حوار على طريقة سقراط   
الجمعة 1432/9/21 هـ - الموافق 19/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:16 (مكة المكرمة)، 11:16 (غرينتش)
توجان فيصل

مع توسع قاعدة "الربيع الأردني"، يتوالى انضمام شخصيات سياسية محسوبة على الحكم إلى المطالبين بالإصلاح، ولكثرة المتسلقين على ظهر الإصلاح، لا نأخذ مأخذ الجد إلا من كانت لهم رؤى وجهود إصلاحية سابقة. ونحن هنا لا نقدم جردا لما يطرح، ولكننا نتوقف عند معاني ومضامين بعضه في تمحيص لا يحكم عليها بقدر ما يحاورها على طريقة سقراط.
 
واختيار أسلوب سقراط هنا يبدو الأنسب لأن ما يجري الآن في العالم العربي هو ثورة شبابية. وسقراط هو محرك أول ثورة شبابية ظلت قائمة عبر التاريخ، ونراها الآن تحديدا تتجدد بقوة غير مسبوقة مع فتح أبواب المعرفة والحوار للشباب عالميا عبر الشبكة العنكبوتية.
 
فالنهج السقراطي لا يقدم فرضيات ولا يطلق أحكاما بل يمحّص، بالحوار، الفرضيات ليتخلص من الخاطئة بإبراز تناقضاتها، وبذلك تتبين الفرضيات الجيدة. لهذا ينسب لسقراط الفضل في تأسيس علم "المنطق"، وكذلك "علم الأخلاق" و"الفلسفة السياسية" (تصدى لمفهوم الأثينيين من أن القوة تصنع الحق)، و"المعرفة" بعمومها.
 
"
المرحلة لا تحتمل الشعارات الحمالة المعاني، بل تتلمس المعنى المؤدي لفعل ملموس وحين نستبعد "الفرضيات الضعيفة" قد ينتج عن هذا توحيد جهود التجمعات المتعددة التي تسعى للإصلاح
"
ولكونه أخضع الشأن السياسي لذات المنطق، اعتبر مفسدا للشباب و"مهرطقا" وحكم عليه بالإعدام بالسم الذي قبل تجرعه على أن يتوقف عن سعيه "للفضيلة" أو "الحقيقة" وتعليم الشباب كيفية الوصول إليها.
ونحن أحوج ما نكون لنهجه، فالمرحلة لا تحتمل الشعارات الحمالة المعاني، بل تتلمس المعنى المؤدي لفعل ملموس. وحين نستبعد "الفرضيات الضعيفة" المؤدية "للتناقضات" التي تفرّق، قد ينتج عن هذا توحيد جهود التجمعات المتعددة التي تسعى للإصلاح.
 
أبرز شخصيتين تمثلان برنامجين للإصلاح ارتبطا بالحكم هما دولة الأستاذ أحمد عبيدات الذي كلّف برئاسة لجنة "الميثاق الوطني" عام 1990، والثاني هو الدكتور مروان المعشر الذي كلف برئاسة لجنة "الأجندة الوطنية "عام 2005.
 
ولكن الحكم أدار ظهره لكليهما بعد أن أخذ ما أراده لحظيا، في حين بقي من ترأسا الفريقين متمسكين بجهد غير قليل بذلاه عن قناعة بضرورة الإصلاح.
 
وبداية أوضح أن رفضي "للأجندة الوطنية" (يعترف المعشر بأن الكثيرين اعتبروها برنامجا متأمركا ومتصهينا)، بني على مؤشرات موضوعية تبدأ من كون لجانها معينة بالكامل. وبدا واضحا تفرد المعشر بقراراتها التي جاءت في الحقيقة جيدة بمعيار ذلك الوقت ولقيت ترحيبا من بعض النخب، بخاصة لطرحها خيار القائمة النسبية للانتخابات.
 
موضع اعتراضي الأهم على مشروع الأجندة كان على عدمية المجهود بالحكم على السياق الذي ورد فيه. فتشكيل اللجنة جاء ضمن سلسلة مشاريع يفترض أنها بمستوى إستراتيجيات وطنية، جاءت كلها مرتجلة مكررة أو متناقضة ومع ذلك متراكبة (عرضت لها في مقالة على الجزيرة نت بعنوان "الأردن إلى أين؟").
 
اعتراضي على عبثية إدارة الدولة بمشاريع مرتجلة ثبتت صحته للمعشر أكثر من غيره، وتجلت في احتفال تقديم مخرجات لجنة الأجندة للملك، والذي مثّل حقيقة لحظة دفنها. فقد تزامن تقديم "الأجندة" مع تبني مشروع مناقض لها هو مشروع "الأقاليم". والملك الذي كان قد أعلن أن "الأجندة" ملزمة لكل الحكومات لعشر سنوات قادمة (غير دستوري كونه تعديا على صلاحية مجلس النواب الحصرية)، عاد ليقول إنها لم تعد ملزمة.
 
بالنسبة لنا، الأجندة انتهت عندها وتحولنا من فورنا لإسقاط مشروع الأقاليم (انظر مقالتي "مشاريع ومخاوف مشروعة" و"لا ذاك قضاء محتم ولا هذا لطف يرتجى" على الجزيرة نت).. فسقط مشروع الأقاليم أيضا، وجرت محاولة إعادة ترويج سلفه "اللامركزية الإدارية" المستعاد من حكومة وادي عربة الذي سبق أن أسقطناه.. ولم تنجح تلك الاستعادة أيضا، فأية جدوى أو حتى جدية نتوقعها في استرجاع  مشروع "الأجندة" أو ما يشبهها بعد أن أسقطها صاحبها؟ ذلك هو السؤال السقراطي الأول المقدم للدكتور المعشر.
 
"
المعشر يراهن على حقيقة أن "شراء الوقت لم يعد متاحا للأردن.. فالدولة أمام خيارين، إما أن تقود عملية الإصلاح وبشكل مبرمج زمنيا، وإما تترك للشارع أن يقرر وتيرة الإصلاحات
"
المعشر يراهن فما يبدو على حقيقة أن "شراء الوقت لم يعد متاحا للأردن.. الدولة أمام خيارين، إما أن تقود عملية الإصلاح وبشكل مبرمج زمنيا، وإما تترك للشارع أن يقرر وتيرة الإصلاحات".. ولكن المعشر لا يظهر ثقة كافية بالشعب (الشارع) ونظرته له  "رعوية" تتجلى في أكثر من قول له، منه: إن "الوقت لم يحن للملكية الدستورية، إذ يجب التدرج في الإصلاح بقيادة الملك نفسه، فقد أثبتت التجربة أن الشارع يبدأ عملية الإصلاح ولكنه لا يستطيع مأسستها".. عن أية تجربة يتحدث المعشر؟ أليست أقربها لنا تجربة مصر، حيث ظن المجلس العسكري الشيء نفسه بالشارع المصري فجاءه الرد العملي، وتحول ميدان التحرير لـ"جمعية وطنية" تقرر وتمأسس أكبر التغيرات وأدق التفاصيل في بناء الدولة الديمقراطية؟
 
ويرفض المعشر العودة لدستور عام 52، مبررا رفضه بصيغة بلاغية تقول "الأصل هو التقدم إلى الأمام وليس العودة للعام 52". وسؤالنا هو: دستور 52 مأخوذ عن الدستور البلجيكي ونسخته البريطانية غير المكتوبة، فهل بلجيكا وبريطانيا باتتا خلفنا بستة عقود؟ ودستور 52 لم يطبق سوى خمس سنوات حيث جرى الانقلاب عليه بإعلان الأحكام العرفية، وجرى تعديله بصورة تشويهية، فهل يمكن للمعشر "الدبلوماسي" أن يفاخر زملاءه البريطانيين والبلجيكيين بأن ما جرى لنا ولدستورنا منذ العام 57 هو تقدم للأمام فاتَهم؟
 
والمعشر يصر على "التدرج" في الإصلاح وكأن الشعب قاصر. ودليل بُعد المعشر عن "الشارع" عدم معرفته أن هنالك من يطالبوننا بوضع دستور جديد، وأعدادهم في ازدياد. وبحسب ذات تصنيف المعشر للتقدم بالقياس على تاريخ الوثيقة، ألا يكون هذا الدستور تقدما حقيقا للأمام؟
 
وفي حديثه عن "الدولة"، يستعمل المعشر الكلمة بمدلولها الدارج عندنا في غياب الديمقراطية، أي بمعنى "النظام" وتحديدا "الحكم الملكي"، كما فعل حين قال إن على "الدولة" أن تقود الإصلاح، ثم حدد تلك القيادة بالملك شخصيا.. وأيضا حين يعرّف "قوى الشد العكسي" بأنها "الطبقة السياسية التقليدية المستفيدة من الامتيازات التي تمنحها الدولة، وبعض الأجهزة الأمنية".
 
والسؤال: من الذي يمنح الامتيازات لهؤلاء بوضعهم في مناصب الدولة وعلى رأس الأجهزة الأمنية؟ سؤال مفصلي كي نعرف أين توجد "حنفية" الامتيازات لوضعها تحت رقابة الشعب كي يوقف الاحتكار والهدر.. أي جعل الشعب مصدرا لكل السلطات، والتحول للملكية الدستورية. فكيف يرفض الدكتور المعشر هذا المطلب الشعبي فيما هو شخص الداء بغيابه تحديدا؟
 
"
المعشر: الدولة في طور نموها كانت مهددة من قبل القوى الداخلية والخارجية، فأرادت معالجة هذا التهديد بتقوية طبقة موالية لها
"
وعن سبب قوة هذه "الطبقة"، يقول المعشر إن "الدولة" في طور نموها كانت مهددة من قبل القوى الداخلية والخارجية، فأرادت معالجة هذا التهديد  بتقوية طبقة موالية "للدولة"، مؤكدا أن هذا العهد انتهى..
 
والحقيقة أنه لم يكن هنالك أي تهديد داخلي "للدولة" الأردنية، والخطر الخارجي الوحيد كان ولا يزال المشروع الصهيوني. فحين سقطت سوريا بيد الاحتلال الفرنسي عام 1920، وكان شرق الأردن يتبع لولاية دمشق، تداعى زعماؤه لعقد "مؤتمر أم قيس" لإقامة دولة عربية على ما تبقى من سوريا الكبرى.
 
أي أن الداخل كله سعى لقيام "دولة" على هذه البقعة من الأرض العربية ليبقيها حرة، وما كان يحرك هذا "الداخل" هو تغييب حريتها منذ مولدها.. أما الخارج فقد ثبت أن "الغربي" منه كان يخطط منذ وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو لإقامة تلك الدولة "كمنطقة عازلة" لحماية الكيان الصهيوني.
 
والخارج "العربي" لم يهدد "الدولة" الأردنية بأي مخطط لضمها أو إلغائها، بل كان حاضرا في فكر المعارضة بما يمثل عمق الأردنيين القومي. وهو ما اعتبره "الحكم" تهديدا له، فخلق طبقة حاكمة موالية له.
 
فهل يمكن، في ضوء هذه الحقائق التاريخية، إضافة لما تفجر مؤخرا من شراء للولاءات بتوظيف أموال الدولة ومقدراتها للتصدي للمعتصمين في الربيع الأردني، أن نقبل قول المعشر إن "عهد شراء الولاءات انتهى"؟
 
ناهيك عن أن المعشر ذاته يعترف بأن هذه "الطبقة" باتت تستقوي على الحكم بدل أن تقويه. فعندما سئل عن كون الملك "لا يرغب بالإصلاح ولا يريد التنازل عن أي من صلاحياته"، نفى المعشر ذلك وأكد أن الملك يرغب بالإصلاح، "ولكنه بحاجة إلى دعم القوى الإصلاحية في مواجهة قوى الشد العكسي".
 
وحين سئل عن تعارض هذا مع اختيار الملك للبخيت رئيسا للوزراء، عزا المعشر الأمر لاعتبارات لم يذكر منها سوى "سيطرة قوى الشد العكسي على مفاصل الدولة".. ونذكّر المعشر بأن السؤال كان عن تعيينات قام بها الملك في أهم "مفاصل الدولة"، أفلا تعني إجابتاه السابقتان أن المفصل الأهم المسيطر عليه من قبل هؤلاء هو الملك نفسه؟
 
كيف نعين الملك على ما لم يقدر عليه هو، وهو يملك صلاحيات مطلقة؟ وما المبرر من إعانته على الاحتفاظ بتلك الصلاحيات غير الدستورية (بمعيار دستور 52)، وعلى وعد أن تعاد للشعب "بالتدريج"، إذا كانت ممارسته لتلك الصلاحيات أودت بها، حسب المعشر وغيره من رجال الدولة، إلى أيدي "قوى الشد العكسي"؟
 
"
سؤال للمعشر: هل ما زلت قادرا على زعم أن أيا من حقوق الشعب ستعاد في إصلاح ملكي متدرج؟ وفي ضوء مثل هذه التعديلات، ألا يبدو أن دستور 52 كان أكثر تقدما؟!
"
يضاف لما قاله المعشر، حقيقة تتعلق بنفوذ أقطاب الحكم في العهد الجديد. فرئيس الوزراء الذي يتصدر قائمة المطلوب محاسبتهم شعبيا قام بإبراز وثائق، على فضائية أردنية، تثبت أن الملك هو من طلب شخصيا تسجيل أراض للدولة في عمّان باسمه، وذلك مع تفتح "الربيع الأردني" الذي تشكل إعادة أصول الدولة أحد عناوينه الرئيسية.
 
وكون هذا نجح في تحصين الرئيس السابق ضد المحاسبة على أي من صفقات فساده، كما على "إطالة اللسان" أو "المساس بهيبة الدولة" أسوة بما جرى مع "الإصلاحيين"، مما شجع على نشر مجموعة وثائق أخرى عن تسجيل أراض في العقبة باسم الملك، دون أن يجري اعتقال ناشرها مع أنه سبق اعتقاله لنشر خبر أقل تأثيرا.. السؤال هو: في ضوء عدم محاكمة أبو الراغب على ما اعترف بارتكابه، رغم أنه دستوريا "أوامر الملك الشفوية والخطية لا تعفي الوزراء من مسؤوليتهم"، كيف يمكن إقناع الشارع بأن الملك يقود الإصلاح؟
 
ونختتم، لكون إنهاء كتابة هذا المقال تزامن مع إعلان اللجنة الملكية تعديلاتها الدستورية، بسؤال للدكتور المعشر: هل ما زلت قادرا على زعم أن أيا من حقوق الشعب ستعاد في إصلاح ملكي متدرج؟ وفي ضوء مثل هذه التعديلات، ألا يبدو أن دستور 52 كان أكثر تقدما؟!
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة