مصر في حوارات لندن   
الثلاثاء 13/2/1437 هـ - الموافق 24/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 0:17 (مكة المكرمة)، 21:17 (غرينتش)
فهمي هويدي


صورة مصر في الخارج محملة بإشارات تستحق أن تؤخذ على محمل الجد حيث ينبغي ألا نتوقع تحسنا في الصورة طالما بقي الأصل على حاله.

(١)

هل فكر أحد في دعوة العقول المصرية لمناقشة وتحليل التحديات التي يواجهها الوطن في الوقت الراهن، والاستماع إلى وجهات نظر أصحابها في أفضل السبل للتعامل معها؟ هذا السؤال ظل يلح عليّ أثناء مشاركتي في المؤتمر الذي دعا إليه معهد تشاتام هاوس في لندن، وكان عنوانه "جيران أوروبا المتغيرون والسبيل إلى تجنب الصدامات وإدارة الأزمات في القرن الواحد والعشرين".

كان ذلك في الأسبوع الماضي (يوم ١٦ نوفمبر/تشرين الثاني) حين التقى في مقر المعهد أربعون شخصية يمثلون المحيط الجغرافي قدر الإمكان لمناقشات استغرقت سبع جلسات. ولأن المؤتمر عقد بعد ثلاثة أيام من تفجيرات باريس فإن أصداء الحدث الفاجع فرضت نفسها على الحوارات التي تناولت أسباب القلق الأوروبي إضافة إلى أوضاع الجيران من أوكرانيا إلى الساحل الأفريقي.

غياب العقول المصرية عن المشهد عزز الانطباع لدى البعض بعسكرة السياسة والاقتصاد بمصر في ظل الوضع الحالي، وهو ما أعاد إلى الأذهان النموذج الجزائري، الذي تبلور بعد الاستقلال. حيث سيطر العسكر على مقاليد الأمور في مجالات السياسة والاقتصاد

كان لشمال أفريقيا نصيبه الذي خصصت له جلسة كاملة، وقد اعتبر منظمو المؤتمر أن مصر إحدى دول شمال القارة، وبالتالي فإن أوضاعها كانت حاضرة في الحوار، الذي تعتبر تقاليد المعهد أنه ليس للنشر، ولكن المراد به تبادل الأفكار وتعميق الفهم والخروج بتصورات وخلاصات تنسب إلى المعهد ولا تنسب إلى أشخاص المتحدثين.

ولأن المعهد أنشئ عام ١٩٢٠ (بعد عام واحد من عقد مؤتمر باريس للسلام في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٩) فإنه أصبح يمثل سلطة معرفية وتاريخية عريقة، وباتت توصياته وخلاصاته تحتل موقعا متميزا في الوسط الأكاديمي العالمي، فضلا عن البريطاني بطبيعة الحال. كما صارت تستخدم كواحدة من أهم مصادر المعلومات من جانب الأفراد والحكومات.

حضور المؤتمر الذي اشتركت مع المعهد في تنظيمه مجموعة الأزمات الدولية ومنتدى الشرق، كانوا خليطا من الأكاديميين والخبراء والدبلوماسيين والوزراء السابقين، والمتخصصين من رجال الإعلام. ووجودهم بتنوع اختصاصاتهم على المنصة وفي القاعة أثناء الجلسات المتعاقبة، جعلني أتساءل طول الوقت: أليست مصر في ظروفها الراهنة في أمسّ الحاجة إلى إطلاق حوارات من ذلك القبيل؟

(٢)

على الطائرة من لندن إلى القاهرة يوم الخميس ١٩ نوفمبر/تشرين الثاني، كانت عناوين الصحف المصرية تتحدث عن انعقاد المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وكان عنوان جريدة الأهرام الرئيسي يتحدث عن "أقصى درجات الحذر والاستعداد القتالي". وفي التقرير المنشور وجدت أن الاجتماع بحث الأوضاع الأمنية الداخلية لا سيما في سيناء. حيث استمع الرئيس إلى شرح للإجراءات التي تقوم بها القوات المسلحة من أجل تطهيرها من العناصر الإرهابية، وتثبيت الأمن والاستقرار فيها.

أشار التقرير إلى أن مجلس القوات المسلحة بحث أيضا عددا من الملفات الإقليمية، في مقدمتها سبل تعزيز الأمن على الحدود الغربية (مع ليبيا)، وكذلك تطورات العمليات العسكرية ومجمل الأوضاع في اليمن وسوريا. وفي هذا الصدد، فإن الرئيس أكد أن مصر ستواصل العمل على تحقيق وحدة الصف العربي والوقوف إلى جانب أشقائها في الدول العربية.

كان اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة مهما في الظروف الراهنة. إلا أنني وجدت أن المشهد كان سيصبح أكمل وأدعى للاطمئنان والثقة لو دعيت العقول المصرية إلى لقاء مماثل، خصوصا أن بعض الملفات تتحدث فيها مصر عن الحلول السياسية سواء في اليمن أو سوريا أو فيما خص جهود وحدة الصف العربي.

الشاهد أن غياب العقول المصرية عن المشهد عزز الانطباع الذي يتحدث عنه البعض في لندن، مشيرا إلى عسكرة السياسة والاقتصاد في مصر في ظل الوضع الذي نشأ فيها بعد الثالث من يوليو/تموز عام ٢٠١٣. وهو ما أعاد إلى الأذهان النموذج الجزائري، الذي تبلور بعد الاستقلال في بداية ستينيات القرن الماضي. حيث سيطر العسكر على مقاليد الأمور في مجالات السياسة والاقتصاد. ولا يزالون يباشرون تلك السلطة حتى الوقت الراهن.

لست أتحدث عن معلومات ترددت أثناء المناقشات، حيث لا تسمح تقاليد المعهد بنسبة الكلام إلى قائليه -كما ذكرت- لكنني أتحدث عن حوارات جرت في الكواليس حرصت خلالها على أن أستمع إلى انطباعات بعض الخبراء الأوروبيين عن الأوضاع الراهنة في مصر وعن مجمل متغيرات منطقة الشرق الأوسط. ولأن الأسماء لن تذكر فقد تحدث أولئك الخبراء بغير تحفظ ولا مجاملة.

الملاحظة الشكلية التي أثارت انتباهي في كلام المتحدثين أن الجميع دون استثناء أشاروا إلى ما حدث في مصر في الثالث من يوليو/تموز على أنه "انقلاب"، حيث لم يذكر إلا بأنه "Coup" ولم أسمع متحدثا يصفه بأنه "ثورة" كما هو الشائع في خطابنا الإعلامي والسياسي. هذه الملاحظة يبنون عليها شهادات مستفيضة تنتقد مصر في أمرين أولهما غياب الديمقراطية. وثانيهما التوسع في انتهاكات حقوق الإنسان التي تتحدث عنها المنظمات الحقوقية العالمية والمصرية.

المتابع للحوارات الدائرة في الأوساط الإعلامية والمنتديات المصرية المختلفة لا تفوته ملاحظة أن تركيزها على تأييد النظام القائم ومساندة الرئيس السيسي أكثر من انشغالها بهموم المجتمع ومصير الوطن. والوعود التي أطلقتها القوائم التي خاضت الانتخابات الأخيرة كاشفة بشدة لتلك الحقيقة

ولدى المتحدثين مقارنة ترددت كثيرا في انتقاداتهم للوضع في مصر بين نسب الإقبال على التصويت بالانتخابات في تركيا التي وصلت فيها تلك النسبة إلى ٨٦% في حين أنها في مصر كان في حدود ٢٠% بعد المبالغات التي أضافتها البيانات الرسمية. وكانت صور لجان التصويت الخالية من الناخبين، التي تناقلتها وكالات الأنباء أثناء جولة الانتخابات الأولى، هي الأقوى في التعبير عن تلك المفارقة.

هذا الحديث عن الإقبال غير العادي من جانب الأتراك على التصويت، والنجاح الكبير الذي حققه حزب العدالة والتنمية حين فاز بنسبة قاربت ٥٠% من جملة أصوات الناخبين، بنى عليه أحد المتحدثين استنتاجا آخر. إذ ذكر أن نتائج الانتخابات التركية بينت أن الناخبين صوتوا للاستقرار. في حين أن ضعف معدلات الإقبال على الانتخابات في مصر أعطى انطباعا يشكك في إمكانية تحقق استقرارها في الأجل المنظور.

(٣)

حين أبديت دهشتي من كم التفاصيل التي يتحدثون عنها في مصر. قال لي دبلوماسي بريطاني متقاعد إن الملف المصري حاضر بقوة في الإعلام والسياسة البريطانية. ليس فقط لأن مصر بلد مهم في المنطقة، ولبريطانيا علاقات تاريخية محفورة في الذاكرة. ولكن أيضا لأن ثمة صراعا مكتوما داخل الحكومة حول الموقف من النظام القائم فيها.

والمتصارعان في الحكومة جناحان أحدما يغلب المصالح التي تلعب فيها دولة الإمارات دورا مهما في مساندة النظام المصري. إلى الحد الذي يجعلها تضغط بورقة الاستثمارات في هذا الصدد. (قال إن للإمارات استثمارات في بريطانيا تتجاوز مليار ونصف المليار إسترليني. يعمل فيها ٣٢ ألف بريطاني، ويقوم تونى بلير رئيس الوزراء الأسبق بدور الوسيط في تنشيط تلك الاستثمارات من الجانبين). وثمة جناح آخر في الحكومة يقاوم تلك الضغوط ويرى أن الانسياق وراء نهج المصالح يضر بسمعة بريطانيا ويسحب من رصيدها السياسي في أوروبا والعالم العربي.

انضم إلينا في الحوار أحد الباحثين، الذي ذكر أن الأمر لم يعد سرا، فالصحف البريطانية مثل (غارديان وديلي ميل) نشرت وثائق تم تسريبها حافلة بالمعلومات التي تناولت تفاصيل الضغوط التي تمارس على الحكومة البريطانية لتتبنى مواقف مساندة للحكومة المصرية. وكانت تلك الضغوط سببا في تأجيل إصدار تقرير اللجنة التي شكلها رئيس الحكومة لتقييم موقف الإخوان من الإرهاب. ولأن التقرير لم يستجب للضغوط التي مورست، وللحفاظ على جانب المصالح، فإن التقرير لم يخرج إلى العلن. وتم تأجيل موعد الإصدار ثلاث مرات.

لأن موضوع مصر مثير لاهتمام كثيرين فقد اتسعت دائرة الحوار، ووجدت أن مشاعر القلق ظاهرة في تعقيبات الأغلبية، وحين سجلت في وقت لاحق ملاحظات على ما سمعت فإنني وجدت أن تعبير "الأزمة" تردد أكثر من مرة على ألسنة المتدخلين. ولاحظت أنهم ركزوا على جوانب خمسة هي:

-أزمة سياسية متمثلة في استمرار الاحتقان وغياب الوفاق الوطني وحدوث الانقسام بين القوى الوطنية. مع وجود أكثر من أربعين ألف سجين سياسي مجهولي المصير. ذلك غير المئات المحكوم عليهم بالإعدام. وألحق البعض مسألة مقاطعة الأغلبية للتصويت على الانتخابات ضمن تجليات الأزمة السياسية.

- الأزمة الثانية اقتصادية متمثلة في تراجع احتياطي النقد الأجنبي وتعثر الإنتاج الصناعي وتوقف السياحة، إضافة إلى تراجع الدعم الخليجي بعد انخفاض أسعار النفط.

- الأزمة الثالثة تتمثل في تحول سيناء إلى مشكلة أمنية، حيث لم تحقق الجهود المبذولة هدفها في وقف العمليات الإرهابية التي لاتزال مستمرة.

- الأزمة الرابعة تتعلق بتعثر محاولات التوصل إلى حل لمشكلة سد النهضة الإثيوبي الذي يفترض أن يكتمل عام ٢٠١٧، وهو ما يمكن أن يلحق أضرارا جسيمة بالزراعة في مصر.

- المشكلة الخامسة تتمثل في تدهور البنية التحتية وتراجع مستوى الخدمات، الأمر الذي كان غرق مدينة الإسكندرية بسبب الأمطار رمزا له. وبهذا التصور فإنهم اعتبروا أن الأزمات باتت تلاحق الحكومة القائمة من كل صوب.

(٤)

ثمة عودة مشهودة بمصر للاعتماد على أهل الثقة دفعت أهل الخبرة إلى الانكفاء والانضمام إلى مقاعد المتفرجين، كما أن أغلب أصحاب الرأي الآخر فضلوا الانزواء والصمت إيثارا للسلامة. إلا أن ذلك يعد انسحابا وتفريطا في حق الوطن الذي هو ملك لكل أبنائه وليس لفئة دون أخرى

الذين قالوا هذا الكلام ليسوا معارضين سياسيين وليسوا خصوما متآمرين ولكنهم باحثون يتابعون بدقة ما يجري في مصر، ويعتبرون أن أحداثها تؤثر على العالم العربي كله. وأيا كان رأينا في قراءتهم للأوضاع الداخلية في البلد، فإننا ينبغي أن نعترف بأن ما عبروا عنه يعكس بعضا من معالم صورة مصر في الخارج.

وأكثر ما أهمني في الموضوع أن ثمة مناقشات تجرى حول مستقبل مصر خارج حدودها أكثر جدية من تلك التي تجرى في داخلها. وأن حديثنا عن المؤامرات التي تحاك في الخارج طغى على التفاعل مع الحوارات الجادة التي تجريها المراكز البحثية في العالم الخارجي حول مختلف جوانب الشأن المصري.

في هذا الصدد، فإن المتابع للحوارات الدائرة في الأوساط الإعلامية والمنتديات المصرية المختلفة لا تفوته ملاحظة أن تركيزها على تأييد النظام القائم ومساندة الرئيس السيسي أكثر من انشغالها بهموم المجتمع ومصير الوطن. والوعود التي أطلقتها القوائم التي خاضت الانتخابات الأخيرة كاشفة بشدة لتلك الحقيقة، ودالة على أنها داخلة إلى مجلس النواب المنتظر للمساندة وليس للرقابة والمشاركة.

إننا بحاجة لكي نسمع صوت العقول المصرية لنتعرف على رأيها فيما يواجهه الوطن من تحديات، صحيح أن ثمة عودة مشهودة للاعتماد على أهل الثقة دفعت أهل الخبرة إلى الانكفاء والانضمام إلى مقاعد المتفرجين، كما أن أغلب أصحاب الرأي الآخر فضلوا الانزواء والصمت إيثارا للسلامة. إلا أن ذلك يعد انسحابا وتفريطا في حق الوطن الذي هو ملك لكل أبنائه وليس لفئة دون أخرى.

ولكي لا يضاف ذلك الانسحاب إلى قائمة الأزمات التي تواجهها مصر، فليس أمامنا سوى أن نرفع الصوت عاليا لاستدعاء تلك العقول وإنهاء عزلتها أو إقصائها. وللإرادة السياسية دورها الأكبر في ذلك. وهو ما نرجو أن تنهض به دون إبطاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة