تفجيرات مومباي الإرهابية   
الخميس 1429/12/7 هـ - الموافق 4/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:19 (مكة المكرمة)، 13:19 (غرينتش)
نبيل شبيب

حصيلة سنوات مضت
حماقة التوقيت
إدانة الإرهاب وتبرئة المقاومة

كأن الإرهابيين في مومباي يريدون أن يودعوا بوش الابن بقولهم: كنت على حق في حربك الفاجرة ضد الإرهاب!

وصحيح أن هذه مقولة لم يعد يوجد بين عقلاء العالم من يقبل بها، ولكن الفضل في ذلك -إذا صح التعبير- لا يعود لمسلسل العمليات الإرهابية الفاجرة في ساحات عدد من الدول الإسلامية والأوروبية، بل إلى الأسلوب الإرهابي والعدواني المتعجرف في الحروب التي أطلق بوش الابن العنان للفساد والتدمير والتقتيل فيها، حتى أوصلته مع بلاده إلى هزيمة أكبر وأشد وطأة مما كان أيام فيتنام.

حصيلة سنوات مضت
كان بعض المنظمات التي مارست عمليات إرهابية ضد منشآت أميركية يجد قبل سنوات شيئا من التأييد الحماسي الشعبي في البلدان الإسلامية التي بقيت زمنا طويلا مستهدفة بالعدوان والهيمنة والاستغلال وارتباط الاستبداد المحلي بالاستبداد الدولي، ومشحونة بالغضب بسبب عدم ممارسة حق الدفاع المشروع على الوجه الأمثل.

وخسرت تلك المنظمات هذا التأييد رغم تصعيد العدوان والهيمنة والاستغلال والاستبداد.. والسبب كامن في مسلسل الممارسات الإرهابية نفسها.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية رغم تاريخ المسيرة الطويلة لهيمنتها العدوانية عالميا تحظى على المستوى الشعبي في البلدان الإسلامية (وعالميا) ببعض الإعجاب تجاه إنجازاتها، مختلطا بكثير من الانبهار الذي يحجب سوءاتها، بتأثير عوامل الدعاية من الخارج والتغريب في الداخل.

وأصبحت السمعة الأميركية في هذه الأثناء في الحضيض، سواء في البلدان الإسلامية أو سواها، ولكن لم يكن ذلك نتيجة الإرهاب العشوائي المضاد بل نتيجة فجور عسكرة الهيمنة وشدة ما وجدته من المقاومة المشروعة لمختلف أشكال الاحتلال والعدوان.

لعل من أهم ما خلفته السنوات الماضية هو ارتفاع مستوى الوعي الشعبي، فلم تعد ادعاءات طرفي معادلة الإرهاب والعدوان أو العنف والعنف المضاد (وليس معادلة العدوان والمقاومة) تجد من يقبل بها، فكلاهما يمثل ممارسات مرفوضة بمختلف المعايير، مدمرة على كل صعيد، وحشية هائجة لا تنضبط بقيم كريمة، ولا تحقق هدفا كريما، مهما استخدم لتزويق وجهها الكالح من مساحيق.

حماقة التوقيت
"
ألا تحول تفجيرات مومباي الأنظار عن قطاع غزة وحصاره مجددا وتغذي مصانع إشاعة ذرائع الافتراءات بشأن تعميم تهمة الإرهاب على كل من يمارس المقاومة ضد الاحتلال؟
"
العمليات الإرهابية العشوائية مرفوضة مدانة سيان من يرتكبها وسيان في أي وقت تقع، ولكن توقيت تفجيرات مومباي الإرهابية التي من المرجح صحة ما انتشر سريعا عن المتورطين فيها، يكشف عن درجة من الحماقة تدفع دفعا إلى التساؤل ما إذا كانت توجد يد واحدة تحرك الإرهاب وتحرك الحرب على الإرهاب معا، ويمكن الوقوف عند أمثلة معدودة لبيان ما يعنيه وصف التوقيت بالحماقة.

1- لعل أخطر ممارسات الإرهاب والأكبر من سواها حاليا هو ذاك الحصار الإجرامي المفروض على قطاع غزة ومن فيه، واستعراض آلياته الإسرائيلية وما يرتبط بها إقليميا ودوليا، للتحكم في المصير الفردي اليومي لما يناهز مليوني إنسان، بمن فيهم من المرضى والمصابين والأطفال والمسنين والمدنيين والمسلحين، عبر فتح معابر شرايين الحياة على أدنى مستوى ممكن وإغلاقها من جديد، وتكرار الغارات والاجتياحات جنبا إلى جنب مع تدمير أنفاق "تهريب أبسط احتياجات البقاء على قيد الحياة" ومع تصعيد درجة إحكام الحصار جغرافيا ونوعيا.. وسط صمت دولي رهيب وتدبيج قرارات إقليمية.. نادرا ما وضعت -ولو جزئيا- موضع التنفيذ.

ويبدو أن حملات كسر الحصار من جانب مجموعة من الناشطين الشرفاء بدأت تؤتي أولى ثمرات تأثيرها عربيا وإسلاميا ودوليا. وهذا ما يؤخذ على الأقل من تسيير بعض البواخر المحملة بالأغذية من بلدان عربية وإسلامية، ومن ازدياد الدعوات إلى ثورة شعبية.

والسؤال: ألا تحول تفجيرات مومباي الأنظار عن قطاع غزة وحصاره مجددا وتغذي مصانع إشاعة ذرائع الافتراءات بشأن تعميم تهمة الإرهاب على كل من يمارس المقاومة ضد الاحتلال؟

2- في هذه الأيام يشهد العراق قرارا مفصليا بين تشبث أتباع الاحتلال بالاحتلال تحت عنوان اتفاقية أمنية، وبين احتمال سقوط آخر محاولات بوش الابن هذه لحفظ بقية باقية من ماء وجهه أميركا، وسقوط محاولات من يتبع سياسته في العراق على حساب العراق ألا يؤدي الانسحاب العسكري المحتم إلى خسارة مواقعهم مقابل استعادة السيادة والاستقلال بصورة ناجزة في العراق.

إن الحجة الرئيسية في تمرير ما يسمى الاتفاقية الأمنية (أو مع محاولة تجميلها: اتفاقية انسحاب القوات الأميركية) هي القول إن الانسحاب الأميركي السريع من العراق سيتركه فريسة لعمليات إرهابية لا تكفي القوات العسكرية والأمنية العراقية فيه لمواجهتها.

والسؤال: ألا تحمل تفجيرات مومباي رسالة مخادعة مفادها أن الإرهاب لا يزال "قويا" وأن خطورته في المنطقة كبيرة، بما يشمل العراق، فمن أراد تأمين البلاد ضد الإرهاب عليه متابعة سياسات التبعية والارتباط والتعاون مع القوى الأجنبية بما فيها الأميركية؟..

3- من أبرز ما تشهده آليات صناعة القرار الأميركي والأطلسي في الوقت الحاضر، بشأن منطقة أفغانستان وما حولها، أي ما يشمل أيضا باكستان وكشمير والهند تخصيصا، يتمثل في تراجع تدريجي عما تردد سابقا على لسان الرئيس الأميركي المنتخب أوباما بشأن نقل القوات إلى أفغانستان والتركيز على الحرب ضد الإرهاب مقابل التعجيل بالانسحاب من العراق.

"
من الذي يحرك حلقات مسلسل الإرهاب من مدريد إلى الدار البيضاء ومن إسطنبول إلى لندن ومن بالي إلى مومباي؟ ألا يثير التأمل في توقيتها ومفعولها والتأمل في مجرى أحداث المنطقة ومفعولها إقليميا وعالميا شكوكا حول من يحركها؟
"
وسيمضي هذا الوعد الانتخابي على الأرجح مع وعود أخرى فرضتها متطلبات المعركة الانتخابية، فقد بدأ البحث في الأوساط الأطلسية نفسها عن سبل الانسحاب من أفغانستان وليس من العراق فقط، وهو ما يعززه انطلاق جولات الوساطة وعروض المفاوضات بين حكومة كرزاي في حماية الاحتلال وزعامات طالبان في أفغانستان وباكستان.

والسؤال: في هذه الأجواء بالذات ألا تحمل تفجيرات مومباي في حصيلتها ذرائع إضافية تعطيها لمن يعارض الانسحاب ويريد مضاعفة حجم القوات العسكرية ومتابعة الحرب الإرهابية بدعوى الحرب ضد الإرهاب؟..

والسؤال الأبعد والأشمل من خلال هذه الأمثلة: من الذي يحرك حلقات مسلسل الإرهاب من مدريد إلى الدار البيضاء ومن إسطنبول إلى لندن ومن بالي إلى مومباي؟

ألا يثير التأمل في توقيتها ومفعولها والتأمل في مجرى أحداث المنطقة ومفعولها إقليميا وعالميا شكوكا حول من يحركها؟..

ألا نرصد ما شهدته السنوات الماضية من اتساع نطاق إدانتها جملة وتفصيلا وهدفا ووسيلة، وكيف ازداد رفضها شعبيا، وازداد ظهور ما تقدمه من خدمات، مرة بعد مرة، إلى الذين يريدون متابعة مسلسل الاحتلال والعدوان والاستبداد والاستغلال؟

إدانة الإرهاب وتبرئة المقاومة
إذا كان القائمون على تدبير مسلسل العمليات الإرهابية بكل ما يتطلبه من جهد وتدريب ونفقات مالية وسلاح وتخطيط وتنظيم، يملكون ذلك كله وكانوا فعلا أصحاب "هدف" محوره تحرير المنطقة من الهيمنة الأجنبية بكل أشكالها كما يزعمون، فعلام لا يحولون ما يملكون من إمكانات ليساندوا به من يمارسون المقاومة المشروعة الشريفة ضد الاحتلال والعدوان وجها لوجه، حيثما وجد الاحتلال فعلا، وحيثما وقع العدوان فعلا، وحيثما تحتاج المقاومة إلى كل دعم فعال؟

إننا نحتاج إلى رؤية واضحة ترفع عن الأعين دخان التفجيرات وبيانات مرتكبيها، وضباب تسويق الذرائع المقابلة لإيذاء المقاومة المشروعة. ومن جوانب هذه الرؤية على سبيل المثال دون حصر:

"
ما صنعته المقاومة المحرومة من أسباب الدعم الفعال في فلسطين، المعتمدة بعد الله على ذاتها وشعبها، قد حقق حتى الآن، مثل المقاومة في العراق وأفغانستان والشيشان والصومال ولبنان وسواه، ما لم يحققه أي عمل إرهابي في أي مكان من العالم
"
1- إن ما صنعته المقاومة المحرومة من أسباب الدعم الفعال في فلسطين، المعتمدة بعد الله على ذاتها وشعبها، قد حقق حتى الآن، مثل المقاومة في العراق وأفغانستان والشيشان والصومال ولبنان وسواه، ما لم يحققه أي عمل إرهابي في أي مكان من العالم.

2- إن الخدمة التي استطاع تقديمها عدد من شرفاء كسر الحصار حول قطاع غزة، في عمليات سلمية جريئة متتابعة، أكبر بمغزاها ومؤداها من جميع ما يزعم مرتكبو العمليات الإرهابية لأنفسهم بشأن مواجهة عدو خارجي، وهم يوجهون ضرباتهم مثلا لفنادق يقيم فيها بعض ممثلي الدول الأجنبية من العاملين في السياسة والاقتصاد والإعلام، (حتى وإن كان بعضهم من المخابرات الأجنبية كما يقول مرتكبو تلك العمليات أحيانا) ثم هم يزهقون من خلال ذلك أرواح أناس مدنيين آخرين، فيبلغ تعداد هؤلاء أضعاف من يقع ضحية تلك العمليات من المستهدفين كما يقال عنهم!

3- إن كتابا واحدا من الكتب العديدة التي بدأت تظهر في الدول الغربية لبيان حقيقة المقاومة المشروعة مقابل وحشية العدوان الأجنبي، بات يترك مفعوله ليتراكم مع مفعول سواه من جهود مبذولة تثمر ضغوطا إيجابية في الاتجاه نفسه، ليؤثر على صناعة القرار الغربي، فلا يضعف من ذلك شيء قدر ما يضعفه وقوع "غنيمة" جديدة بين أيدي المدمنين على الانحياز في الأوساط السياسية والدوائر الإعلامية، وهم يحصلون عليها غالبا نتيجة ارتكاب عملية إرهابية، فيواجهون بها مفعول الضغوط الإيجابية، ويمررون مزيدا من القرارات العدوانية، علما بأنها قرارات وممارسات مرفوضة جملة وتفصيلا، بوجود تلك الذرائع ودون وجودها.

4- إن عملا واحدا من قبيل فيلم "الاجتياح" الأردني له من المفعول عبر تكريم صانعيه دوليا رغم الحرب المخزية عليه إقليميا، ما لا تضيع قيمة مشاهدته، إلا من خلال ما لا يحصى من مشاهد الدماء والقتل والتدمير التي تتسابق وسائل الإعلام الغربية إلى عرضها بعد كل عملية إرهابية، لتغطي من خلال ذلك على مشاهد الدماء والقتل والتدمير الناجمة عن اعتداءات أجنبية، حتى ولو بلغت أضعافا مضاعفة بما لا يقاس.

ولكن مشاهد فيلم من هذا القبيل لا تجد من جانب أصحاب الإمكانات المادية وغير المادية (من صانعي الإرهاب وسواهم) ما يكفي من الدعم لخرق التعتيم الإعلامي المستمر حولها، وهم مشغولون بتدبير عملياتهم الإرهابية.

ولا يستهان بما يعنيه ذلك، فمن أكثر ما يسري على المقاومة المشروعة ضد العدوان أنها لم تستطع حتى الآن كسب المعركة الإعلامية.. التي يقال إن الإرهاب كسبها تجاه العدوان الأجنبي، وليس هذا صحيحا، إنما ينطوي على محاولة توظيف هذه المقولة غربيا لتفسير هزيمة العدوان أمام المقاومة المشروعة.

"
ينبغي العمل لمواجهة تداعيات هذه التفجيرات الإرهابية، وفي مقدمة المطلوب تبعا لذلك مضاعفة الجهد الضروري للتمييز بين إرهاب مدان مرفوض ومقاومة مشروعة, ومضاعفة تأييد كل عمل من أعمال المقاومة المشروعة بما يخدم الحق دون ارتكاب إثم الجريمة
"
من خلال الرؤية الواضحة يمكن التأكيد أن تفجيرات مومباي بالغة الخطورة في توقيتها ومفعولها وما يمكن أن ينبني عليها في المرحلة المقبلة.

ومن خلال الرؤية الواضحة ينبغي العمل لمواجهة تداعيات هذه التفجيرات الإرهابية، وفي مقدمة المطلوب تبعا لذلك:

1- مضاعفة الجهد الضروري للتمييز بين إرهاب مدان مرفوض ومقاومة مشروعة مفروضة.

2- مضاعفة العمل للحيلولة دون تحقيق أهداف ما ينتظر من ممارسات عدوانية تستغل مسلسل الإرهاب، لمضاعفة جهود الحصار حول المقاومة وأهلها ومنظماتها وحول الدعوة إليها والتعريف بها على حقيقتها وحول تقديم الدعم الواجب من أجل الوصول بها إلى غاياتها..

3- مضاعفة تأييد كل عمل من أعمال المقاومة المشروعة، بما يخدم الحق دون ارتكاب إثم الجريمة، ويخدم العدالة دون ارتكاب المظالم المشينة، ويخدم أهداف التحرير والكرامة والعزة والاستقلال، دون امتهان الإنسان والاستهانة بقيمته والغفلة عما أمر الله تعالى به وهو القائل في كتابه العزيز:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلاَّ تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة