الدين والسياسة والحياة العامة في الغرب   
الأحد 6/11/1427 هـ - الموافق 26/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)


إبراهيم غرايبة

مرجعية مسيحية للحياة العامة
المسيحية والسياسة والنضال

يتزايد تأثير الدين في السياسة الغربية على نحو لا يقل عنه في الشرق، وتتلاشى معه الصورة التقليدية التي سادت عن الغرب بأنه علماني يفصل بين الدين والسياسة والحياة، ولا يتوقف المشهد عند صعود التدين والتعصب الديني وصعود العنصرية والكراهية المستندة إلى الدين، بل يتجاوز ذلك أيضا إلى التأثير في السياسة والانتخابات والسياسات العامة.

وتؤدي الكنيسة المسيحية أيضا وبخاصة في أميركا اللاتينية دورا اجتماعيا ونضاليا، وتشارك المجتمعات مطالبها واحتياجاتها وتواجه معها السلطات والشركات الرأسمالية.

مرجعية مسيحية للحياة العامة
"
دور الكنيسة في حياة الغربيين العامة والسياسية حاضر ومتزايد, بل إن الولايات المتحدة اليوم بقيادة بوش الأصولي اليميني تبدو دولة دينية متطرفة لا تختلف في تطرفها الديني عن طالبان
"
"أي سيارة كان يسوع سيقود؟" هذا السؤال يشكل شعارا لحملة إعلانية مناهضة للتلوث تنظمها الشبكة البيئية الإنجيلية ومقرها بنسلفانيا، ويقول قائد الحملة الكاهن جيم بول إن التلوث الذي تسببه السيارة كان له أثر مدمر على الناس، وعلى صانعي السيارات أن يصنعوا سيارات تعكس قيمنا الأخلاقية.

ولكن الكاهن بات روبرتسون من الإنجيليين الأميركان الذي يستخدم سيارة رياضية أدان هذه الحملة البيئية وقال: أظن أن ربط يسوع بحملة مناهضة للسيارات الرياضية يقارب التجديف وأعتبره نكتة.

والمثال يشير إلى نموذج من دور الكنيسة اليوم في حياة الغربيين العامة والسياسية وإلى أنها حاضرة بأهمية كبرى وتتزايد أهميتها، بل إن الولايات المتحدة اليوم بقيادة بوش الأصولي اليميني تبدو دولة دينية متطرفة لا تختلف في تطرفها الديني عن طالبان.

لقد تشكلت الدول الأوروبية الحديثة بعد سلسلة من التفاعلات والصراعات والنهضة العلمية والفنية، واتجهت الدول والسياسات بمحصلتها وتداعياتها وجهة علمانية تفصل بين الدين والسياسة لحماية الديمقراطية كما في الثورة الإنجليزية عام 1679، وفي فرنسا لحماية الجمهورية (1789) أو لحماية الحرية الدينية كما في الولايات المتحدة الأميركية (1776).

ولكن الكنيسة موجودة على نحو أكثر تعقيدا وشمولا مما سبق، فالإنسان كائن ديني، وربما يكون الإنسان الغربي المسيحي أكثر ارتباطا بالدين والمؤسسة الدينية من المسلم.

فالصلاة والموت والاعتراف والزواج مرتبطة أساسا بالمؤسسة الدينية بلا فكاك منها، بخلاف الإسلام الذي يتيح للناس والأفراد ممارسة العبادة والطقوس والمراسم والحياة بلا حاجة لرجل دين أو مؤسسة دينية وإن كان وجودها ضرورة تنظيمية وإدارية وليس دينية كما في المسيحية.

ويبدو التاريخ الأوروبي سلسلة من الحروب والصراعات والفوضى الناجمة عن الحروب والخلافات الدينية، عندما انشقت الكنيسة بين الكاثوليك والأرثوذكس، ثم بين الكاثوليك والبروتستانت، بالإضافة إلى الصراعات والتضحيات التي ارتبطت بسعي الإنسان الدائب للحرية والتقدم والفردانية.

"
بقدر ما كانت تجربة التاريخ الأوروبي قاسية ومليئة بالنماذج الموحشة والمظلمة فقد كانت أيضا مفعمة بالتقدم الإنساني، فالحريات والعلوم والحضارة القائمة اليوم هي من محصلات ونتائج هذا الكفاح والجدل مع الدين والكنيسة ودروهما وموقعهما في الحياة والسياسة
"
وبقدر ما كانت التجربة قاسية ومليئة بالنماذج الموحشة والمظلمة فقد كانت أيضا مفعمة بالتقدم الإنساني، فالحريات والعلوم والحضارة القائمة اليوم هي من محصلات ونتائج هذا الكفاح والجدل مع الدين والكنيسة ودروهما وموقعهما في الحياة والسياسة.

ولم تؤد موجة العلمانية وفصل الدين عن الحياة والسياسة التي اجتاحت أوروبا في القرن التاسع عشر أو قبل ذلك بقليل إلى تغييب الكنيسة كما كان يبدو للوهلة الأولى في منتصف القرن العشرين حتى إن مجلة عريقة ومهمة (نيوزويك) وضعت على غلافها سؤالا مثيرا استفزازيا " هل حقا مات الله؟"

فقد ظهرت الكنيسة بسرعة وبوضوح محركا للحركات السياسية في الحكم والمعارضة والإصلاح في بولندا ودول الاتحاد السوفياتي وفي أميركا اللاتينية وفي الولايات المتحدة أيضا.

وتلخص رواية شفرة دافنشي لمؤلفها دان براون -والتي بيع منها عشرات الملايين من النسخ ثم حولت إلى فيلم سينمائي لقي إقبالا كبيرا- قصة تفاعل الدين مع السياسة والفلسفة والثقافة والحياة العامة في الغرب وفي حياة الأوروبيين وشؤونهم على مدى ألفي سنة، فقد ظلت الكنيسة حاضرة في الصراع والتقدم والنضال والسلطة والحياة في صيغ متعددة ومعقدة.

المسيحية والسياسة والنضال
كان البابا السابق يوحنا بولص الثاني رمزا للحملة المناهضة للشيوعية في بلده بولندا ودول أوروبا الشرقية بعامة، ويشكل اليوم الحزب الديمقراطي المسيحي القوة السياسية الأولى في ألمانيا.

وكان كذلك لفترات طويلة في تاريخ ألمانيا الحديث، وفي البلقان كانت الكنيسة الكاثوليكية الصربية تقود الصراع والمجتمعات في الحرب الأهلية التي دارت بعد وفاة الرئيس اليوغسلافي السابق تيتو.

وفي جزيرة تيمور التي استقلت مؤخرا عن إندونيسيا وكانت قبل ضمها لإندونيسيا مستعمرة برتغالية لمئات السنين، واعتنق في أثناء ذلك أغلبية سكانها المسيحية يتسلم رجال الدين مهمات سياسية وقيادية.

حتى إنه يبدو أن الكنيسة هي الحزب السياسي الحاكم والأكثر أهمية وفاعلية، أو هي المرجعية العليا التي تتنافس الأحزاب السياسية على كسب تأييدها وثقتها.

فلم تكن المسيحية الكاثوليكية في تيمور دينا فقط، ولكنها محرك الصراع التيموري الإندونيسي، وكان الفاتيكان على الدوام رافضا للحكم الإندونيسي للجزيرة ويدعم استقلالها مخالفا العالم الغربي الذي ظل صامتا إزاء هذا الوضع أكثر من ربع قرن.

وفي الولايات المتحدة ركزت الحملة الانتخابية للجمهوريين بشكل واضح علي الدين، كما عبر الجمهوريون بصراحة عن معتقداتهم الدينية طارحين بذلك الديانة موضوعا في الحملة الانتخابية الرئاسية رغم أنهم يجازفون بذلك بفقدان تعاطف بعض الناخبين.

وعندما سئل بوش الابن الذي ينتمي إلى الكنيسة الأنغليكانية عن اسم الفيلسوف والمفكر الذي كان تأثيره عليه كبيرا، قال: إنه يسوع المسيح، وقال إنه بحث طوال حياته عن الخلاص، وأكد حرصه على "الاقتداء بيسوع" في حياته اليومية، وكانت الموضوعات الدينية والأخلاقية محورا للبرامج والحملات الانتخابية.

"
كان مجيء يوحنا بولص الثاني على رأس الفاتيكان عام 1980 تحولا كبيرا في سياسة الكنيسة وبرامجها وتوسعة مشاركتها السياسية والاجتماعية، وشملت جولاته البابوية الطويلة أكثر من 120 بلداً من بينها عدد من الدول العربية ليقتفي خطى القديس بولص  
"
وكان مجيء يوحنا بولص الثاني على رأس الفاتيكان عام 1980 تحولا كبيرا في سياسة الكنيسة وبرامجها وتوسعة مشاركتها السياسية والاجتماعية، وشملت جولاته البابوية الطويلة أكثر من 120 بلداً، وفي عام 2000 زار عددا من الدول العربية للاحتفال بالألفية الثانية وليقتفي خطى القديس بولص في فلسطين ومصر والأردن.

وفي اليونان تظاهر أكثر من مائة ألف من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية احتجاجا على قيام امرأة يونانية بإقامة مركز للديانة البوذية، وقد قضت محكمة سالونيك بسجنها لمدة شهرين.

ففي اليونان لا يوجد فصل بين الدولة والكنيسة الأرثوذكسية، ولذلك يشترط في اليونان الحصول على إذن مسبق من وزارة التربية والأديان قبل فتح أي مركز للعبادة، ولا يتم التصريح بذلك لغير الأرثوذكس إلا بعد استشارة الكنيسة الأرثوذكسية، التي لا توافق عادة على ذلك.

وفي مقدونيا التي يشكل المسلمون حوالي 40% من سكانها تنشط مبادرات ومشروعات لتأكيد وتنشيط الطابع المسيحي، وأقيم صليب عملاق يصل ارتفاعه إلى مائتي متر على قمة جبل فودنو، وأعيدت تسمية مستشفى مدينة أوهريد (ذات الأكثرية الإسلامية) باسم "القديس أرازمو"، وقدم إلى البرلمان مشروع قانون بإصدار عملة جديدة تحمل الصليب، وقدم مشروع قانون آخر يعطي الكنيسة الأرثوذكسية وصفًا مميزًا في الدولة.

وفي صربيا التي يشكل المسلمون 25% من سكانها تقود الكنيسة الأرثوذكسية تقريبا الحياة السياسية والعمليات العنصرية ضد المسلمين والكروات الكاثوليك.

وكان للكنسية أيضا دور حاسم في تنحية ميلوسوفيتش الرئيس الصربي السابق وانتخاب فويسلاف كوستونيتشا في عام 2000، وذلك بسبب الخلاف الذي أنهى التحالف الذي كان قائما بين ميلوسوفيتش والكنيسة.

ويحاول كوستونيتشا رد الجميل إلى الكنيسة بسبب تأييدها له في فرض سياسات وتشريعات قد تحول صربيا من دولة علمانية إلى أرثوذكسية تخضع لإرادة وسيطرة الكنيسة، فيحرص الرئيس الصربي على زيارة الكنائس والمشاركة في الاحتفالات الدينية وأن يشارك قادة الكنيسة إلى جانب الوزراء والمسؤولين في المهمات والاحتفالات الرسمية.

وأعيدت إلى الكنيسة الأملاك التي صودرت منها في العهد الشيوعي بقيادة تيتو، وأعيد التعليم الديني المسيحي إلى المدارس والجيش والسجون، وتساعد الحكومة في بناء ستمئة كنيسة ومبنى ديني في أنحاء البلاد، إلى درجة أثارت حفيظة المسلمين في صربيا وفي البوسنة والهرسك، بل وأدت إلى انتقادات صربية أيضا، مثل الفيلسوف الصربي نيناد جاكوفيتسش الذي قال إن صربيا تشهد قومية دينية غير ديمقراطية.

وفي أميركا اللاتينية تقوم الكنيسة بدور نضالي في مواجهة الاستبداد وسوء توزيع الموارد والفرص، فالساندينيون الماركسيون في نيكاراغوا على سبيل المثال يستلهمون تعاليم المسيحية ومبادئها في العدالة ومناصرة الفقراء والمستضعفين، ويعتبر القائد السانديني أورتيغا أن المسيح عليه السلام يمثل القائد الاجتماعي المتواضع والمنحاز للفقراء.

إن تجربة الكنيسة في كل من بولندا والبرازيل تعطي مؤشرات على إمكانيات وتحولات في دور الكنيسة توثق أهمية الدور التاريخي للكنيسة باعتبارها مؤسسة دولة لتصبح مؤسسة مجتمع.

وفي البرازيل تبنت الكنيسة هوية جديدة بوصفها "كنيسة الشعب"، وكان لذلك دور كبير في التحول الديمقراطي، ولكن هذه الهوية وجدت نفسها برأي خوسيه كازانوفا مؤلف كتاب الأديان العامة في العالم الحديث في صراع مع الواقع التعددي للمجتمع المدني البنيوي ومع واقع البنى المهنية النخبوية للمجتمع السياسي.

وقد بدأ الخلاف بين الدولة والكنيسة في البرازيل في القرن التاسع عشر بعدما كانت الكنيسة مؤسسة تابعة للدولة في البرازيل ومن قبل للتاج الإسباني، ولكن جرت تسوية هذه الخلافات وأعيدت الكنيسة إلى التضامن مع السلطة.

"
تعتبر الكنيسة في البرازيل صوت الطبقات الفقيرة الأساسي في مواجهة حالة لا يجدون فيها تمثيلا لآرائهم واهتماماتهم، فالكنيسة كما توصف هناك "صوت من لا صوت له"
"
ولكن الحركات الاجتماعية التي نشأت في البرازيل وبخاصة بعد سياسات إهمال الريف وتجاهل الفقراء شملت الكنيسة لتشارك في برامج الإصلاح الزراعي والانحياز لخيار الفقراء مما جعلها توصف بأنها "كنيسة الشعب" بل وتحول أساقفة الكنيسة إلى دعاة راديكاليين يهاجمون الأوضاع غير الإنسانية للفقراء والمزارعين، بل ويدعون علنا إلى الاشتراكية ومناهضة الرأسمالية.

وساهمت الكنيسة في تشكيل ونشأة الحركات النقابية الريفية، ومواجهة الحكم العسكري الذي جاء نيتجة انقلاب عام 1964 وبدأت مواجهة قوية بين الكنيسة والدولة موضوعها حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

وكان رد الكنيسة على سياسات الحكومة والاستثمارات الرأسمالية التي أدت إلى نشوء هجرة واسعة من الريف إلى المدن وقيام أحزمة البؤس حولها بمساعدة الهنود والريفيين على تنظيم أنفسهم، وتقديم الدعم والحماية لهم في مواجهة الإقطاعيين والسلطات المحلية والمركزية والشركات الاستثمارية.

وأنشئت أيضا مؤسسات كنسية من الأساقفة لهذه الأغراض، مثل اللجنة الرعوية لشؤون العمال والسكان الأصليين (الهنود) ولجنة العدل والسلام لتنسيق النشاطات الإنسانية والاجتماعية والنقابية، والعمل السياسي والإعلامي في مواجهة التعذيب والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان.

ومع بداية الثمانينات كان يعمل في البرازيل حوالي ثمانية آلاف جمعية كنسية كانت تعمل كتنظيمات شعبية بين الطبقات الفقيرة بين البرازيليين البالغ عددهم حوالي 150 مليونا يعاني نصفهم على الأقل من الفقر ويعيشون على الهامش، وتعتبر الكنيسة هناك صوتهم الأساسي في مواجهة حالة لا يجدون فيها تمثيلا لآرائهم واهتماماتهم، فالكنيسة كما توصف هناك "صوت من لا صوت له".
ـــــــــــــ
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة