سُنة العراق وداعش.. تحالف الضرورات   
الخميس 30/9/1436 هـ - الموافق 16/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:19 (مكة المكرمة)، 14:19 (غرينتش)
مهنا الحبيل

يخضع العراق في عيد الفطر الثالث عشر منذ احتلاله المزدوج أميركيا وإيرانيا (2003) لأفظع مآسي مشروع الغرب الديمقراطي المزعوم للمشرق العربي.

ولم يكن المشروع في أصله يمثل رغبة حقيقية ليعيش العراق دولة ذات سيادة وطنية تحميها مؤسسات شعبية، عبر وسائط وأفق ديمقراطي يعتمد هوية العرب ورسالتهم، ويصنع منهجية دستورية للتعايش والشراكة الوطنية لكل العراقيين، بل كان مجرد غطاء لأهداف أخرى.

لقد جاء الاحتلال غطاء تُنفذ من خلاله واشنطن قهر الشرق العربي وتحييد أي قوة تمرد أو استبداد لا تقبل بقواعد اللعبة كما يرسمونها، بما في ذلك تهديد معادلتهم القائمة بين أمن إسرائيل وسلة النفط الكبيرة، ولذلك فإن كل ما يجري في العراق وتبعاته، تُحدد المسؤولية فيه على كل من شارك في تلك الجريمة أو دعمها.

جاء الاحتلال غطاء تُنفذ من خلاله واشنطن قهر الشرق العربي وتحييد أي قوة تمرد وأي استبداد لا تقبل بقواعد اللعبة كما يرسمونها، بما في ذلك تهديد معادلتهم القائمة بين أمن إسرائيل وسلة النفط الكبيرة

غير أن الواقع الذي واجهته واشنطن حين اعتمدت التشطير الطائفي والتقسيم العرقي، وأطلقت يد إيران فيه لمنع أي روح لمقاومة عسكرية راشدة أو سياسية تجمع غالب العراقيين وأطيافهم، لم تُحقق هدف جورج بوش ولا خَلَفه -وإن استمرت فكرة التحالف مع إيران في العراق إلى اليوم-.
فانفجرت حالات تمرد في بنائه الاجتماعي وتفاقمت المشاعر أمام الجنايات الكبرى حتى وُلدت جبهات خارج حسابات الغرب، وعجز الاختراق المخابراتي عن ضبطها وإن تلاعب ببعض ميادينها واستثمره.

وها هو ذلك الحصاد يتضح جليا على حالة العراقيين إجمالا، ولكن هناك حالة خاصة من الاضطهاد كُثفت عليها الجرائم الدولية والإقليمية برعاية دولية وغطاء أممي وتأييد غربي يتعلق الأمر بسُنة العراق، فهنا المعادلة الوحيدة لفهم لماذا تُحتضن داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) في مناطق سُنة العراق، وما يُطرح من قضايا غلو وتوحش في داعش صحيح، لكن المسؤولية خاصة في العراق هي من حصاد هذا الاحتلال المزدوج وكل من ساهم فيه.

وبعرض بسيط، يتبين للباحث أن العراقيين العرب السُنة، وهم كينونة الوطن القومية التاريخية والإنسانية، وحملة الرسالة الإسلامية الأولى لوحدة الشرق وتراث الحضارة، شراكة مع طوائف وشخصيات باحتضان منهم، عاشوا من 2003 حتى اليوم، تحت تجريم مباشر وتحميلهم كمجموعة بشرية مسؤولية ما قبل الاحتلال، ثم حصارهم ما بعد الاحتلال واجتياح مناطقهم عسكريا، وارتكاب مذابح موسمية فيهم لا تتوقف.

وهذه المذابح المتكررة شهريا، وأحيانا بالعشرات في شهر واحد، لا تزال إحصائيا تفوق مذابح داعش وجرائمها في مدنيي الطوائف الأخرى، لكن هناك مليشيات منظمة تذبح ثم تغادر وغالبا لا تُعلن مذابحها، كما أن مذابح الجيش الأميركي المباشرة، أو عن طريق المؤسسات العسكرية العراقية الرسمية المتعددة لا تحتسب في قوائم الجريمة.

وبينما تتطوع داعش بنشر فظائعها التي تضرب السُنة أيضا وتقتل علماءهم، يتم الصمت المنهجي المركزي عن هذه الجرائم ضد شعب كامل بوسائط متعددة، هذا الشعب المحكوم بقوة طائفية، أصلها مليشيا ترعرعت في إيران، وتُبثُ عليهم إعلاميا صنوف التحريض والسخرية، والتبرير لقتل أطفال هذه المجموعة، فيما يكثف الإعلام والنظام القضائي والسلطات القانونية هجومه وتعدياته عليهم.

عاش العراقيون العرب السُنة منذ 2003 حتى اليوم، تحت تجريم مباشر وتحميلهم كمجموعة بشرية مسؤولية ما قبل الاحتلال، ثم حصارهم ما بعد الاحتلال واجتياح مناطقهم عسكريا، وارتكاب مذابح موسمية فيهم لا تتوقف

وفوق ذلك يُعلن تحالف دولي شراكته الأصلية والميدانية بين الأميركيين وإيران، والمليشيات الكردية والطائفية الشيعية، ومغطى دوليا وعربيا، ثم يُساند لاجتياح مناطق العرب السنة تحديدا، لتخضع كليا تحت ذلك الهولوكوست، وذلك بسحق أي تمرد ضده ليس من داعش فقط، بل من أي جسم سُني. وسبق أن حاصرت هذه الحكومة وبدعم من واشنطن هيئة علماء المسلمين ورمزها الراحل، واغتالت أئمتها، كما حاصرت كل صوت سني وشيعي ضد اعتداءاتها.

هنا وجد العرب السُنة العراقيون خيارين لا ثالث لهما -على الأقل مرحليا- قبول العرض الأميركي الإيراني وغطائه الدولي بأخذ السلاح تحت تنظيم ميداني محدد ومواجهة داعش، ضمن الخطة الأميركية الإيرانية، وفتح مناطقهم لذلك الجحيم، ثم العودة لتصفيتهم بعد استخدامهم كما جرى مع مجموعات الصحوات، علما بأن هذا المصطلح تتلاعب به داعش، وتنعت به كل من يخالفها خاصة من القوة الوطنية الإسلامية العراقية، حتى تُبقي الشرعية لها وحدها.

لكن حصيلة التجربة تعطي دروسا لسُنة العراق، أنه لا يوجد إلا هذا الخيار، الذي يشبه تعاونك مع معتد من بوابة جنوبية، ليصل إلى البوابة الشمالية فيقتل الممانعين فيها، ثم يعود إلى بقية الحي، وبوابته الجنوبية، ويبطش بهم، هذا ما يعرضه الغرب على العرب السُنة، في مقابل الخيار الثاني وهو خيار اضطراري للتحالف الموسمي مع داعش كضرورة.

وهنا نفصِل تموضع داعش العراق عن بقية سياقاتها، لكون نموذج وظرفية الصراع مختلفة تماما عن سوريا وعن غيرها من ميادين فتحتها داعش ضد المدنيين، من الأحساء إلى تونس.

وعليه وأمام الجرائم التي ترتكب، فإن هذا العراقي المعزول المقتول ليس لديه خيار إلا أن يتحالف مع داعش لرد الاجتياح الإيراني الكبير باسم الحشد الشيعي، المسنود غربيا والمغطى دوليا، والذي لا يوجد معه ولا حتى من شركاء العملية السياسية السُنة فيه أي ضمان لعدم سحق مُدنه وإنسانه وطفولته، بعدما خذل العرب أو توطؤوا ضد مناطقه وأهله.

بمعنى أن العرب السُنة، الذين يُطور أمام ناظريهم جيش الحشد الشيعي، ويُغطى قانونيا وسياسيا، ويُفتح الإعلام لشتمهم طائفيا، يخوضون حرب بقاء لا حرب خيار، ولا محالة ولا مصداقية أن يأتي أي طرف ويقنعهم بفض هذا التحالف وهو أعجز عن حماية وليد منهم أو طفل اسمه عمر، أو فتاة باسم عائشة، سيصل إليها بغي الحشد عند أول اقتحام لسور التحالف الذي صنعته الديمغرافيا السنية مع داعش.

وقبل فترة دعا القيادي الحركي الخليجي الطائفي توفيق السيف دول الخليج لدعم عمليات الاقتحام لمناطق العرب السنة بقيادة حيدر العبادي، كحل لمواجهة جرائم داعش وزحفها، وسبقه في ذلك الإرهابي هادي العامري والإرهابي حسن نصر الله.

وهذا التطابق ليس غريبا، فالقضية هنا ليست سوى استثمار لهذا الفزع من إرهاب داعش، لتحويله لإرهاب أكبر لصالح مشروع إيران، في حين ستُفتح على ما تبقى من ممانعة استقرار لدول الخليج العربي، أبواب جهنم من داخلها.
يبدأ الحل في العراق بإطلاق شراكة حقيقية مع القبائل والقوى السنية لضمان وقف الاجتياحات، وانسحاب مليشيا الحشد الشيعي وكل المؤسسات الأمنية والعسكرية الموالية لإيران وتسلم أهل هذه المناطق للمهام الأمنية

إن شراكة هذه النماذج الحركية في موقف واحد تؤكد مأساة الواقع في الشرق العربي، خاصة في ملف المدنيين الشيعة، والجرائم الإرهابية التي تضربهم، في حين يحول هذا الكادر الحركي الشيعي، في كل بلدان المنطقة، مآسيهم لتوظيف سياسي يصنع تقدما للمشروع الطائفي الأبوي الكبير له، وليس وطن الحقوق والواجبات ولا الوحدة الإسلامية والتعايش المدني.

والمخرج لا يُطرح في خاتمة مقال، خاصة أننا سبق أن نوهنا في مقالات عدة عن خطورة تشكل داعش وخطورة بنائها الأيديولوجي وسلوكها المتوحش الذي ولدته ظروف الاحتلال وغلو الاعتقاد معا، لكنه (أي المخرج) منظومة من رؤية تؤسس شراكة عربية إقليمية بين الدول المحورية خاصة الرياض وأنقرة.

يبدأ الحل بإطلاق شراكة حقيقية مع القبائل والقوى السنية في العراق، لضمان وقف هذه الاجتياحات، وانسحاب مليشيا الحشد الشيعي وكل المؤسسات الأمنية والعسكرية الموالية لإيران وتسلم أهل هذه المناطق للمهام الأمنية. وهو أمر يمكن أن يتم بالضغط على مصالح واشنطن، كما أن هذه العشائر لديها طريقتها في إقناع مقاتلي داعش للخروج من المدن بعد ضمان أمنهم بقوة وتسليح ذاتي.

وسحب هذا الفتيل الذي قد يتصاعد إلى قصف جوي أعنف واستباحة لمدن العرب السنة هو مهمة أولى في ملف شامل كبير لإعادة صناعة توازن، بمحور إقليمي إسلامي مختلف يحقق احتواء مزدوجا لصفقة إيران والغرب وداعش، ويُنقذ أمنه وحدوده وما تبقى من الشرق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة