الكيان الوظيفي ومعناه   
الثلاثاء 1435/5/18 هـ - الموافق 18/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:28 (مكة المكرمة)، 14:28 (غرينتش)
زياد منى

 

ثمة مجموعة من الأفكار ترد إلى خاطري عند الحديث في هذا الموضوع وتفرعاته المختلفة، حيث يقرأ المرء كتابات تحوي كمّا لا يُستهان به من حالات الإنكار والتلفيقية والذرائعية وغيرها من الصفات غير الحسنة في النقاشات السياسية والفكرية.

لكن عزاءنا يكمن في حقيقة أنه بينما ثمة أناس يتعلمون من أخطاء غيرهم، وآخرون يتعلمون من أخطائهم، ثمة فئة ثالثة أثبت التاريخ أنها عصية على أي تعلم، هذا حال الدنيا وليس بمقدورنا تغييره.

الآن، عندما نتحدث عن نظام/كيان/دولة/ وظيفية، فإن ذلك لا يعني إلغاء شعبها أو سكانها وحقوقهما، فعندما قسم الاستعمار البريطاني-الفرنسي المشرق العربي، رسمت قياداته خطا في الرمال يمتد من حدود إيران شرقا إلى البحر المتوسط غربا، شماله لفرنسا وجنوبه لبريطانيا.

المهام الوظيفية ليست مرتبطة بالشعب وإنما بنظام الحكم ورموزه المفروضين على هذا البلد أو ذاك وشعبه وسكانه طبعا. وفي حال الأردن، فإن كون النظام وظيفيا -أولا وأخيرا- لا يلغي وجود الشعب الأردني

وفي الحقيقة، ثمة كتاب جديد عن الموضوع عنوانه "خط في الرمال".

سؤال: هل وصف دولة/كيان بأنها وظيفية يلغي أهله وطبيعتهم وروابطهم الاقتصادية والاجتماعية التاريخية أو تلك التي قامت بعد التشكل الكياني؟

نقول بكل تأكيد كلا، فالمهام الوظيفية ليست مرتبطة بالشعب وإنما بنظام الحكم ورموزه المفروضين على هذا البلد أو ذاك وشعبه وسكانه طبعا. وفي حال الأردن -محط اهتمامنا في هذه المقالة- فإن كون النظام وظيفيا، أولا وأخيرا، لا يلغي وجود الشعب الأردني.

الشعب الأردني عروبي طيب، رفض التطبيع رغم إمعان نظام عمان في التنسيق مع تل أبيب على كافة الصعد، الشعب الأردني ضحية نظام "يمأسس" العشيرية ويوهج نارها كلما أوشكت على الانطفاء.

فقط فئات قليلة من الشعب الأردني تعاني رهاب الفلسطينيين، وإن كان ليس بالدرجة المبالغ فيها لدى بعض النخب في الأردن، والتي هي بدورها ضحية حملة ظالمة استمرت عقودا تشيطن الفلسطينيين وتصورهم على أنهم متحفزون لسلب وطن هذا الشعب أو ذاك.

فعندما انتفضت الفئات الشعبية الفقيرة في مختلف مدن الأردن، لم توجه هتافاتها ضد الفلسطينيين، كما تمنى البعض، وإنما ضد مضطهديها الحقيقيين، ناهبي أموال الشعب وقامعيه.

هذه حقيقة تظهر كم هو الشعب الأردني -كما معظم شعوب أمتنا العربية- متقدم على من ينصبون أنفسهم ناطقين باسمه، ومتقدم على نخبة فئوية زقاقية الفكر والممارسة، لا شاغل لها سوى نشر رهاب الفلسطينيين بسبب عقدة نقص تشعر بها تجاههم، ونثر بذور الفرقة بين أطراف الشعب ومحاولة زرع رهاب الفلسطينيين في صفوفه.

نعم، سياسات أقسام من الحركة الوطنية الفلسطينية في الأردن حتى عام 1970، بل حتى بعد ذلك، أسهمت في زرع بذور فرقة ونفور بين الفلسطينيين والأردنيين، وسياساتها تجاههم لم تكن مطمئنة لأهل البلاد "الشرق أردنيين".

القيادة الفلسطينية أظهرت وقتها -ولا تزال تمارس- نزعتها للهيمنة والسيطرة وإلغاء الآخر عبر جعله تابعا أو عبر التآمر لتشظية هذه أو تلك من المنظمات الفلسطينية والأردنية واللبنانية والعراقية والمغربية... إلخ، وهيمنتها لم تكن موجهة تجاه الأردنيين فقط بل تجاه كل التنظيمات الفلسطينية، بل حتى داخل فتح نفسها.

ألم تزرع بذور الفتنة بين أهل الضفة وأهل غزة داخل الحركة، ثم بين أهل الخلايلة والنابلسيين، ما أوصل الأمور إلى صدام عسكري داخل قوات العاصفة وقوات اليرموك وبينهما.

لا داعي هنا لذكر أسماء قادة عسكريين كبار تورطوا في اللعبة غير النظيفة التي خاطت خيوطها قيادة فتح التي أوصلتنا وقضيتنا إلى ما نحن عليه.

انتهاء دور الكيان الوظيفي لا يعني انتهاء وجود شعب أو دولة، بل يعني فتح أوسع المجالات أمام شعبها ليقرر مصيره بنفسه بعيدا عن التدخلات الخارجية التي عادة ما تخبو وقتها
إذن، وظيفية الكيان لا تعني إلغاء شعب من الشعوب، وانتهاء دور الكيان الوظيفي لا يعني انتهاء وجود شعب أو دولة.

خلافا لذلك، فإن إنهاء الدور الوظيفي للدولة -ممثلة في سلطتها- أي المؤسسة الحاكمة فيها، يعني فتح أوسع المجالات أمام شعبها ليقرر مصيره بنفسه بعيدا عن التدخلات الخارجية التي عادة ما تخبو وقتها.

إنهاء الدور الوظيفي للمؤسسة الحاكمة يعزز من مكانة الشعب في وطنه، ويفتح أمام قواه الحية أوسع المجالات لتغيير حاله وإقامة النظام الذي يريده القائم على العدل والمساواة، ما أمكن. هذه هي مطالب الشعوب والتي لا يهمها من يحكمها، وإنما الكيفية التي تحكم بها.

من ناحية أخرى، إن تأسيس الاستعمار البريطاني كيانا أو دولة وظيفية ليس شتيمة، فكل بلاد المشرق والمغرب العربيين أسستها -بدرجة أو بأخرى- الدوائر الاستعمارية البريطانية والفرنسية، لكنها لم تنجح دوما في مضاعفة التشظي التقسيمي الذي فرضته، كما في سوريا وليبيا على سبيل المثال.

فقد فشلت في تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، ولم تنجح في فصل شرقي ليبيا (أي إقليم برقة) عن بقية البلاد (ضمن الحدود التي رسمها الاستعمار الإيطالي، علما بأن اسم الدولة اقترحه المستعمر من الحضارة الإغريقية التي كانت تطلقه على كل شمالي إفريقيا عدا مصر، وليس من جذور تاريخية مرتبطة بالإقليم نفسه، لتسويغ احتلاله المنطقة. رغم ذلك، شعب ليبيا وقف ضد انفصال برقة وقتها وقاوم مشروع بيفن سفورزا الاستعماري الاحتلالي التقسيمي).

إن الحفاظ على وحدة الوطن الواحد -ونوجه نظرنا الآن نحو الأردن خصوصا بسبب موقعه المتميز في الصراع العربي الصهيوني- يعني الدفاع عن حق كل المواطنين في المساواة القانونية والوظائفية والسياسية... إلخ. عندما تتعزز الوحدة الوطنية على الأسس الجامعة تتم المحافظة على الوطن، في الطريق نحو الانصهار العربي الشامل.

أما ما يتعلق بوجود نخبة طائشة تزور الحقائق وتشيع رهاب الفلسطينيين وتحرض عليهم ليل نهار -ضمنا وصراحة- فليس من شيم الشعب الأردني العروبي الأصيل، رغم انحراف بعض قياداته العشيرية.

إن التركيز على الاختلافات والبحث عنها حتى باستعمال المجهر الإلكتروني، واختلاق الخلافات الوهمية يدل على عقلية إقليمية رجعية تعاني رهاب الآخر.

المطلوب البحث عما يجمع للحفاظ على الوطن، على طريق انصهار كل الأوطان العربية في وطن كبير يجمعنا، أما الاستعانة بالذرائعية لاستبعاد الفلسطينيين في الأردن من الحياة السياسية والثقافية... إلخ، على أرضية التباين الإثني الوهمي، فلن تقود إلا إلى كوارث، كما يحدث الآن في العراق وليبيا، وكما حدث في السودان، وكما يحدث الآن في دولة جنوب السودان المنفصلة، وكما حدث من قبل في بوروندي... إلخ.
 
نثر رهاب الفلسطينيين -وبصرف النظر عن نوايا ناشريه وأهدافهم العلنية والمخفية- فإنه لن يأتي بنتيجة سوى تصديع البيت الواحد على نحو غير قابل للإصلاح
المطلوب -إذن- صهر القوى الوطنية الأردنية والفلسطينية في حركة واحدة، سمها ما شئت، لكن بوصلتها تكون فلسطين.

وعندما نقول فلسطين بوصلتنا، فإننا لا نعني إطلاقا مقولة فلسطين أولا المغرقة في رجعيتها، إنما كون فلسطين بوصلتنا أولا وأخيرا. فلسطين هي قضيتنا، قضية العرب المركزية، شاء من شاء وأبى من أبى، والموقف من استعادة حقوقنا الوطنية والقومية كاملة فيها هو الذي يحدد هوية كل منا.

أما نثر رهاب الفلسطينيين -وبصرف النظر عن نوايا ناشريه وأهدافهم، العلنية والمخفية- فإنه لن يأتي بنتيجة سوى تصديع البيت الواحد على نحو غير قابل للإصلاح.

نثر رهاب الفلسطينيين والبحث عما يفرق الأردنيين والفلسطينيين في الأردن يعني القول للفلسطينيين إن طريق الخلاص هو الهجرة إلى بلاد الغرب والاستسلام للعدو والتخلي عن حقوقنا في وطننا، غير القابلة للتقسيم.

أخيرا، في الوقت الذي لا نتوقف فيه إطلاقا عن تأكيد مسؤولية رموز في نظام عمان عن إشاعة الفرقة بين الفلسطينيين والأردنيين في الأردن، ونثر بذور رهاب الفلسطينيين، فإننا نؤكد أنه في حال سال دم الشعب الفلسطيني في الأردن نتيجة هذه التحريضات العصبية فإن ناشريها -الملوكيين واليسار الملوكي- سيكونون المسؤولين بالدرجة الأولى عن ذلك.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة