قراءة في النقد الذاتي الجمهوري   
الخميس 1428/4/29 هـ - الموافق 17/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:29 (مكة المكرمة)، 11:29 (غرينتش)


علاء بيومي

خسر الجمهوريون وفاز المحافظون
مفاجأة الهزيمة ومعالم المستقبل
قراءة في النقد الذاتي الجمهوري
حظوظ الديمقراطيين وموقف المعنيين

مرور ستة أشهر على هزيمة الحزب الجمهوري المدوية في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2006 التشريعية تضعنا أمام كم وفير من المقالات والدراسات الساعية إلى الوقوف على الأسباب الحقيقية للحدث الكبير، ومغزى تلك الأسباب بالنسبة لمستقبل الحزب الجمهوري وعلاقته بالحزب الديمقراطي في الفترة المقبلة.

خسر الجمهوريون وفاز المحافظون
يكاد يجمع الكتاب المحافظون على أن هزيمة اليمين في الانتخابات الأخيرة هي هزيمة للحزب الجمهوري نفسه وسياساته وسياسات قادة الكونجرس والرئيس الأميركي، وأنها لا تمثل بأي حال من الأحوال هزيمة للتيار الأميركي المحافظ أو لليمين الأميركي.

ويرى هؤلاء أن الإدارة الأميركية وقيادات الجمهوريين في الكونغرس خانت المبادئ اليمينية والمحافظة وتخلت عنها فتخلى عنها الناخبون المحافظون، وعلى رأس تلك المبادئ تخفيض الإنفاق الحكومي والحد من حجم الحكومة وسيطرتها والحفاظ على السمعة وحسن السير والسلوك.

"
كثير من الكتاب المحافظين يرون أن الانتخابات الأخيرة كانت استفتاء على سياسات الحزب الجمهوري لا على قيم ومبادئ اليمين الأميركي، وأن من خسر في تلك الانتخابات هم بوش وقيادات المحافظين في الكونغرس لا تلك المبادئ
"
في المقابل وقعت الإدارة الأميركية والقيادات الجمهورية بالكونغرس فريسة الفضائح الأخلاقية والسياسية والإدارية، حتى باتت كالمركب المشرف على الغرق والذي ينبغي على ركابه القفز منه هربا بحياتهم على أمل النجاة.

وهناك من يرى أن بوش وقادة الكونغرس خانوا مبادئ ريغان والتي قامت على خفض الضرائب والعمل على تقليص حجم الحكومة وميزانيتها ودورها وبناء جيش قوي يحمي أميركا حول العالم، وهو رأي يذهب إليه دايفيد كين -رئيس لجنة العمل السياسية المحافظة والتي يعد مؤتمرها السنوي أحد أكبر تجمعات المحافظين السياسية السنوية بواشنطن– في أكثر من مقال له.

ويدعي كين أن ريغان حكم أميركا ثماني سنوات ولكنه ظل خلال تلك السنوات على عهده في نقد للحكومة وسعيه لتقليص حجمها وكأنه ضدها وليس جزءا منها، وذلك علامة على انحياز ريغان لمبادئ المحافظين الحقيقية وعدم ارتمائه في أحضان السلطة مما مكنه من بناء تحالف شعبي وجماهيري قوي جذب إليه بعض أبناء الحزب الديمقراطي والذين بدؤوا في التحول نحو اليمين منذ ذلك الحين.

ويجب هنا الإشارة إلى أن أدبيات أميركية مختلفة تشير إلى أن عهد ريغان كان البداية الفعلية لتحول المحافظين الجدد من الحزب الديمقراطي إلى الجمهوري بعدما أعجبهم موقف ريغان المتشدد في عدائه للشيوعية.

ويقول كين وكتاب محافظون آخرون أن الإدارة الأميركية والرئيس بوش وقيادات الجمهوريين بالكونغرس -بداية من القيادات التي تمكنت من تحقيق ما سمي ثورة المحافظين عام 1994 حين تمكن الجمهوريون تحت قيادة نوت جينغريتش من استعادة السيطرة على مجلس النواب لأول مرة منذ عقود– وقعوا سريعا فريسة للسلطة وللحفاظ على مقاعدهم ونسوا مبادئهم والناخبين الذين مكنوهم من الوصول إلى السلطة، كما أغرتهم قوتهم ودفعتهم إلى انتهاك وسوء استغلال السلطة مما استعدى هزيمتهم لكي يتخلص اليساريون واليمينيون منهم على حد سواء.

كما يعزي أبناء هذا التيار أنفسهم بالقول إن الحزب الديمقراطي لم ينجح في الانتخابات الأخيرة بسبب أفكار جديدة تبناها أو قيادات خلاقة قادته، وإنما نجح لأنه اكتفي بتقديم نفسه على أنه معارض لسياسة الجمهوريين، كما أنه حرص على تذكير الناخبين المحليين بما يدور في واشنطن على الساحتين الداخلية والخارجية وأن تصويتهم في الانتخابات المحلية سوف يؤثر على قضايا كبرى بواشنطن وعلى رأسها العراق.

كما لجأ الديمقراطيون إلى مرشحين أقرب لليمين المحافظ عنه لليسار الليبرالي، فكثير من مرشحي الديمقراطي الجدد في الانتخابات الأخيرة قدموا أنفسهم إلى الناخبين كمرشحين محافظين على المستويات الاجتماعية والأخلاقية.

ونظرا للأسباب السابق شرحها يرى كثير من الكتاب المحافظين أن الانتخابات الأخيرة كانت استفتاء على سياسات الجمهوري لا على قيم ومبادئ اليمين الأميركي، وأن من خسر في تلك الانتخابات هم بوش وقيادات المحافظين في الكونغرس لا تلك المبادئ والتي مازالت مسيطرة، وأن الحل يكمن بالعودة إليها والتشبث بها، وأن عودة الجمهوريين لها سوف تضمن عودة الناخبين للحزب الجمهوري مجددا.

مفاجأة الهزيمة ومعالم المستقبل
ولا يخفي بعض الكتاب تفاجأهم بحجم الهزيمة التي فاقت توقعاتهم، في حين يرى البعض منهم أن خسارة حزب رئيس يحكم لدورة ثانية في انتخابات الكونغرس ليس أمرا جديدا أو غير مألوف.

كما يرى بعضهم أن الهزيمة أفادت اليمين الأميركي وحظوظه في الانتخابات المقبلة عام 2008 لأسباب مختلفة على رأسها أنها جاءت نتيجة طبيعة أخطاء بوش وقادة الكونغرس المتكررة والتي كان ينبغي وقفها وفضحها وعدم التستر عليها حتى يشفى اليمين الأميركي منها.

كما يرى ويليام كريستول محرر ذا ويكلي ستاندرد الأسبوعية أشهر مجلات المحافظين الجدد –في مقال نشره في مجلة تايم الأميركية في مارس/آذار الماضي- أن هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الأخيرة حملت أخبارا سارة عديدة للمحافظين الأميركيين يأتي على رأسها ما يلي:

"
كريستول: أميركا ستظل في حرب حتى عام 2008 سواء كانت هذه الحرب على الإرهاب أو على العراق، مما سيدفع الناخبين الأميركيين إلى البحث عن قائد قوي وعن حزب قادر على الدفاع عن أمن أميركا القومي وهي قضايا تمثل مواضع قوة تقليدية وتفوق نسبي للجمهوريين
"
- يرى كريستول أن الانتخابات مكنت الديمقراطيين من السيطرة على الكونغرس بمجلسيه، وبذلك أصبحوا شركاء في السلطة وفي مواجهة مشاكل الإدارة الأميركية والكونغرس العديدة في الوقت الراهن وعلى رأسها العراق.

كما أن السيطرة على الكونغرس "صعبة" تقليديا كما يرى كريستول، وبهذا يضع الرجل المحافظين في موضع المتأهب لأخطاء الديمقراطيين وتعثراتهم وتقديمها كدليل على فشلهم في القيادة التي كانوا يتوقون إليها، وهو رأي براغماتي يلجأ إليه عدد غير قليل من الكتاب والساسة الأميركيين في مواجهة خصومهم في أوقات مختلفة.

- كما يرى كريستول أن الديمقراطيين لا يمتلكون قيادات قادرة على حشد تأييد الرأي العام الأميركي وخاصة تأييد ناخبي الوسط المعتدلين في انتخابات عام 2008، حيث يعتقد كريستول أن هيلاري كلينتون معروفة بمواقفها اليسارية الواضحة مما سيفقدها مساندة اليمنيين والمعتدلين، كما أن فرص باراك أوباما في الفوز بالرئاسة ضعيفة، وكذلك فرص جون إدواردز كما يعتقد كريستول.

- في المقابل يرى كريستول أن الجمهوريين يمتلكون مرشحي رئاسة ذوي قدرة على حشد تأييد اليمين والوسط في وقت واحد من أمثال جون ماكين السيناتور اليميني المحافظ المعروف بمواقفه الليبرالية، ورودي جولياني عمدة نيويورك السابق القادر أيضا على حشد أصوات اليسار، وهم قادة لا يمتلكهم الحزب الديمقراطي.

- كما يقول كريستول إن "أميركا ستظل في حرب حتى عام 2008" مشيرا إلى استمرارية "الحرب على الإرهاب" أو حرب العراق، مما سيدفع الناخبين الأميركيين إلى البحث عن قائد قوي وعن حزب قادر على الدفاع عن أمن أميركا القومي، وهي قضايا تمثل مواضع قوة تقليدية وتفوق نسبي للجمهوريين.

- أما فيما يتعلق بحرب العراق فيبدي كريستول سعادته باستقالة رمسفيلد وبزيادة القوات الأميركية، وهما أمران طالب بهما كريستول بشدة في الماضي، ويرى في حدوثهما مصدرا لأمل الجمهوريين الذين مازالوا يعتقدون بأن النصر في العراق أمر "محتمل".

قراءة في النقد الذاتي الجمهوري
وبدون شك تتميز الكتابات السابقة وغيرها من الكتابات اليمينية التي تناولت هزيمة الجمهوريين الأخيرة بقدر لا يستهان به من الدعائية والتسييس، والبعد عن كشف الأسباب الحقيقية للأزمة مما يجعلها دليلا على الأزمة لا حلا لها.

فالواضح أن الكتابات السابقة تتغافل حقيقة هامة وهي أن سيطرة بوش على البيت الأبيض وقيادات الجمهوريين على الكونغرس لم تكن لتتحقق دون مساندة قواعد جماهيرية يمينية واسعة لكليهما، وهي حقيقة تبرزها كتابات كثيرة ليبرالية وأخرى محايدة كتبت قبل وبعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2006.

وهي حجة تبدو بديهية أيضا، وذلك لأن سيطرة الرئيس والحزب على البيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه ما كانت لتتحقق دون ترسانة كبيرة من التبرعات السياسية ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والقواعد الحزبية التي مكنت تلك القيادات وساندتها رغم أخطائها على مدى ست سنوات كاملة.

"
يعيش الحزب الجمهوري مرحلة مخاض بحثا عن قيادات جديدة قادرة على توحيد الحزب وربما بحثا عن تحالفات جماهيرية جديدة وربما أفكار جديدة تعيد صياغة تحالفات وسياسات الجمهوريين
"
وقد سمحت تلك الترسانة بمصادرها المختلفة لأن تشارك قيادات البيت الأبيض والكونغرس الجمهورية في أخطائهم بل وتسابقت بعضها في تبرير تلك الأخطاء وترويجها، وعلى رأسها وسائل الإعلام اليمينية كقناة فوكس نيوز ومراكز أبحاث كمعهد أميركان إنتربرايز ومعهد هيرتيج فويندايشين.

هذا ناهيك عن دور جماعات معينة في وضع وتبرير سياسات الإدارة على الساحتين الداخلية والخارجية كالمحافظين الجدد، وفي تأييد تلك السياسات كالجماعات الإنجليكية المتدينة.

وهذا يعني أن اليمين الأميركي في حاجة لمراجعة أكبر للذات، وأن تلك المراجعة في الغالب قائمة على الرغم من حرص القيادات الجمهورية على تجنب الحديث عنها على الملأ.

كما من الواضح أن الحزب الجمهوري يعيش مرحلة مخاض صعبة، وذلك بسبب بقاء الرئيس بوش في السلطة بأخطائه المتكررة وبتراجع شعبيته لمستويات غير مسبوقة في أوساط الجمهوريين والديمقراطيين إلى حد سواء بعدما تحول إلى رمز للمشكلة لا يريد أن يتوارى عن الأعين.

كما يعيش الحزب الجمهوري مرحلة مخاض بحثا عن قيادات جديدة قادرة على توحيد الحزب وربما بحثا عن تحالفات جماهيرية جديدة وربما أفكار جديدة تعيد صياغة تحالفات وسياسات الجمهوريين، فأخطاء الفترة الأخيرة أكبر من أن يتم علاجها بأساليب دعائية سطحية.

حظوظ الديمقراطيين وموقف المعنيين
هذا لا يعني أن السلطة مقدمة للديمقراطيين على طبق من ذهب، فالواضح أيضا أن الديمقراطيين مازالوا يبحثون عن قيادات أقوى، وعن أفكار جديدة تتعدى نقد الجمهوريين إلى تقديم حلول حقيقية لمشاكل معقدة وعلى رأسها حرب العراق والتي تمثل خطرا محدقا على صورة أميركا وأمنها في حالة بقاء واشنطن أو انسحابها من هناك.

كما يجب على الديمقراطيين الانتباه لتبعات سنوات سيطرة الجمهوريين على السلطة على توجهات الشعب الأميركي ذاته والذي يخشى من تأثره بالدعاية اليمينية على مستويات هامة مثل موقفه من قضايا الهجرة والأقليات والحقوق والحريات المدنية والأمن القومي خاصة في ذلك صعود وسائل الإعلام اليمينية الأميركية الكبير في السنوات الأخيرة، مما يتحتم على الديمقراطيين الحذر من أن يضطرهم سعيهم للسلطة ولإرضاء الناخبين لتبني مواقف خصومهم.

"
وقوف المواطن الأميركي موقف المتفرج أملا في التغيير لن يعود عليه إلا بالخسارة، فالساحة الأميركية كانت ومازالت مفتوحة أمام اللوبيات وجماعات المصالح، وليس هناك أسلوب للإصلاح أفضل من التدافع من أجل الإصلاح المنشود
"
أخيرا بالنسبة للمواطن الأميركي والمعنيين بسياسات واشنطن المختلفة فليس أمامهم إلا مزيد من المعرفة والتعبئة، فقراءة أراء الكتاب والسياسيين الأميركيين والتي تغلب عليها الدعاية السياسية قد تدفع المواطن العادي بعيدا عن الحقيقة بدلا من تقريبه منها، وكبديل ينبغي عليه تسليح نفسه بمعرفة أدق بالسياسات الأميركية والمسيطرين عليها وخاصة فيما يتعلق بالسياسات التي تمس حياته كقضايا التعليم والضرائب والرعاية الصحية والحقوق المدنية وحقوق الفقراء والأقليات.

فوقوف المواطن الأميركي موقف المتفرج أملا في التغيير لن يعود عليه إلا بالخسارة، فالتعبئة والتنظيم ضروريان لمعرفة مسار السياسة الأميركية والتأثير عليها، وهي نصيحة تنطبق على المعنيين بسياسة أميركا الخارجية أيضا، فالساحة الأميركية كانت ومازالت مفتوحة أمام اللوبيات وجماعات المصالح، وليس هناك أسلوب للإصلاح أفضل من التدافع من أجل الإصلاح المنشود.

أما بالنسبة للمستقبل فالسياسة الأميركية مليئة بمشاعر سلبية تجاه الجمهوريين، وبتغييرات عديدة قادمة يصعب التنبؤ بها في الوقت الراهن خاصة في مواجهة سيل الكتابات الأميركية التي تسعى لتوصيف المستقبل انطلاقا من مصالحها السياسية.
ـــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة