـ - الموافق 17/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:10 (مكة المكرمة)، 13:10 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح


حضور مؤثر للخارج
تصاعد دور القاعدة الشعبية
أزمة الوسائط السياسية

عديدة ومتنوعة هي الرسائل التي تنضح بها التجربة العصيبة والمثيرة، التي تشهدها تونس هذه الأيام، والتي وضع الشعب التونسي بموجبها نهاية تراجيدية لثلاثة وعشرين عاما أحكم طيلتها نظام الرئيس زين العابدين بن علي قبضته على مقاليد السلطة في البلاد بيد من حديد، وذلك في غضون ثلاثة وعشرين يوما فقط، خيّب الشعب التونسي خلالها ظنون الجميع بعد أن تحول باحتجاجاته جراء البطالة وغلاء المعيشة والفساد، إلى انتفاضة سياسية جارفة, لم تفلح مبادرات الرئيس ابن علي الاضطرارية والمتأخرة في احتوائها، تنشد التغيير وتأبى إلا الإطاحة بنظام ابن علي وإقرار إصلاحات شاملة.

غير أننا نقف عند اثنتين فقط من بين هذه الرسائل، وهما المتعلقتان بدور كل من العامل الخارجي والضغط الشعبي القاعدي في تحديد معالم تلك التجربة الفريدة عربيا.

حضور مؤثر للخارج
"
غض الغرب الطرف عن انتهاكات ابن علي للديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية على مدى ثلاثة وعشرين عاما قضاها ابن علي في السلطة، طالما بقي الرجل حليفا وفيا للغرب وعامل استقرار مهم لمصالحه
"
لكم كان حامي الوطيس هو ذلك الجدل العربي المزمن حول دور العامل الخارجي في عملية الإصلاح والتغيير المستعصيين منذ زمن في المجتمعات العربية، وها هي الحالة التونسية تعيد اليوم تسليط الضوء على هذه الإشكالية بالتجربة العملية.

فلأسباب كثيرة كان من أهمها العولمة وارتباط تونس الشديد بالغرب، لاسيما فرنسا، ولأسباب ثقافية وجيوإستراتيجية، كان الغرب بمثابة اللاعب الحاضر الغائب في أغلب الأحيان على الساحة التونسية.

فلقد جاء الانقلاب الأبيض الذي قام به الرئيس ابن علي على سلفه الحبيب بورقيبة في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1987 وانتزاعه الرئاسة على إثره مستندا إلى نص دستوري يسوغ للوزير الأول ذلك الأمر في حالة عجز الرئيس عن تسيير أمور البلاد والاضطلاع بمهامه الرئاسية، بتنسيق بين ابن علي والغرب حتى إن الولايات المتحدة قد لعبت دور العراب في عملية انتقال السلطة وقتذاك من حليفها القديم إلى رجلها الجديد.

وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما قضاها ابن علي في السلطة وأجرى خلالها أربعة انتخابات أحاطت بها الشبهات لكونها قد أجريت في ظل قمع أمني وإقصاء للمعارضة الإسلامية والعلمانية في آن واحد، غضّ الغرب الطرف عن انتهاكات ابن علي للديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية، طالما بقي الرجل حليفا وفيا للغرب وعامل استقرار مهم لمصالحه في بلد أهّله موقعه الجغرافي وبنيته السياسية والعرقية للعب دور محوري في محاربة الإرهاب ومكافحة الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا فضلا عن سد الطريق أمام الحركات الإسلامية المناهضة للغرب.

ومن هنا، كانت إشادات فرنسا وقادتها بإنجازات ابن علي الاقتصادية وفي مجال التعليم إلى حد وصف رئيسها السابق جاك شيراك لتلك الإنجازات بأنها معجزة وسط منطقة ظلت ملبدة بالغيوم ومفعمة بالمشاكل طيلة عقود بدءا بأعمال عنف تقترب من الحرب الأهلية في الجزائر، مرورا بعقوبات خانقة كانت تخنق ليبيا، وصولا إلى صراع جزائري مغربي على الصحراء المغربية.

وبينما لم يفض تفاقم استياء الأوساط الحقوقية الفرنسية والجالية التونسية في فرنسا من دفاع قصر الإليزيه عن ابن علي في عهدي شيراك وساركوزي إلى تغيير موقف باريس من الرئيس التونسي، الذي ظل شعبه يئن تحت المعاناة وتبخر وعود الرئيس في بيان 7 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1987 بالحرية والتنمية والإصلاح ورفض فكرة الرئاسة مدى الحياة، لم تتورع وزيرة الخارجية الفرنسية قبل أيام عن تقديم عرض بإرسال قوات فرنسية إلى كل من تونس والجزائر للإسهام في قمع المظاهرات والاضطرابات المشتعلة فيهما من دون خسائر مادية وبشرية، وهو العرض الذي أدى إلى تنامي احتقان الشعب التونسي ونقمته على باريس.

بيد أن تسارع وتيرة الأحداث في تونس خلال الأيام المنقضية واقتراب الغليان الشعبي من الفعل الثوري، قد دفع بالعواصم الغربية، خصوصا واشنطن وباريس، إلى العدول عن مواقفهما حيال نظام الرئيس ابن علي وانتهاج النهج التقليدي الغربي في مثل هذه الظروف، حيث شرعت العاصمتان في التخلي تدريجيا عن حليفهما التونسي بمجرد أن بدا لهما أن ما يجري في تونس هذه المرة ليس مجرد "انتفاضة خبز" على غرار تلك التي اندلعت عام 1984.

فقد حمل إصرار الشعب التونسي هذه المرة على التغيير والتصدي للفساد والصمود أمام القمع والرصاص الحي في طياته نذر أفول عهد نظام الرئيس ابن علي برمته، على نحو ما بدا لاحقا في رفض الشعب التونسي لتولي الوزير الأول في حكومة ابن علي محمد الغنوشي، مهام رئيس البلاد بعد فرار الأخير وتقديمه وعودا براقة بإجراءات إصلاحية وانفتاحية غير مسبوقة، حيث أكد الشعب عزمه الإطاحة بكل ما يمت بصلة لذلك النظام وعدم الإبقاء على أي من أذنابه.

وانطلاقا من ذلك، سلكت وثائق غربية طريقها إلى موقع ويكيليكس عن فساد الرئيس وزوجته وعائلته وأصهاره الذين تغولوا في جمع الأموال بطرق غير مشروعه وتمادوا في استغلال النفوذ حتى انحصر جني ثمار التنمية الاقتصادية الشكلية التي تحققت في عهد ابن علي في حاشية الرئيس وأقربائه وأصهاره والمرتبطين به فقط في حين ظلت غالبية الشعب التونسي تعاني الأمرين حيث البطالة والفقر وارتفاع أسعار السلع الأساسية بسبب إلغاء الدعم المقدم لها وتعويم أسعارها كيما تتحدد وفقا للسوق العالمية، التي شهدت ارتفاعا قياسيا في أسعارها منذ عام 2008.

"
لم يكن مستغربا تتابع البيانات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي وواشنطن للإعراب عن قلقهما, بعد أن بدا لهما أن أوراق التوت بدأت تسقط تباعا الواحدة تلو الأخرى عن ابن علي داخل بلاده
"
ومن قبل ذلك كان نشر الكتب والمقالات في فرنسا وأوروبا عن فساد ليلى الطرابلسي عقيلة الرئيس التونسي وأسرتها. كما طفقت وسائل إعلام أميركية تروج لأن ما يجري في تونس إنما هو رسالة تحذيرية وبداية لحركة تغيير واسعة تطال ما أسمته "الأنظمة القمعية والديكتاتورية" في العالم العربي.

ومع تدافع التحرك الشعبي ضده، بدا للغرب أن أوراق التوت بدأت تسقط تباعا الواحدة تلو الأخرى عن ابن علي داخل بلاده مع إمعانه في استخدام العنف لقمع الغضب الشعبي المتفاقم وافتضاح أمر فساده هو وأسرته وحاشيته.

وبالتالي، لم يكن مستغربا تتابع البيانات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي وواشنطن للإعراب عن قلقهما جراء إفراط النظام التونسي في استخدام العنف لقمع التظاهر السلمي، في بلد يعد عضوا مؤسسا وفاعلا فيما يسمى "مبادرة الشراكة الشرق أوسطية" التي تتضمن تعاونا غربيا عربيا لإقرار الديمقراطية في العالم العربي.

كما لم يكن من الصعب استنباط العلاقة بين قرار ابن علي الفرار ومغادرة تونس فجأة وزيارة قام بها وزير خارجيته لواشنطن قبل ذلك بأيام قلائل.

وفي السياق ذاته يمكن تفهم رفض باريس استقبال الرئيس ابن علي بعد أن قرر مغادرة بلاده، برغم العلاقات الوطيدة بينه وبين ساركوزي. كما لم يكن مفاجئا تسابق كل من واشنطن وباريس إلى مباركة ما جرى في تونس، ففي حين أعلن قصر الإليزيه تأييده لحقوق الشعب التونسي في اختيار حكامه وتحديد مصيره، أبدى الرئيس الأميركي باراك أوباما إعجابه بشجاعة وكرامة الشعب التونسي وأكد دعمه لإرادة التغيير لدى هذا الشعب، التي توقع أن تقوده إلى مستقبل أكثر إشراقا على حد تعبيره.

تصاعد دور القاعدة الشعبية
سلطت أحداث تونس الأخيرة الضوء مجددا على دور القاعدة الشعبية العريضة في عملية التغيير وبناء مستقبل وطنها، فقد كان من أبرز ملامح تلك الأحداث أن أعادت دور المواطن في العملية السياسية إلى الواجهة بعد غياب دام قرابة عقود ستة خلت من الزمن أعقبت استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي.

فعلى خلاف المألوف في عالمنا العربي الذي ألف أن يأتي التغيير، إذا ما جرى أصلا، من أعلى هبة من الحاكم أو تجاوبا منه مع ضغوط وإملاءات خارجية، ضربت التجربة التونسية مثالا رائعا لإمكانية التغيير والإصلاح من أسفل عبر تحركات وضغوط القاعدة الشعبية العريضة.

فخلال الأحداث الأخيرة، بدت جلية المبادرة الفردية بعيدا عن المؤسسات أو الأحزاب، ذلك أن الشرارة التي اندلع على إثرها هذا الحراك السياسي الهائل في تونس كانت إقدام بائع شاب متجول على الانتحار عبر إحراق نفسه يوم 18 ديسمبر/كانون الأول الماضي بجريرة رفضه للبطالة والفقر وتعسف السلطات حيال المهمشين والباعة الجائلين من حملة المؤهلات العليا، في الوقت الذي لا يتورع فيه النظام وأعوانه والمقربون منه عن اعتصار خيرات البلاد ونهب موارد الشعب.

ومن بعد ذلك، اندلعت انتفاضة الشعب التونسي العارمة ضد النظام مرددة الأبيات الخالدة والملهمة للشاعر التونسي الشهير أبي القاسم الشابي، التي يقول فيها:

إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلابد أن يستجيب القدر

ولابـد لليـل أن ينجلي *** ولابـد للقيد أن ينكـسر

وبرغم قسوتها وعنفها، لم تفلح سياسة السلطات للتعاطي مع الانتفاضة الشعبية في قمعها أو إجبار الجماهير على التراجع حتى مع سقوط مئات القتلى والجرحى.

"
بعد أن وجدت السبيل ممهدا والنظام مترنحا والغرب مؤيدا ومتعاطفا، دلفت المعارضة التونسية إلى الساحة ساعية إلى استثمار الموقف ونيل نصيبها من الغنائم بعد أن اقتربت المعركة من نهايتها وبات النصر وشيكا
"
وبعد أن وجدت السبيل ممهدا، والنظام مترنحا، والغرب مؤيدا ومتعاطفا، دلفت المعارضة التونسية إلى الساحة ساعية إلى استثمار الموقف ونيل نصيبها من الغنائم بعد أن اقتربت المعركة من نهايتها وبات النصر وشيكا، الأمر الذي حول الانتفاضة الشعبية من أجل البطالة وغلاء المعيشة والفساد إلى ثورة شعبية تحوي بين ثناياها مطالب سياسية بإسقاط النظام وتنحي الرئيس وإقالة الحكومة وإدخال إصلاحات ديمقراطية وإجراء انتخابات نزيهة في أسرع وقت.

وقد أدى هذا إلى مفاقمة الضغوط على الرئيس ابن علي وإضعاف قبضته على زمام الأمور إلى الحد الذي اضطره إلى تقديم سلسلة من التنازلات لاحتواء الموقف بدأت بإقالة وزير الداخلية وعدد آخر من الوزراء ذوي الصلة المباشرة بالأزمة، فضلا عن مطالبة الأمن بوقف استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، والإعلان عن عدم ترشحه لولاية رئاسية جديدة والإفراج عن المعتقلين وبدء التحقيق في الفساد المستشري، ثم إقالة الحكومة وإجراء انتخابات نزيهة بعد ستة أشهر، غير أن هذه الإجراءات جاءت متأخرة ولم تجد قبولا لدى الجماهير الغاضبة التي ضاقت ذرعا بوعود الرئيس الكاذبة.

أزمة الوسائط السياسية
رغم أن التحام المعارضة التونسية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بالتحركات الشعبية قد أضفى على تلك الأخيرة مسحة سياسية مدوية أفقدت النظام صوابه وأصابته بحالة من الانكشاف السياسي والأمني قادته إلى الانسحاب، فإنه يمكن ادعاء أن ذلك ما كان ليحدث لولا التحركات الشعبية العفوية في بادئ الأمر وما استتبعته من تطورات تكبد خلالها المتظاهرون من العامة أرواحا ودماء زكية أريقت على مذبح التغيير والإصلاح كثمن باهظ للحرية والتنمية والديمقراطية.

وهو ما يبعث على ادعاء أن القطاعات الشعبية غير الحزبية هي التي سددت القسط الأكبر من فاتورة الإنجاز التاريخي الذي باتت تونس على موعد مع تحقيقه والمتمثل في التغيير السلمي والإصلاح من خلال إرادة شعبية صلبة تنبع من أسفل حيث القاعدة الشعبية العريضة بدلا من أن يفرض من أعلى.

الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن مدى فعالية الوسائط السياسية العربية الممثلة في الأحزاب وقوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني في العالم العربي، وإمكانية الرهان عليها مستقبلا.

ففي الأردن وخلال يوم الغضب الذي أعلن عنه يوم الجمعة الماضي، لم يكن هناك حضور ذو قيمة للقوى السياسية وأحزاب المعارضة الأردنية، في حين كانت القاعدة الشعبية العريضة هي صاحبة المبادرة والمحرك والقائد والفاعل الرئيس.

"
القطاعات الشعبية غير الحزبية هي التي سددت القسط الأكبر من فاتورة الإنجاز التاريخي الذي باتت تونس على موعد مع تحقيقه والمتمثل في التغيير السلمي والإصلاح
"

وفي تونس ما أن التزم الجيش التونسي الحياد خلال الأحداث الأخيرة، في موقف يحسب له، حتى علا صوت الجماهير الغاضبة، التي حركها وقادها الشباب التونسي، كما شاطر تونسيو المهجر بني وطنهم أيضا من خلال المظاهرات المتواصلة في العواصم الأوروبية، التي رافقتها ضغوط "اللوبي" التونسي هناك على الحكومات والمنظمات الحقوقية الغربية عبر وسائل الإعلام والقنوات السياسية الرسمية المتاحة.

هذا في حين بقيت الوسائط السياسية التونسية أسيرة ترددها وتقاعسها وسلبيتها، ومن ثم تعطلت عن المشاركة المبكرة، وإن هرعت مؤخرا للحاق بالركب الشعبي توخيا لتسجيل موقف وأملا في اقتطاع نصيبها من العوائد السياسية بأقل كلفة ممكنة ومن دون تضحيات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة