كيف نواجه العدوان؟   
الاثنين 1432/1/8 هـ - الموافق 13/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:29 (مكة المكرمة)، 13:29 (غرينتش)
مؤمن بسيسو


ماذا ينتظر حماس؟
آليات مقترحة

لا يكاد يمر يوم إلا ويحمل تهديدا إسرائيليا جديدا لقطاع غزة وحركة حماس. ولا تنفك التصريحات الإسرائيلية النارية المتوعدة لحركة حماس بالويل والثبور وعظائم الأمور انطلاقا منذ انتهاء الحرب على غزة مطلع 2009، لكنها هذه المرة تأخذ أبعادا جديدة وتتحدث عن مواجهة حتمية مع حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ منتصف العام 2007، ولا تتوانى في الإفصاح عن خطط جاهزة وتحضيرات إسرائيلية عسكرية كبيرة تنتظر ساعة الصفر لإطلاق شرارتها.

لا تبدو مفاعيل التهديدات الإسرائيلية التي صدرت عن كل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية في الدولة العبرية هذه المرة ذات أهداف إعلامية ودعائية بحتة أو تدخل في إطار الحرب النفسية بقدر ما تحاول تهيئة المسرح الدولي لتقبل ضرب غزة كخطوة إسرائيلية حتمية اضطرارية لا مفر منها خلال المرحلة المقبلة.

عبر أسطر هذا المقال نحاول سبر أغوار التوقعات التي تنتظر حماس، ووضع مقترحات عملية وآليات واضحة بين يدي أصحاب القرار في غزة تبحث في كيفية مواجهة المخطط الإسرائيلي الذي يتربص بحماس وأهالي القطاع نذر الضرب والاستهداف.

ماذا ينتظر حماس؟
لا أحد يخاف على غزة أو ينتابه الشك في تجذّر صمودها في وجه التحديات التي تستهدف تطويعها وكسر إرادتها وإدخالها بيت الطاعة الأميركي والإسرائيلي المفضوح.

لكن الخوف على غزة شيء، والدفع باتجاه التعاطي مع التحديات التي تواجهها بهدف امتصاص حدتها أو التخفيف من حجم الخسائر الناجمة عنها شيء آخر تماما.

"
بات التوجه أكثر اقتناعا وإدراكا بأن العدّ التنازلي قد بدأ انتظارا لعدوان شرس ومؤلم وذي آليات جديدة يستهدف الحركة الإسلامية التي تسيطر على غزة، ويختلف عن أشكال العدوان التي سبقته
"
لا تبدو أحاديث الناس وأهل السياسة والعسكر والمراقبين حول اقتراب عدوان وشيك منعزلة عن سياق الواقع المعاش، إذ إن هناك اتجاها قويا، على المستوى الإسرائيلي والفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي، بات أكثر اقتناعا وإدراكا بأن العدّ التنازلي قد بدأ انتظارا لعدوان شرس ومؤلم وذي آليات جديدة يستهدف الحركة الإسلامية التي تسيطر على القطاع، ويختلف عن أشكال العدوان التي سبقته.

على أية حال، هناك مؤشرات بالغة الوضوح حول اقتراب العدوان أو الضربة الوشيكة التي يتوقع البعض وقوعها في الأسابيع القادمة، وهي عبارة عن ضربة مركزة أو حرب مصغرة محدودة تستهدف حركة حماس أساسا ولا ترقى إلى حجم وطبيعة الحرب الأخيرة بحال.

تملك إسرائيل في أدرج وزارة حربها خططا عسكرية جاهزة للتعامل مع الحالة القائمة في غزة، بدءا من الاحتلال والاجتياح الكامل وانتهاء بالاغتيالات الموضعية المركزة، ولا تجد حرجا في الإعلان عنها أو الإشارة الدائمة إلى مستوى استعداداتها العسكرية لمواجهة غزة وقوى المقاومة فيها.

ومع ذلك فإن جاهزية واندفاع المستوى العسكري لكل أشكال العدوان يصاحبها تأنّ واضح في اختيارات المستوى السياسي الذي يملك قرار الحرب والسلام، وتخضع قراراته الإستراتيجية لحسابات مختلفة لا تبدو واردة ضمن أجندة وحسابات المستوى العسكري.

تبعا لذلك، فإن المستوى السياسي الإسرائيلي يتعامل مع غزة وحماس التي تحكمها في ضوء مجموعة من الاعتبارات والمحددات، وعلى رأسها تطورات الوضع الميداني، وحجم ومستوى الخطورة والتهديد الإستراتيجي الذي تمثله تجاه الدولة العبرية.

منذ انتهاء الحرب على غزة نزعت حماس ذرائع الاحتلال ميدانيا بشكل جيد، لكن ذلك لم يكن كافيا لشراء صمت الاحتلال الذي رأى في تسلح قوى المقاومة عامة وحماس خاصة وإعادة بناء قدراتها العسكرية خطرا إستراتيجيا يهدد أمن دولة الكيان، وخصوصا في ظل تصريحات قادة الاحتلال والتقارير الاستخبارية الإسرائيلية التي تحدثت عن امتلاك حماس صواريخ قادرة على ضرب مدينة "تل أبيب"، وأخرى مضادة للطائرات والسفن، بما لا يمكن السكوت عليه إسرائيليا بأي حال.

في ثنايا الخطة العسكرية الإسرائيلية الجديدة لضرب حماس، التي كشفت عنها مصادر إسرائيلية عليمة، من المقرر أن يعتمد جيش الاحتلال فقط على سلاح الجو لتوجيه حرب مصغرة أو ضربات قوية ومركزة ضد قيادات سياسية وعسكرية في حماس، ومراكز عسكرية ومخازن لتخزين وتصنيع السلاح لأيام معدودات، بما يضعف الحركة بشكل كبير، ويقضي على جزء واسع من قدراتها العسكرية، ويثخن فيها الجراح، ويتركها تلعق جراحها فترة من الزمن.

تدرك حماس بطبيعة الحال حقيقة وأبعاد المخطط الإسرائيلي لاستهدافها، لكنها لا تملك هامشا عسكريا واسعا لمواجهته بالنظر إلى اعتماده على سلاح الجو في ظل بيئة ومساحة ساقطة جغرافيا، ما يجعل آليات المواجهة التي تملكها قاصرة على اللوذ بمجموعة من الاحتياطات والفعاليات المضادة في مرحلة ما قبل وقوع العدوان.

آليات مقترحة
إن كامل الجهد المبذول من جانب حماس في هذه المرحلة ينبغي أن يرتكز على توقع الأسوأ ويأخذ بكل الاحتمالات المتوقعة، وأن ينصبّ بالتالي على وضع خطة عمل شاملة لمواجهة مرحلة ما قبل وما بعد العدوان المتوقع، بحيث تشتمل على خطوات وإجراءات عاجلة تنتظم الوضع السياسي والإعلامي والجماهيري والميداني.

إرساء وتدشين خطة طوارئ عاجلة، حكومية وحركية، تبادر إليها حركة حماس الحاكمة لقطاع غزة ينبغي أن يشكل أولى الخطوات في سياق التعاطي مع التهديد الإسرائيلي المتوقع، بحيث تستجيب لكل الاحتياطات والمحاذير الأمنية من حيث حماية قادتها السياسيين والعسكريين ومراكزها العسكرية الحساسة، وتُبقي في الوقت نفسه حجم ومستوى الخدمات الحكومية التي تقدمها للجمهور الفلسطيني دون أي تغيير.

"
إرساء وتدشين خطة طوارئ عاجلة، حكومية وحركية، تبادر إليها حركة حماس الحاكمة لقطاع غزة ينبغي أن يشكل أولى الخطوات في سياق التعاطي مع التهديد الإسرائيلي المتوقع
"
من الحكمة أن نتعظ بدروس الماضي، وألا ندع العدو يباغتنا على حين غرّة، فالعمل بنظام الطوارئ يجب أن يغطي مساحات واسعة من العمل الحركي والرسمي لحماس وحكومتها، وخصوصا في ظل المعطيات التي تتحدث عن إمكانية استهداف قيادات سياسية ودعوية ذات مستويات رفيعة دون تردد، وأن يبلغ درجته القصوى على إيقاع المؤشرات الواردة وتقديرات الموقف ومعطيات الميدان.

الخطوة الثانية التي يفترض إنجازها تتعلق بضرورة تشكيل غرفة عمليات مشتركة لقوى وفصائل المقاومة الفلسطينية بهدف التنسيق اللحظي المباشر والتنظيم التام لكل فعاليات التصدي للعدوان الإسرائيلي -حال تم- طيلة وقت ومراحل وقوعه، وضمان مشاركة كافة التشكيلات العسكرية المقاومة في مضمار المواجهة، والاطلاع على آخر المعطيات والتطورات أولا بأول.

ولا شك أن هذه الخطوة حال إنجازها تعبّر عن عمل نوعي وأداء متقدم يكفل توظيف الجهد الفلسطيني العسكري المقاوم في مساراته السليمة، ويحول دون بعثرة الجهود وتشتيت الطاقات الميدانية في وقت تحتاج فيه المقاومة بشكل بالغ الإلحاح إلى كل جهد أو طاقة مهما كان صغيرا في مواجهة إجرام ومخططات الاحتلال.

الخطوة الثالثة التي ينبغي القيام بها تكمن في تهيئة الناس نفسيا لاستيعاب حجم ومستوى أي عدوان قادم، ووضعهم في أجواء وطنية ودينية تكرس فيهم قيم الصبر والثبات والصمود واحتمال المكاره ونوائب الأيام.

فليس من الحكمة في شيء العمل على بث جرعات قوية من الطمأنينة الزائفة في نفوس الناس بدعوى أن تهديدات الاحتلال تدور فقط في إطار الحرب النفسية، فيما تجري ماكينة التحضيرات الإسرائيلية للعدوان على قدم وساق.

في القول بضرورة عدم إخافة الناس من أمر لا زال طيّ الغيب، وخصوصا في ظل المردودات النفسية الخطيرة التي خلفتها الحرب الأخيرة، وجاهة، لكن تعقيدات الأوضاع والرغبة في إبعاد الناس عن دائرة الصدمة مجددا تحتم صوغ مقاربة تعبوية متوازنة تركز على تهيئة أفئدة الناس عبر تغذيتهم بمعاني وقيم الصبر والصمود بعيدا عن التضخيم والتهويل.

فوق ذلك، فإن استثمار البعد الجماهيري في التصدي لمخططات العدوان الاحتلالية يجب أن يحتل أولوية رئيسية ضمن أجندة العمل الراهنة في قطاع غزة لمواجهة أي عدوان إسرائيلي متوقع.

لعل من الأهمية بمكان البدء في وضع جدول منظم لتسيير التظاهرات الشعبية، وخاصة في قطاع غزة ورسم تصور متكامل لفعاليات مجتمعية ومؤسساتية تستند إلى العمق الجماهيري، ما قد يسهم في إحداث حراك جدي باتجاه فضخ النوايا والمخططات الإسرائيلية التي تتربص بغزة وأهلها الصامدين.

الخطوة الخامسة تحتم المبادرة فورا ودون أي تأخير في وضع خطة للتحرك إقليميا ودوليا بهدف فضح أبعاد المخطط الإسرائيلي تجاه غزة، ومحاولة كبح وفرملة مفاعيل التحضير الإسرائيلي للضربة التي يُعوّل عليها قادة الصهاينة الكثير.

يخطئ من يعتقد أن مساحات الحركة والانطلاق على المستوى الدولي قد أغلقت تماما، وأن العمل في اتجاه المجتمع الدولي يشكل نوعا من العبث أو تضييع الوقت كما يقولون!

إحدى أهم المشاكل التي تواجهنا أننا لا نُحسن كفلسطينيين انتقاء الأسلوب الأصح لمخاطبة المجتمع الدولي، ولا نُتقن فن التعاطي السياسي والإعلامي مع الرأي العام الدولي، دون أن يلغي ذلك وجود محددات وكوابح سياسية تملي على كثير من الدول الغربية مسارات عملها واتجاهات سياساتها تجاه القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

ما الذي يعيقنا عن تنظيم حملة سياسية وإعلامية عاجلة تركن إلى أساس معلوماتي سليم، وتضع في عين المجتمع العربي والدولي، دولا وشعوبا، حقائق النزعة الصهيونية العنصرية العدوانية التي تخطط لتحويل غزة إلى حمامات من الدم كما يتبجح بذلك قادة الاحتلال؟!

لا يملك أحد ما نملكه كفلسطينيين من معطيات وأدلة وحقائق كفيلة بفضح سادية وعدوانية الاحتلال، وهي حقائق دامغة قادرة على التأثير على المجتمع الغربي وإحراج دوله وحكوماته، وستكون أكثر تأثيرا بموازاة خطوات وإجراءات يتم بلورتها وإنتاجها عربيا وإسلاميا.

"
لا بد من تهدئة الجبهة الميدانية في قطاع غزة بشكل تام، وعدم إعطاء إسرائيل أي ذريعة، مهما كانت، لجر غزة إلى ساحة المواجهة, رغم أن إسرائيل لن تعدم تخليق الذرائع والأزمات حال قررت شن العدوان
"
تاليا لتلك الخطوة ينبغي العمل على تذليل كل العقبات التي تحول دون إنجاز ملف المصالحة الفلسطينية الداخلية، فمما لا شك فيه أن استعادة التوافق الوطني من شأنه أن يوفر أرضية خصبة باتجاه محاولة إفشال المخطط الإسرائيلي، ويمنح الفلسطينيين قوة مضافة في مواجهة الدعاية الصهيونية التي تصوّر غزة على أنها واحة للإرهاب، وأنها تملك قدرات قتالية خارقة كما يزعمون.

ما تواجهه المصالحة حاليا من عثرات ينبغي الالتفاف عليه قدر الإمكان، فلا ريب أن إعمال فقه الموازنات، ودراسة تفاصيل الموقف الراهن وأبعاد المخطط الذي ينتظر غزة، تحتم القفز عن إشكالية بعض الصياغات اللفظية الواردة في الورقة المصرية، أو الدفع باتجاه تأجيل البحث عن مخارج عملية لبعض تفاصيل الملف الأمني العالقة إلى مرحلة ما بعد التوقيع على ورقة المصالحة التي يدرك الجميع أنها تأخذ طابعا بروتوكوليا، وأنها تحتاج إلى حوارات جديدة لشرح مضامينها وتجلية العموميات والإشكاليات الواردة ضمن الكثير من بنودها.

الخطوة الأخيرة، وهي لا تقل أهمية عن سابقاتها، تعنى بضرورة تهدئة الجبهة الميدانية في قطاع غزة بشكل تام، وعدم إعطاء إسرائيل أي ذريعة، مهما كانت، لجرّ غزة إلى ساحة المواجهة رغم يقيننا الكامل بأن إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع، وأنها لن تعدم تخليق الذرائع والأزمات حال قررت شن العدوان.

لكن ضبط الحالة الميدانية، بموازاة إنفاذ الآليات السابقة، من شأنه أن يردم أي ثغرة محتملة قد تكون عرضة للالتقاط والتوظيف الإسرائيلي.

وأخيرا.. فإن ما سبق يقدم رؤية متواضعة لمعالجة مخاطر المرحلة المقبلة التي نسأل الله أن يقينا شرورها ومفاجآتها، وأن يحفظ الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة من كل دوائر المكر والاستهداف داخليا وخارجيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة