حرب لبنان والمشهد السوري   
الاثنين 1427/8/11 هـ - الموافق 4/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 2:41 (مكة المكرمة)، 23:41 (غرينتش)


أكرم البني

ليس من قبيل المبالغة القول إن الحرب على لبنان وما أسفرت عنه من نتائج، تعتبر من أهم الأحداث المؤثرة راهنا في المجتمع السوري، وأنها أطلقت حزمة من التداعيات والتفاعلات في وعي وطرائق تفكير النخب السياسية والثقافية وتركت بصمات وعلامات هامة في وجدان الناس، بعضها كان واضحا وجليا وبعضها الآخر لا يزال موضع تشوش وغموض.

لقد بدا لافتا منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب التعاطف الكبير الذي أبداه الشعب السوري بمختلف قطاعاته مع لبنان، خاصة مع تواتر الصور المأساوية التي تبثها مختلف الفضائيات عما تخلفه آلة الحرب الإسرائيلية من مجازر مروعة.

ويصعب في ضوء الشروخ والتصدعات المعروفة التي شابت العلاقات بين البلدين والشعبين، تحديد السبب الرئيسي الذي ولد حقلا سريعا وواسعا من التضامن الإنساني مع المصاب اللبناني.

أهو نابع من سرعة اتحاد هموم البشر وذودهم المشترك عن حياتهم، أم لأن الجغرافيا والتاريخ قالا كلمتهما وانتصرا على السياسة، أم بسبب تميز الشارع السوري بحساسية خاصة تجاه القضايا الوطنية وتحديدا موقفه العدائي الأصيل من الكيان الصهيوني وتحفز روحه للثأر من ممارسات إسرائيل البربرية ضد الفلسطينيين؟

ورغم سعي المؤسسات الرسمية لاحتكار هذا الفعل التضامني لوحظ انفلات عدد من النشاطات الأهلية المستقلة لتأمين الآلاف من المهجرين، ففي دمشق ومدن سورية أخرى فتحت البيوت لاستقبال الأسر اللبنانية وأرسل شبان متطوعون من أحياء مختلفة إلى نقاط الحدود لتلقف النازحين.

"
تطلع الكثيرون إلى أن تشكل حرب لبنان نقلة أو منعطفا كي تتجاوز سوريا حالة الحصار المفروضة عليها، أو تكون حافزا لمراجعة أسس العلاقة مع لبنان والتأسيس لرؤية جديدة تجمع ما تم تفريقه
"
كما وضعت في المساجد والكنائس صناديق لجمع التبرعات أثارت غلتها المفاجآت أحيانا، وبدا المشهد كأنك أمام ورشة عمل غايتها احتضان هؤلاء الإخوة وتأمين ما يلزمهم من حاجات وشروط حياة، دون منة أو تذمر!

وبلا شك يخطئ من يعتقد بأن الخلفية المذهبية لحزب الله قد تركت تأثيرا سلبيا في تعاطف بعض الأوساط الشعبية، لأن الشارع السوري عموما لم ينشغل بهذه الحسابات، وحاول أن يقدم ما يستطيع دون النظر إلى أي اعتبار.

صحيح أن ما يجري في العراق قد أجج ولا يزال يؤجج الحساسيات المذهبية، لكن الصحيح أيضا والأهم أن المسألة الوطنية لا تزال تحظى بموقع الصدارة في اختيارات السوريين واختبار مواقفهم، بدليل شيوع روح عامة من التأييد للمقاومة والتهليل لصمودها على قاعدة اتساع رقعة التحسب والتخوف الشعبي من تكرار المثال العراقي وحالة الإنهاك والتردي التي خلفتها دعايات التفرقة الطائفية والمذهبية!

وهنا يفترض أن لا ننسى أن موقف السلطة من حدث معين يلعب دورا مهما في تحديد رقعة التعاطف ودرجة انكشافه ومدى صدقيته، فقد جرت العادة في ظل تاريخ طويل من القمع ورفض الرأي الآخر أن لا يغامر الشارع السوري بإظهار مشاعره وأحاسيسه أو التعبير الصريح عن مواقفه الوطنية المستقلة إلا إذا كان مطمئنا بأن ليس ثمة رد فعل قمعي.

وهذا يعني أن صورة المزاج الشعبي الداعم للبنان ومقاومته بدت أكثر وضوحا واتساعا بالتناغم مع الموقف الرسمي المؤيد والداعم، ولا شك أن هذه الصورة كانت ستظهر مختلفة لو كان موقف السلطة خلاف ذلك.

من جهة ثانية أخضعت أسابيع الحرب الدامية القوى والفعاليات الوطنية المعارضة للامتحان، مختبرة مدى وضوح خيارها الديمقراطي وعمق التزامها به، وأعادت إلى دائرة الجدل الساخن حقيقة العلاقة بين المهام الوطنية والمهام الديمقراطية لتعيد فرز المواقف بطريقة أكثر وضوحا، بين من يدعو لصب كل الجهود من أجل تحرير ما تبقى من أرض محتلة وبين الراغب في التنمية الديمقراطية كأولوية لمواجهة التحديات الخارجية وتحصيل الاستقلال التام.. بين الذي يتوسل السلاح وتفتنه لغة القوة والعنف لتحقيق أهدافه وبين من يؤثر أساسا الوسائل السياسية والمدنية السلمية.. بين الساخر من دور الشرعية الدولية والرافض لدورها وبين الحريص على التواؤم معها واعتبارها المظلة الأقل سوءا لإنصافه ونيل حقوقه!

تجلى الأمر في خصوصية الحرب اللبنانية باقتراب رؤى بعض القوى المعارضة من رؤية السلطة السورية وموقفها من الحرب، وبارتفاع أصوات تؤيد دون تحفظ أي رصاص يلعلع ضد العدو الصهيوني.

وأحيانا ذهب هذا الموقف بعيدا ليطالب بفتح جبهة الجولان وإعلان الحرب، إما بدافع القناعة واعتبار ما يجري فرصة ثمينة قد لا تتكرر لإلحاق هزيمة بالعدو التاريخي وإكراهه على إعادة الأرض المحتلة، وإما كشكل من أشكال إحراج النظام ووضع شعاراته الوطنية على المحك.

عيانيا جاء موقف المعارضة وخاصة القوى المنضوية في "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" متأخرا بعض الشيء، فبيانها الأول صدر بعد أكثر من أسبوع على اندلاع الحرب دون تفسير أو تبرير لهذا التأخر.

وتميز عن الخطاب الرسمي بالجمع بين إدانة العدوان الإسرائيلي ومناهضته وبين التأكيد على مرجعية الدولة اللبنانية وضرورة تعزيز دورها، خاصة لجهة اتخاذ قرار الحرب والسلم.

وكان اللافت أن ليس ثمة نشاط أبعد من تكرار إصدار البيانات التي تدور في الفلك نفسه، فلم يحصل مثلا أي تحرك ميداني لدعم الشعب اللبناني، ولم تشهد دمشق أي اعتصام أو تظاهرة تعبر فيها الفعاليات الديمقراطية عن موقفها الخاص، وذلك على النقيض من دورها في المحنتين الفلسطينية والعراقية.

وطبعا لا يخفى على أحد السبب الرئيسي وراء انكماش الدور المعارض وهو المناخ الأمني الضاغط وإصرار النظام على احتكار الشأن العام وانكفائه عن الإصلاح، وأخيرا تحذيراته المتكررة من أي مبادرة أو نشاط تقوم به الفعاليات الديمقراطية تحت طائلة الحساب والعقاب الشديد.

من جهة ثالثة وفي قراءة لموقع النظام السوري في هذه الحرب، نقف أمام مفارقة كبيرة وربما نوعية عند مقارنة دوره بين ما سمي حرب عناقيد الغضب عام 1996 وبين الحرب الإسرائيلية ضد لبنان.

وقتئذ كانت دمشق أشبه بقبلة لوزراء خارجية الدول صاحبة القرار العالمي والإقليمي، كان عندها الحل والربط، وعلى يدها تقررت النتائج السياسية وشروط وقف إطلاق النار الذي عرف "بتفاهم نيسان"، مانحا حزب الله مشروعيته كمقاوم لتحرير الشريط الحدودي المحتل وحق الرد على المستوطنات إن بادرت إسرائيل وقصفت مدنيين لبنانيين.

اليوم، يبدو أن الاصطفاف والمواقف قد تغيرت بصورة تثير الدهشة، ليغيب الدور السوري أو يغيب ويهمل، أو لنقل لا نلمس أي جدية في التعاطي معه خلال مسارات الحرب والتطورات السياسية المرافقة، وكأن ثمة من يقصد أن لا يمنح النظام السوري فرصة المشاركة في ترتيبات وقف إطلاق النار وما يليها، أو إعادة الاعتبار نسبيا لدوره كعامل فاعل في المعادلة اللبنانية ويساعد على استقرار المنطقة، أو كأن ما أثير عن توجه أميركي وأوروبي لشطب الدور الإقليمي السوري وتخليص النظام مما جاهد لبنائه طيلة عقود صار بحكم الأمر الواقع.

"
السياسة السورية تحاول الاتكاء على ما حصل أثناء الحرب، ربما بأمل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه أو بعثها بصور وأشكال مختلفة
"
يعزو البعض السبب لانعدام الثقة بالنظام السوري نتيجة تجربة طويلة من التعاطي المرن معه وانقلابه على غير فرصة أعطيت له، ويعزوه آخرون إلى العجز عن التكيف مع ما حصل من مستجدات إقليمية وعالمية، والإصرار على الطرائق القديمة ذاتها في فرض هيمنته وتأكيد دوره، ما أدى إلى إضعاف الخيار العربي وإهمال خيار الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وأيضا ضياع السند اللبناني والتلكؤ في بناء صلات مميزة وندية مع هذا البلد قابلة للحياة والاستمرار.

والأهم هو الاستهتار بالوضع الداخلي والعودة إلى الأساليب الأمنية لضمان السيطرة، وإشاحة النظر عن مهمة بناء مجتمع حر معافى، دونه لا يمكن مواجهة التحديات أيا ما تكون!

بينما يرجع البعض الثالث السبب إلى انحسار مقدرة النظام السوري على التأثير في العناصر الفاعلة في المنطقة، بما في ذلك حزب الله وبدرجة ثانية حركة حماس، حيث تبدو إيران هي الطرف الأقوى والأقدر على إدارة هذه العملية وضبط هذه القوى عند اللزوم، في ضوء حالة من انعدام التكافؤ في العلاقة بين إيران وسوريا وتباين حاجة الطرفين وغرضيهما منها.

فإيران في موقع الهجوم وهي تستثمر علاقاتها على أفضل وجه لإدارة سياسة طامحة ونشطة عالميا وإقليميا، بينما يضطر النظام السوري وهو في موقع الدفاع إلى توظيف تحالفاته من أجل تخفيف شدة الحصار والبحث عن مخارج لأزمته.

لقد تطلع الكثيرون إلى أن تشكل حرب لبنان نقلة أو منعطفا كي تتجاوز سوريا حالة الحصار المفروضة عليها، أو تكون حافزا لمراجعة أسس العلاقة مع لبنان والتأسيس لرؤية جديدة تجمع ما تم تفريقه.

لكن يبدو أن الخطى تسير -حتى الآن- في خط مختلف، وبدلا من استثمار المناخ الإيجابي الذي وفرته الحرب لفتح صفحة جديدة، بدا أن السياسة السورية تحاول الاتكاء على ما حصل، ربما بأمل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه أو بعثها بصور وأشكال مختلفة.

ربما لم تنته الحرب فهناك تداعيات واحتمالات، أكثرها رجحانا أن تتفجر من جديد وأن تطال في جولة قادمة الوضع السوري.

ولا تغير من قوة هذا الاحتمال الإشارات المتنوعة عن رغبة بعض الأطراف الإسرائيلية في التفاوض مع سوريا وتشكيل لجنة لدراسة هذا الخيار، فثمة تهديدات تاريخية لا تزال تشغل بال السوريين، ومعها تكثر تساؤلاتهم عن أساس هذه الرغبة ومدى جديتها، وهل تختار إسرائيل فعلا مفاوضات السلام أم تضمر حربا؟

والحقيقة ورغم الحال التي وصل إليها الدور السوري في هذه المرحلة ومحاولة استبعاده تماما مما يسمى حلا نهائيا بين لبنان وإسرائيل، فإن مثل هذا الحل يبقى جزئيا وناقصا ولا يكتمل إلا بالسعي لنزع فتيل الصراع العربي الإسرائيلي، أو قولا واحداً حل المعضلة الفلسطينية وإعادة الأراضي المحتلة في حرب عام 1967.

"
بناء الدولة الديمقراطية وتحرير إرادة الإنسان واحترام حقوقه هي الأساس الحيوي لمواجهة آثار الهزيمة والتصدي للتحديات والأخطار المحدقة ولانتزاع حقوقنا
"
وبغير ذلك ثمة ارتياب قائم على طول الخط في أن تمرر هذه الحلول مرحلة انتقالية هي أشبه بهدنة أو فرصة ينتهزها كل طرف لتحسين وزنه وقواه ومواقعه والتهديد بتفجير الأوضاع من جديد، وتاليا الدوران في حلقة مفرغة من المعاناة والآلام.

ولنعترف أن ما كابدته المنطقة طيلة تاريخ طويل من الصراع المفتوح يشجع اليوم أكثر من أي وقت مضى على خوض غمار اتفاق سلام شامل، دونه يصعب بناء الثقة ومعالجة المخاوف والخروج من الأزمات المتراكبة وأساسا من دوامة العنف المتصاعد الذي يستنزف كل شيء.

إن هضم الحقوق العربية وبخاصة الفلسطينية وانحياز غالبية أعضاء مجلس الأمن السافر لصالح إسرائيل، وكذلك عنجهية العدوانية الصهيونية ووحشيتها، كل ذلك يلعب دورا مهما في الترويج لمنطق القوة والمكاسرة في خوض الصراع، وأن المعادلة المجدية لنيل الحقوق هي العنف وإلحاق المزيد من القتل والتدمير بصفوف العدو لكسر إرادته.

وما يزيد الأمر تعقيدا دون أن نبخس الفعل المقاوم حقه والصمود البطولي دوره، اعتبار ما حصل في لبنان -وفي ضوء الخسائر الباهظة والقتل والتدمير والمجازر- على أنه "انتصار نوعي" ومحاولة تكريس مزاج شعبي يحاول بناء الثقة بجدوى هذه الطريق، وأنها تستحق التكرار.

والمهم فقط هو مزيد من التعبئة الأيديولوجية والحماسة، وما هي إلا نفخة واحدة حتى تنهار أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، وربما تغدو إسرائيل ذاتها في خبر كان!

إذا كانت الذاكرة والدروس المستخلصة من التجارب المريرة هي أهم الحوافز والدوافع أمام الشعوب لتجنب تكرار الخطأ نفسه واختيار المسار الصحيح نحو التقدم وتحقيق أهدافها، فإن ما يميز مجتمعاتنا للأسف هو قدرتها الكبيرة على النسيان والهروب من محن الماضي وعبره.

منذ عقود وبعد هزيمة عام 1967 أجمع المثقفون العرب على أن السبب الرئيسي لانتصار من كنا نريد رميهم في البحر هو هشاشة البيت الداخلي الذي نخره الفساد والقمع والأحادية، وخلصوا إلى أن بناء الدولة الديمقراطية وتحرير إرادة الإنسان واحترام حقوقه هي الأساس الحيوي لمواجهة آثار الهزيمة والتصدي للتحديات والأخطار المحدقة وانتزاع حقوقنا.

ثم جاءت حرب 1982 والحرب على العراق واحتلال أرضه والانكسارات المتواترة للحالة الفلسطينية لتعزز هذه الحقيقة.

وها هي نتائج الحرب على لبنان، ورغم أهازيج النصر تؤكد الدرس ذاته، لكن يبدو أن ثمة من لا يريد أن يعتبر من هذه التجارب المريرة أو يتمثل دروسها، ويصر على منح المزيد من الفرص للوسائل المجربة نفسها، وتشغيل الأسطوانة الدعائية ذاتها التي لابد أن تقود مجتمعاتنا رويدا رويدا إلى ما يشبه الخروج من التاريخ!
____________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة