الموقف الأوروبي من ضرب العراق   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: عبدالنور بن عنتر*

-الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي
-
محددات الموقف الأوروبي
-أوروبا وأميركا ومسألة العراق: تصوران للعالم

يعد العراق من الملفات الثقيلة التي تعكر الأجواء بين ضفتي الأطلسي. وجاء الإفصاح عن خطة أميركية لضربه ليعمق الخلافات حول التعاطي مع هذا البلد. فما الموقف الأوروبي من ذلك وما محدداته وتجلياته؟.

الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي


الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي يقول بضرورة تنفيذ العراق قرارات مجلس الأمن وعودة المفتشين للتأكد من عدم حيازته أو سعيه لصناعة أسلحة الدمار الشامل. وإن كان الاتحاد يعارض مبدئيا اللجوء للقوة، فهو يشترط أن تتم أي عملية عسكرية بتفويض من مجلس الأمن
الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي يقول بضرورة تنفيذ العراق قرارات مجلس الأمن وعودة المفتشين للتأكد من عدم حيازته أو سعيه لصناعة أسلحة الدمار الشامل. وإن كان الاتحاد يعارض مبدئيا اللجوء للقوة، فهو يشترط أن تتم أي عملية عسكرية بتفويض من مجلس الأمن.

ويرى البرلمان الأوروبي أن أي عمل يجب أن يتم في إطار قرارات مجلس الأمن، ويطالب الكثير من نوابه بضرورة رفع العقوبات عن العراق ودمقرطته. لكن المواقف الأوروبية يكتنفها بعض اللبس، عندما يصر الأوروبيون على قرارات مجلس الأمن كقاعدة أساسية للتعامل مع العراق وفي الوقت نفسه يتحدثون عن تغيير النظام ولو بمفردات دبلوماسية (بعيدا عن الترسانة المفهومية الحربية الأميركية) فهم يقعون في تناقض، لأن تلك القرارات لا تنص على تغيير النظام العراقي.

الاستثناء البريطاني
رغم أن أوروبا السياسية لازالت وهما بسبب اختلاف السلوك السياسي خارجيا لدول الاتحاد والاستثناء البريطاني (التبني الكامل للرؤى الأميركية)، يمكن القول إن هناك نوعا من الإجماع على معارضة العملية العسكرية المتوقعة ضد العراق.

فرنسا هي أبرز الدول الأوروبية معارضة للسياسة الأميركية حيال العراق، فهي لا تشارك في مراقبة منطقتي الحظر الجوي التي أقامتها أميركا وبريطانيا شمال وجنوب العراق من دون قرار من مجلس الأمن، وتتفادى التعامل مع المعارضة العراقية في الغرب على عكس الدعم والتمويل الأميركيين لها. وتصر على تنفيذ العراق لقرارات مجلس الأمن من دون شروط مسبقة على أن تعطى له إشارات تسمح له برؤية "مخرج النفق" أي الطريق نحو رفع العقوبات.

ويؤكد الموقف الرسمي الفرنسي حاليا على أهمية مواصلة الضغط على العراق لتطبيق القرارات الأممية واستقبال لجنة التفتيش، وعلى دعم باريس كل المبادرات لا سيما جهود كوفي أنان. وترى أنه على يونموفيك أن تتفادى أخطاء يونسكوم. وعليه تعارض فرنسا العمل العسكري المتوقع ضد العراق لما قد ينجم عنه من تداعيات مجهولة. كما ترى فرنسا أن مجلس الأمن يجب أن يستشار قبل أية عملية جديدة.


فرنسا هي أبرز الدول الأوروبية معارضة للسياسة الأميركية حيال العراق. فهي لا تشارك في مراقبة منطقتي الحظر الجوي شمال وجنوب العراق كما تتفادى التعامل مع المعارضة العراقية في الغرب وتصر على تنفيذ العراق قرارات مجلس الأمن من دون شروط مسبقة على أن تعطى له إشارات تسمح له برؤية "مخرج النفق"

شروط فرنسية
وقال وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان (في حوار لجريدة لومند، 30/7/2002) إن فرنسا متمسكة بثلاثة مستلزمات:

  • أولها: المستلزم الإنساني حيال الشعب العراقي.
  • ثانيها: أمن المنطقة الذي يستدعي عودة المفتشين.
  • وثالثها: الاستقرار ووحدة العراق التي هي عنصر أساسي للوضع في الشرق الأوسط عموما.

ومؤخرا صرح أن لفرنسا وأميركا نفس الأهداف، أي ضمان عدم تشكيل العراق تهديدا للاستقرار في المنطقة وعودة المفتشين.

الخلاف الفرنسي الأميركي
لكن تصريحات وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان تظهر أن باريس تختلف مع واشنطن حول ثلاث نقاط أساسية:

  • أولها أن باريس تفضل التحرك الدبلوماسي في إطار الأمم المتحدة على استخدام القوة.
  • وثانيها أنها متمسكة بوحدة العراق الترابية.
  • وثالثها أنها أكثر اهتماما بمعاناة الشعب العراقي.

أما في ما يخص تغيير نظام بغداد، ففرنسا لها تقريبا نفس النظرة الأميركية للنظام الحالي في بغداد لكنها ترى أن الشعب العراقي هو الذي يقرر مستقبله، وإن كانت فرنسا تتمنى الديمقراطية في هذا البلد كما في مناطق أخرى من العالم.

وفاء للتقاليد الديغولية الاستقلالية وغير المنحازة لأميركا، يبقى الدعم الفرنسي لأميركا نسبيا مشروطا. فمنطقها هو "نعم ولكن". وعليه أصبحت فرنسا ذلك الحليف المتردد كما كان الشأن عام 1991، وفي بداية الحملة على أفغانستان لما ربطت مشاركتها بطبيعة الأهداف، بمعنى أنها تعارض توسيع الحرب لغير أفغانستان.


غيرهارد شرودر

لم تعد ألمانيا بلدا يحل فيه الشيك محل السياسة.. وتقسيم العمل الذي يفرض على الألمان دفع فاتورة ولو كانوا غير جاهزين قد انتهى، (في حرب الخليج دفعت ألمانيا ثمانية مليارات يورو للائتلاف الدولي)
المواقف الفرنسية تتطابق ومواقف شريكتها ألمانيا في ما يتعلق برفض ضرب العراق، حيث أعلن شيراك وشرودر خلال قمتهما بداية هذا الشهر أن على العراق تنفيذ قرارات مجلس الأمن والسماح بعودة المفتشين، وأكدا أن أي عمل ضده يجب أن يكون بتفويض من مجلس الأمن كما حذرا من عواقب عملية كهذه، وكانت هذه القمة مناسبة لتأكيد محور باريس-برلين مقابل محور واشنطن-لندن إزاء المسألة العراقية.

وفي وقت سابق أعلن شرودر أن ألمانيا تعارض التدخل العسكري ضد العراق، محذرا من عواقبه ومطالبا بنظرة شاملة لكل الشرق الأوسط وبتسوية سلمية للأزمة الفلسطينية-الإسرائيلية. أما وزير خارجيته يوشكا فيشر فتساءل "أين هو هذا التهديد الذي يحدثوننا عنه؟". كما انتقد قلب الأولويات، معتبرا أن تسوية أزمة الشرق الأوسط أولى.

وقد أقحمت المسألة العراقية نفسها في الحملة الانتخابية حيث سارع إدموند شتويبر زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي ومنافس شرودر في انتخابات سبتمبر/ أيلول المقبل إلى طمأنة بوش بمشاركة ألمانيا (إن انتخب) في العملية المتوقعة ضد العراق تحت غطاء الأمم المتحدة. فكان أن رد شرودر يوم 5 أغسطس/ آب 2002 قائلا إن ألمانيا "لن تسهم في هذه العملية ولو ماليا"، مضيفا أنها "لم تعد بلدا يحل فيه الشيك محل السياسة". وأعلن أن تقسيم العمل الذي يفرض على الألمان دفع فاتورة ولو كانوا غير جاهزين قد انتهى (في حرب الخليج دفعت ألمانيا ثمانية مليارات يورو للائتلاف الدولي).

أما إيطاليا فأعلنت على لسان وزير دفاعها أنها لن تشارك في عملية عسكرية ضد العراق إلا إذا ثبت لها أنه يصنع أسلحة نووية. لكن حتى وإن لم تقدم لها أدلة على ذلك فإنها ستسمح للطائرات الحربية الأميركية باستخدام مجالها الجوي أثناء مهماتها في العراق. والأمور تسير نحو السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها في إيطاليا.

وهنا نلاحظ أن التحالف الإستراتيجي بين الدول الأوروبية وأميركا يبقي على حد أدنى من التوافق الإستراتيجي بينهما، وللتذكير فإن إيطاليا من بين بلدان الاتحاد الأوروبي الأكثر أطلسية، بمعنى أنها تدافع بقوة عن العلاقة العابرة للأطلسي.


وضع أوروبا اليوم في علاقتها مع واشنطن يشبه إلى حد ما وضع بلدان مجلس التعاون الخليجي، فأوروبا مثلها مثل هذه الأخيرة تابعة لأميركا أمنيا، وبالتالي فإن سقف معارضتها لإرادة واشنطن يبقى محدودا، كما أن سقف تحملها لهيمنتها يبقى نسبيا محدودا أيضا لأن العوامل الداخلية والإقليمية لا تسمح دائماً بالسير في الاتجاه المحدد أميركيا
أما بريطانيا فكان انسياقها التقليدي وراء السياسة الأميركية من دون تحفظ في الموعد، حيث تبنى توني بلير كل مواقف بوش، وستشارك بريطانيا في ضرب العراق، هذا الانسياق البريطاني لا يثير انتقادات العواصم الأوروبية فقط بل البريطانيين أنفسهم لا سيما من حزب بلير نفسه، إذ يطالب نواب من حزب العمال بمناقشة برلمانية للتصويت على إمكانية مشاركة بلادهم في عملية عسكرية ضد العراق ويعتبرون أن سياسة بلير تجهض جهود تحقيق سياسة أوروبية مشتركة.. أما الرأي العام البريطاني فرغم دعمه الإطاحة بالنظام العراقي فإنه يعارض إرسال قوات بريطانية هناك.

الحقيقة أن وضع أوروبا اليوم في علاقتها مع واشنطن يشبه إلى حد ما وضع بلدان مجلس التعاون الخليجي. فأوروبا مثلها مثل هذه الأخيرة تابعة لأميركا أمنيا، أمنها تضمنه المظلة العسكرية الأميركية. وبالتالي فإن سقف معارضتها لإرادة واشنطن يبقى في نهاية الأمر محدودا، كما أن سقف تحملها لهيمنتها يبقى نسبيا محدودا أيضا لأن العوامل الداخلية والإقليمية لا تسمح دائما بالسير في الاتجاه المحدد أميركيا، وهذا ما يفسر رفض دول الاتحاد الأوربي ودول مجلس التعاون ضرب العراق.. طبعا لكل طرف دوافعه الخاصة، لكن يوجد تقاطع بين مصالح الطرفين.

محددات الموقف الأوروبي

الاعتبارات المحلية:

رغم التضامن الأوروبي الرسمي والشعبي مع أميركا إلا أن الشعور المناهض لها أو بالأحرى لهيمنتها لم يضعف، فالرأي العام الأوروبي ينتقد أميركا بسبب خلافات معها حول القضايا الاقتصادية، الأطعمة المحولة وراثيا، والعولمة، والمعايير الاجتماعية والبيئة، ويعتبر أن على أوروبا أن تقاوم هيمنتها، في ما يخص المسألة العراقية بالتحديد يشكك في نوايا واشنطن ويرى أن القضية هي قضية نفط لا أكثر وأنه إذا توجب تغيير الأنظمة غير الديمقراطية بالقوة فالقائمة طويلة ولماذا العراق بالذات.. كما يبدي حساسية كبيرة لمعاناة الشعب العراقي بسبب الحظر الاقتصادي، وعليه فهو عموما يعارض عملية عسكرية ضد العراق (ليس حبا في صدام وإنما رفقا بالعراقيين ومقاومة للهيمنة الأميركية). وحتى الرأي العام البريطاني فهو ضد هذه العملية.

ثقل الرأي العام الأوروبي له دوره في توجيه السياسة الخارجية خاصة في هذه الظروف العجاف وشح الأموال، إذ من الصعب تبرير حملة مكلفة في الوقت الذي تعاني فيه الميزانيات من العجز المزمن.. إلى جانب الرأي العام هناك نشاط الأحزاب والمنظمات اليسارية واليمينية (الديغولية التوجه) والأحزاب الوطنية أو السيادية التي تنتقد السياسة الأميركية وتندد بالعجز الأوروبي في إسماع كلمة غير كلمة أمريكا والدفاع عن المصالح الأوروبية مقابل الهجمة الأميركية.


الرأي العام الأوروبي يعارض عموما عملية عسكرية ضد العراق ليس حبا في صدام وإنما رفقاُ بالعراقيين ومقاومة للهيمنة الأميركية وحتى الرأي العام البريطاني فهو ضد هذه العملية
التذمر الأوروبي والفرنسي خصوصا من التحرش الأميركي ضد العراق يظهر من خلال استخدام بعض المفردات ذات الدلالة السياسية القوية.. في تقرير لأعضاء في مجلس الشيوخ الفرنسي صدر أواخر عام 2001 عقب زيارة وفد (من مجموعة الصداقة فرنسا-العراق) من هذا المجلس إلى العراق في يونيو/ حزيران 2001 أصر أصحابه على رفضهم لـ "تدخل عسكري أنغلوساكسوني" ضد العراق. ومفردة "أنغلوساكسوني" في القاموس الجيوسياسي الفرنسي تعني اختلاف المصالح مع بريطانيا وأميركا. وطالبوا بالبحث عن سبل أخرى للخروج من الأزمة، ورفضوا توسيع الحرب على الإرهاب للعراق لغياب الأدلة على علاقته بالقاعدة وهجمات 11 سبتمبر/ أيلول.

في التصور الأوروبي غير المعلن، يعتبر تحسن الأوضاع في العراق واستقرارها سيساعد على وقف تدفق المهاجرين الأكراد على دول الاتحاد الأوروبي، بينما ترديها سيزيد من حدة هذه الهجرة. كما أن تحسن الأوضاع السياسية (حتى وإن بقي صدام في السلطة) في العراق سيمنح الحكومات الأوروبية حجة قوية لرفض الأكراد كمهاجرين سياسيين، لأن طالبي اللجوء منهم في تزايد مستمر.

الأولويات الإقليمية:
يتصدر الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي قمة أولويات أوروبا الإقليمية، إذ ترى أن الأهم هو تسوية هذه الصراع خاصة في هذه الظروف العسيرة، وتصر على نظرة شاملة لمشاكل الشرق الأوسط ككل معتبرة أن المشكلة الفلسطينية هي بؤرة التوتر الرئيسية التي تخل باستقرار المنطقة، وعليه يجب تسويتها، وترى الدول الأوروبية أن خير وسيلة لضمان إسرائيل هي إقامة دولة فلسطينية قابلة للعيش.. وتسعى لأن تكون التسوية حقيقة وألا تعود أجواء الصراع العنيف من جديد لأنها تكلفها خسائر ضخمة، بحكم أن أوروبا هي الممول الرئيسي لعملية السلام (نسبة المساعدات الأوروبية للفلسطينيين للفرد الواحد بلغت سبع مرات مساعدات الاتحاد لبقية الدول المتوسطية).


في التصور الأوروبي غير المعلن، تحسن الأوضاع في العراق واستقرارها سيساعد على وقف تدفق المهاجرين الأكراد على أوروبا، بينما سيزيد تردي الأوضاع من حدة هذه الهجرة، كما أن تحسن الأوضاع السياسية (حتى وإن بقي صدام في السلطة) في العراق سيمنح الحكومات الأوروبية حجة قوية لرفض الأكراد كمهاجرين سياسيين
ولا نبالغ إذا قلنا إن أوروبا تخسر على كل الأصعدة كلما توتر الوضع في الأراضي المحتلة فهي تخسر ما استثمرته (تدمير إسرائيل للبنى التحتية الفلسطينية) مما يحتم عليها تقديم معونات ضخمة من جديد لإصلاح ما كانت قد مولته، كما تخسر من حيث الأمن الاجتماعي داخل القارة نفسها، وهنا تتداخل الاعتبارات المحلية مع الأولويات الإقليمية فالتصعيد في فلسطين يحول العواصم الأوروبية إلى ميادين للمظاهرات والمظاهرات المضادة التي يقوم بها اليهود دعما لإسرائيل والعرب والمسلمون مساندة للفلسطينيين، وهذا ما سبب توترا بين المجموعتين وهدد الأمن الاجتماعي والتعايش بين مختلف قطاعات المجتمع.

المصالح الاقتصادية:
الأوروبيون يعتبرون أن أميركا تعمل لمصالحها على حساب مصالحهم وتسعى لإخضاع شركاتهم لقوانينها الوطنية (قوانين هلمس-بورتن وداماتو).. الحقيقة أن الحظر أصبح مع مرور الزمن سلاحا في يد أميركا لخدمة مصالح محددة، حيث أوحت في مارس/ آذار 2000 لمجلس الأمن بالسماح للعراق لبيع المزيد من النفط عندما ارتفعت الأسعار في السوق العالمية، وذلك كآلية غير مباشرة لتخفيضها بإدخال مزيد من النفط في السوق.

لكن واشنطن لا تكتفي باللعب عن بعد بل تستفيد من الحظر، إذ تشير أرقام أميركية إلى أن المبادلات بين العراق وأميركا في نمو، الصادرات العراقية نحو الولايات المتحدة بلغت قيمتها 6.1 مليارات دولار عام 2000 مقابل 4.62 مليارات دولار عام 1999، أما الواردات العراقية من أميركا فقد ارتفعت من 9.5 مليارات عام 1999 إلى 10.30 مليارات عام 2000، وقد نددت فرنسا بهذه الازدواجية في سياسية واشنطن، خاصة وأن الشركات الأميركية تستفيد بطريقة مباشرة من صادرات العراق النفطية وهي المسؤولة عن الرشوة التي تعرفها عمليات تصدير النفط العراقي.

وأشارت فرنسا إلى أن 70% من النفط العراقي المصدر يستهلك في أميركا، ثم إن الأوروبيين لا سيما الفرنسيين يتذكرون أن الأميركيين احتكروا معظم عقود إعادة البناء في الكويت أساسا واستحوذوا على أسواق ضخمة في دول الخليج خاصة في مجال التسلح. وهكذا حرموهم من "الغنيمة" رغم مشاركتهم في حرب الخليج عسكريا وماليا.

أوروبا وأميركا ومسألة العراق: تصوران للعالم

إن "الصراع" على العراق يعكس صراعا أشمل بين تصورين للعالم.

تصور أوروبي للعالم
فالتصور الأوروبي مبني على القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، أما الأدوات فهي الدبلوماسية والتعاون والتغيير التدريجي سلميا والإقناع وفض المنازعات سلميا في سبيل عالم متعدد الأطراف ومستقر، فأوروبا تفضل الترغيب على الترهيب والجزرة على العصا، وكما يقول خافيير سولانا مسؤول السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أوروبا "قوة مدنية وليست عسكرية".. ويقول دوفيلبان إن "سياسة أمنية وحدها لن تقود إلى نظام عالمي سلمي ومستقر". هكذا يحدد التصور الأوروبي وتعارضه مع النظرة الأميركية.


أميركا لا تؤمن إلا بلغة القوة، وتغلب الترهيب على الترغيب والعصا على الجزرة ولا تعير أهمية للقانون للدولي بل تسعى لإخضاعه لقوانينها المحلية، وتنتهج سياسة أحادية متشددة همها الوحيد هو الإبقاء على سيطرتها على العالم
والنقيض الأميركي

أما أميركا فلا تؤمن إلا بلغة القوة، وتغلب الترهيب على الترغيب والعصا على الجزرة ولا تعير أهمية للقانون للدولي بل تسعى لإخضاعه لقوانينها المحلية، وتنتهج سياسة أحادية متشددة. همها الوحيد هو الإبقاء على سيطرتها على العالم.

التعارض بين التصورين يظهر أيضا من خلال مفردات الخطاب السياسي الأميركي المتميز بقراءة دينية أساسها الصراع بين "الخير" و"الشر"، الأول تجسده أميركا والثاني خصومها أو بالأحرى من لا يخضع لإرادتها، صراع الخير والشر فكرة متأصلة في المجتمع الأميركي ذي التقاليد الأصولية البروتستانتية. وصار خطابا دوليا مع ريغان لما وصف الاتحاد السوفياتي بـ"إمبراطورية الشر".

وفي يناير/ كانون الثاني 2002 وصف بوش كلا من العراق، وكوريا الشمالية وإيران بـ"محور الشر" فكان أن أثار موجة استياء دولية خاصة في أوروبا، فقد اعتبر وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين آنذاك تعبير "محور الشر" "تبسيطياً".. وسار كريس باتن المفوض الأوروبي في نفس الاتجاه وإن بمفردات مختلفة.. مما استفز واشنطن حيث اعتبر كولن باول كلام فيدرين "بخارا".


توماس فريدمان

الرئيس بوش يعتقد أن إيران والعراق وكوريا الشمالية هي محور الشر، والأوروبيون يعتقدون أن دونالد رمسفيلد، ديك شيني وكوندوليزا رايس هم محور الشر
منطق الخضوع
وخلال هذا "التراشق" بين ضفتي الأطلسي اعتبر وزير الخارجية الألماني فيشر أن أميركا تعامل حلفاءها كما لو كانوا سائرين في فلكها، خير من لخص "فتنة" "محور الشر" بين الحلفاء، المعلق في الشؤون الدولية في نيويورك تايمز توماس فريدمان لما كتب أن "الرئيس بوش يعتقد أن إيران، والعراق وكوريا الشمالية هي محور الشر، والأوروبيون يعتقدون أن دونالد رمسفيلد ديك شيني وكوندوليزا رايس هم محور الشر". (وزير الدفاع الأميركي، وزير الخارجية ومستشارة بوش للأمن القومي).

لأوروبا مقاربة مختلفة تجاه هذه الدول.. فهي قد شرعت في "حوار نقدي" مع إيران وتعاونت معها خلال الحرب في أفغانستان. وهناك اتصالات جارية لإبرام اتفاق تعاون، أما كوريا فلا تدخل في خانة اهتماماتها الملحة وتنظر إليها في إطار حوارها مع آسيا، والفارق هنا هو أن الأوروبيين يفكرون إقليميا بينما يفكر الأميركيون عالميا.. أما العراق فيقع في مركز اهتماماتها بحكم الجغرافيا والمصالح.

إلى أين؟
هل ستنجح أوروبا في إقناع أميركا بالعدول عن ضرب العراق؟ إن إصرار أوروبا على قرارات مجلس الأمن لا يجدي نفعا، لأن أميركا وبريطانيا تقصفانه باستمرار وشنتا ضده عملية "ثعلب الصحراء" عام 1998 دون الرجوع لمجلس الأمن بل أطلقتها في الوقت الذي كان فيه هذا الأخير مجتمعا للنظر في تقرير بلاتر رئيس اليونيسكوم، وعليه فالقول بتنفيذ بغداد هذه القرارات لا معنى له لأن هم واشنطن ليس تطبيقها بل الإطاحة بنظام صدام، وهذا ما لم تنص عليه تلك القرارات التي تفترض رفع العقوبات في نهاية الأمر.. تفادي ضرب العراق سيكون معيارا لقوة الإقناع الأوروبي وإن كان الأمر بحاجة لمبادرة عراقية ذات دلالة لتفويت الفرصة على واشنطن.

_______________
*كاتب جزائري مقيم في فرنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة