من أجل برلمانات عربية فعّالة   
الأربعاء 14/6/1434 هـ - الموافق 24/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:10 (مكة المكرمة)، 11:10 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي

صلاحيات دستورية وترتيبات مؤسسية
التنظيم الداخلي للبرلمانات
الأحزاب وفعالية البرلمانات
تعزيز قدرات المواطنين
البرلمانات والمصالحة السياسية

للبرلمانات دور أساسي في نشأة الديمقراطية وتطورها، وهي الآن تقوم بوظائف أساسية محددة في نظم الحكم الديمقراطي المعاصر هي: التشريع والتمثيل والرقابة وإقرار الميزانية. وخلال مرحلة التحول الديمقراطي يسن البرلمان التشريعات اللازمة لترسيخ قواعد الديمقراطية الوليدة ومعالجة الكثير من القضايا المحورية كدعم البرلمان ذاته، وتقوية النظام القضائي، والتصدي لقضايا الفساد، ومعالجة مسألة العلاقات المدنية/العسكرية، وتعديل الدساتير والأنظمة الانتخابية، ودعم الثقافة الديمقراطية، وتقوية الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، وغيرها.

وفي الدول العربية، ظلت البرلمانات تلعب دورا سلبيا لعقود طويلة، فقد استخدمت من قبل الحكام الشموليين لإصدار قوانين وتشريعات مقيدة للعمل السياسي والنقابي. ولهذا فقد كان طبيعيا أن تتجاوز الجماهير هذه المؤسسات وتلجأ إلى أساليب أخرى لإسماع صوتها، بدءا من فكرة إنشاء الكيانات الموازية، مرورا بالإضرابات والاعتصامات، وانتهاءً بالثورات الشعبية.

ولا شك أن نجاح التحركات العربية من أجل الديمقراطية -الإصلاحية منها والثورية على حد سواء- يتطلب الاهتمام بتفعيل دور البرلمانات، فالديمقراطية ليست مجرد حرية تكوين الأحزاب وإجراء الانتخابات، وإنما هي تتطلب، بجانب ما سبق، تعزيز دولة المؤسسات وتعزيز سُبل التمثيل النيابي وقنوات المشاركة وتفعيل أدوات الرقابة الشعبية وأدوات المحاسبة السياسية وغير ذلك. وفيما يلي محاور خمسة لتفعيل البرلمانات:

صلاحيات دستورية وترتيبات مؤسسية 
تكتسب طريقة اختيار أعضاء البرلمان أهمية قصوى، فالبرلمان الذي يقوم بوظائف التشريع والتمثيل والرقابة هو البرلمان الذي يتم اختيار أعضائه عن طريق الانتخاب، ودون أن يكون للسلطة التنفيذية الحق في اختيار بعض الأعضاء بالتعيين. وهذا لا يتناقض مع حجز بعض المقاعد للمرأة أو للأقليات في بعض الدول المتعددة الأعراق.

من الأهمية لبعض الدول العربية أن تتطور لاحقا إلى النظام البرلماني الذي تبنته معظم الدول التي مرت بحالات انتقال ديمقراطي ناجحة, فهو الأفضل لتطوير حياة ديمقراطية حقيقية

ومن آليات التفعيل التوازن بين صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية. وفي الدول العربية، قد يكون من المناسب تجنب النظم الرئاسية على النمط الأميركي، فهي لا تصلح للدول العربية نظرا للإرث الفردي والخوف من تشكيل مراكز نفوذ جديدة حول الرئيس الجديد.

وقد يكون تبني النظام الشبه الرئاسي هو الأنسب مرحليا، نظرا لحاجة هذه الدول إلى انتقال سلمي واضح للسلطة لرئيس منتخب، وحاجتها في ذات الوقت إلى تقسيم السلطة التنفيذية بين رئيس منتخب ووزارة يشكلها حزب (أو أحزاب) الأغلبية في البرلمان، مع وجود رقابة برلمانية على عمل الوزارة وتحديد واضح لصلاحيات كل من الرئيس والوزارة.

وقد يكون من الأهمية لبعض الدول العربية أن تتطور لاحقا إلى النظام البرلماني الذي تبنته معظم الدول التي مرت بحالات انتقال ديمقراطي ناجحة في العقود الأربعة الماضية، فهو الأفضل لتطوير حياة ديمقراطية حقيقية.

وهناك آليات أخرى، أهمها تعزيز حكم القانون وتقيد الجميع به وإلغاء كافة الاستثناءات، ووضع حوافز ترفع تكلفة اختراق أي فرد أو جماعة أو مؤسسة للقانون بما في ذلك نواب الشعب، وحوافز تدفع كافة الفاعلين السياسيين إلى التقيد بأسس وقيم الديمقراطية، وتشجعهم على التعاون والحلول الوسط، بجانب وضع عقوبات محددة على مخترقي القانون وتغليظها على المسؤولين، فضلا عن الضمانات والآليات الكفيلة باستقلال القضاء، وتفعيل كافة أشكال الرقابة في القضاء الإداري والمحكمة الدستورية العليا، وإلغاء كل المحاكم الاستثنائية.

كما يتطلب الأمر التأكيد -في الدساتير والأطر القانونية المكملة له- على عدم خضوع المؤسسات المدنية المنتخبة (البرلمان والرئيس والوزارة) لأي مؤسسة أو جهة غير منتخبة كالمؤسسة الدينية أو المؤسسات العسكرية والأمنية، ووضع كافة الآليات التي تضمن ذلك.

هذا إلى جانب تفعيل المحاسبة الأفقية التي تعني توفر كافة الآليات والتدابير التي تضمن أن تكون أعمال كافة المسؤولين قانونية، وأن يكونوا مسؤولين ليس أمام الناخبين فقط كما في المحاسبة الرأسية، وإنما أمام مؤسسات الدول الأخرى التي تمتلك صلاحيات قانونية ورقابية، ومنها المعارضة السياسية داخل البرلمان، وأجهزة الرقابة المالية والمحاسبية والقضائية، ومكتب النائب العام، ولجان التحقيق، ومفوضيات حقوق الإنسان ومكافحة الفساد وغيرها.

التنظيم الداخلي للبرلمانات
وفي ما يتصل باللجان البرلمانية، تحتاج الدول العربية إلى تشكيلها على أساس عنصر الكفاءة وبالتوافق السياسي بين الأحزاب السياسية. ويمكن التفكير -في الدول ذات التركيبة السكانية المتنوعة عرقيًا أو مذهبيًا (كالعراق وسوريا) أو قبليًا (كاليمن وليبيا)- في تشكيل برلمان من غرفتين، بحيث يتم في الغرفة الثانية تخصيص مقاعد في البرلمان للفئات الرئيسية للمجتمع كالقبيلة والطائفة والأقليات وأي فئات مهمشة أخرى. وهناك بالطبع آليات أخرى.

وهناك أيضا حاجة إلى اعتماد نظام جلسات الاستماع داخل اللجان لتعزيز فاعلية البرلمان ورفع مستوى تمثيله للجماهير، بجانب إعداد وتوزيع أدلة توضح الإجراءات التشريعية للمواطنين وإذاعة الجلسات مباشرة على محطات إذاعية وتلفزيونية وعلى المواقع الإلكترونية، ووجود مكاتب ووكالات خاصة تابعة للبرلمان تختص بجمع المعلومات والإحصاء يعتمد عليها البرلمان بدلا من اعتماده على السلطة التنفيذية، مع ضمان حرية هذه الوكالات في الحصول على المعلومات من كافة أجهزة الدولة.

وتكتسب مسألة تقسيم الوقت داخل البرلمان أهمية كبرى لأحزاب المعارضة والأقليات. كما أن حياد رئيس المجلس التشريعي يعد من الأمور المهمة، ويمكن اعتماد قاعدة تخلي رئيس المجلس عن انتمائه الحزبي بمجرد اختياره رئيسا، أو انتخابه من خارج البرلمان. ومن جهة أخرى، تمثل حصانة النواب ضمانة لممارسة وظائفهم بعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية، ولاسيما خلال مراحل التحول، غير أنها قد تستخدم لأغراض شخصية أو لانتهاك حقوق الإنسان.
 
ولهذا فمن الأفضل قدر الإمكان، أن تمنح الحصانة بعد إزالة كافة بقايا النظام القديم وتقوية سلطة القضاء وحكم القانون. وقد عانت تركيا من تجاوزات بعض النواب في ظل وجود ثغرات بالقضاء. 
 
ومن الأمور ذات الأهمية أيضا تفرغ أعضاء البرلمان أثناء مدة عضويتهم وعدم انشغالهم بغير وظائفهم البرلمانية، بجانب إعداد كوادر بحثية متخصصة في شؤون البرلمان والانتخابات، ووجود وحدات مستقلة للدراسات على غرار وحدة البحوث بالهند ووحدة الميزانية بالكونغرس الأميركي والمركز الأوروبي للدراسات البرلمانية والتوثيق.

الأحزاب وفعالية البرلمانات
وفي الدول العربية يمكن تعزيز التوافق وبناء الائتلافات بين الأحزاب بطرق مختلفة. فبعد سنوات من هيمنة الأحزاب الواحدة، فإن النظام الانتخابي المناسب هو نظام القائمة النسبية الذي يعطي كل قائمة حزبية عددًا من المقاعد يتناسب مع نسبة الأصوات التي حصلت عليها في الانتخابات، بشرط توسيع مساحة الدوائر أو اعتبار الدولة كلها دائرة واحدة.

ويتيح هذا تمثيل كافة الأحزاب وخاصة الصغيرة، ويقلل الأصوات المهدرة، ويسمح بإمكانية التمييز الإيجابي لبعض الفئات كالمرأة والشباب والأقليات، كما يحد من سطوة المال السياسي والعصبيات العائلية والقبلية.

تفعيل البرلمانات يحتاج إلى نظام حزبي فعال، ولهذا لابد من الاهتمام بالضوابط الكفيلة بقيام أحزاب ديمقراطية فعّالة وتقديم حوافز لإصلاح هياكلها القديمة

ويرتبط النظام الانتخابي بالنظام الحزبي، فتفعيل البرلمانات يحتاج إلى نظام حزبي فعال، ولهذا لا بد من الاهتمام بالضوابط الكفيلة بقيام أحزاب ديمقراطية فعّالة وتقديم حوافز للأحزاب القائمة لإصلاح هياكلها القديمة.

ولا تتردد الدول الحديثة العهد بالديمقراطية في وضع القواعد التي تضمن ديمقراطية الحزب من الداخل، وشفافية ماليته، وطابعه الاندماجي، وسلمية وسائله، وإقراره بالتعددية وحرية الرأي، فضلا عن ضرورة قيام البرامج الحزبية على أساس تحقيق المصلحة العامة للمجتمع كله.

وهناك ترتيبات مؤسسية لمواجهة احتمال أن يؤدي نظاما القائمة النسبية والتعددية الحزبية إلى تشكيل حكومات ائتلافية ضعيفة. فبجانب أن الممارسة الديمقراطية ستؤدي إلى عدد أقل من الأحزاب، هناك ترتيبات مؤسسية ودستورية يمكن من خلالها تشجيع توافق الأحزاب وتقاربها قبل الانتخابات وداخل البرلمانات، مثل نظام اللجان السابق الإشارة إليه، ونظام القوائم غير المشروطة التي تسمح بتحالف الأحزاب ودخول مستقلين. كما يمكن منح حوافز مالية وإعفاءات ضريبية للائتلافات الحزبية، أو رفع نسبة الحسم لدخول البرلمان تشجيعا للتحالفات الانتخابية.

وهناك ترتيبات تحد من ابتزاز الأحزاب الصغيرة للأحزاب الكبيرة عند تشكيل الائتلافات الحكومية، منها أنه في ألمانيا لا يمكن سحب الثقة من الحكومة إلا إذا توفر بديل حكومي جاهز، وفي جنوب أفريقيا تم منع الأحزاب التي يقل تمثيلها عن 5% من مقاعد البرلمان (20 مقعدا) من المشاركة في أول حكومة وحدة وطنية.

ومن الأمور ذات العلاقة هنا استقلالية الجهة المشرفة على الانتخابات، وفي اعتقادي يمكن العمل على إنشاء سلطة رابعة مستقلة للانتخابات تعمل جنبا إلى جنب مع السلطتين السياسيتين التشريعية والتنفيذية والسلطة القضائية، وتتمتع بالحصانة والمكانة التي تتمتع بها هذه السلطات. والسلطة المقترحة سلطة دائمة ومستقلة هيكليا ووظيفيا وماليا عن السلطة التنفيذية.

تعزيز قدرات المواطنين
وبجانب تعزيز المؤسسات السياسية ذاتها، تهتم الدول الحديثة العهد بالديمقراطية بتدعيم قدرات المواطنين أنفسهم، وتعزيز ثقة الناس في المؤسسات الديمقراطية. ولمعالجة تشكك بعض الشباب العربي في العمل الحزبي والبرلماني، يمكن تعزيز مشاركة الشباب في السياسة عبر تغيير النمط التقليدي لممارسة السلطة، وتبني بعض مظاهر الديمقراطية التشاركية والشبه المباشرة والتداولية.

كما تكتسب عملية التعليم المدني أهمية قصوى بالديمقراطيات الوليدة. وتتضمن هذه العملية الاهتمام بمقررات حقوق الإنسان والتربية على المواطنة وبرامج التوعية والتثقيف والتدريب التي يتم خلالها نقل المعارف والمعلومات الأساسية عن البرلمان وأهميته ووظائفه وأهمية المشاركة، وغرس قيم تحمل المسؤولية والتسامح وقبول الآخر والمشاركة.

وأخيرا فإن وضع نظام شفاف للحصول على المعلومات أمر مهم للغاية، مع ضرورة استقلال الإعلام استقلالا تاما عن السلطة التنفيذية، وتدريب الصحفيين على تغطية الجلسات البرلمانية، وفتح قنوات إذاعة وتلفزيون لنقل الجلسات على الهواء ووضع برامج إعلامية لنقل أخبار البرلمان وتحليلها والتعليق عليها.

البرلمانات والمصالحة السياسية
تلعب البرلمانات مع غيرها من مؤسسات الدولة دورا محوريا في التعامل مع إرث النظام القديم، وعلى الأخص انتهاكات حقوق الإنسان، التي عانت منها الكثير من الدول بشكل متفاوت كما في كمبوديا وسريلانكا وتيمور الشرقية وموزمبيق وسيراليون وجنوب أفريقيا ومدغشقر وإسبانيا والسلفادور وغيرها. ولعل الآلية الأكثر شيوعا هنا هي آلية العدالة الانتقالية التي أعتقد بأن دولا مثل مصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها تحتاج إليها.

تلعب البرلمانات مع غيرها من مؤسسات الدولة دورا محوريا في التعامل مع إرث النظام القديم، وعلى الأخص انتهاكات حقوق الإنسان التي عانت منها الكثير من الدول بشكل متفاوت

وتعني العدالة الانتقالية معالجة انتهاكات الماضي بطريقة تتسم بالشمول والكلية، وذلك عبر آليات مختلفة، جنائية وقضائية واقتصادية وغيرها، بجانب ترتيبات محددة لضمان عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل، مع الأخذ في الاعتبار أن مقتضيات هذه العدالة ليست مطلقة، وإنما يجب أن تتوازن مع الحاجة إلى إحلال السلام والتعايش السلمي والديمقراطية وحكم القانون.

ويمكن للبرلمان باعتباره ممثلا للمجتمع ومنبرا لمناقشة القضايا العامة، المساهمة في عمل لجان تقصي الحقائق وتوفير الدعم المالي المطلوب لها، والمساهمة في تنفيذ توصيات ومقترحات هذه اللجان. أما الدور الأهم فهو الإصلاحات التشريعية والقضائية وإنشاء مفوضيات لحقوق الإنسان ولمكافحة الفساد لحماية الديمقراطية الوليدة وتعزيز دولة المؤسسات وحكم القانون، ومن ثم الحيلولة دون تكرار الانتهاكات في المستقبل.

إن بناء الأنظمة السياسية البديلة -بمؤسساتها المختلفة- ليست مجرد عملية نقل عن الآخرين، وإنما هي عملية وطنية تنطلق من أولويات المجتمعات، وتتم بعيدا عن الانتماءات السياسية والأوزان الحزبية، وينبغي أن لا تتجاهل الخبرات والتجارب الأخرى الناجحة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة