الانتخابات الإيرانية والنتائج المتوقعة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

احتفال انتخابي لمؤيدي خاتمي في الملعب الرياضي بالعاصمة طهران

بقلم: غسان بن جدو
 


تتميز الانتخابات الرئاسية الثامنة بأنها تعني للجميع استفتاء جماهيريا على مسيرة خاتمي الإصلاحية

منذ انتصار الثورة الإسلامية لعام 1979 توجه الناخبون الإيرانيون سبع مرات إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس الجمهورية، وانتخبوا منذ ذاك خمسة رؤساء هم: أبو الحسن بني صدر الذي أقيل ليخلفه رئيس الوزراء محمد علي رجائي الذي لم يستمر أسابيع قليلة قبل أن تغتاله منظمة مجاهدي خلق، فانتخب الشعب آية الله علي خامنئي وزير الداخلية وقتذاك ومرشد الجمهورية الإسلامية الحالي ومعه استقرت الأوضاع. وتوالت عملية انتخابات رئيس الجمهورية بسلاسة، فجدد له عام 1985، ثم انتخب الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني لعام 1989 وجدد له عام 1993.
 
خاتمي ومرحلة جديدة في عمر الانتخابات الإيرانية
خاتمي يدلي بصوته في الانتخابات السابقة
شهدت إيران أكثر الانتخابات الرئاسية إثارة وتنافساً وجدية عام 1997 عندما نافس مدير المكتبة الوطنية وأستاذ الفلسفة في الجامعة حجة الإسلام والمسلمين محمد خاتمي مرشح مؤسسة الحكم والنظام والبناء المحافظ رئيس مجلس الشورى الإسلامي حينئذ الشيخ علي أكبر ناطق نوري، وحقق خاتمي فوزاً ساحقاً بحصوله على نسبة96.5% من أصوات نحو 30 مليون ناخب، ولم تشكل تلك المعركة السياسية الانتخابية أهمية في ذاتها باعتبارها دارت بين مرشح "الشعب" والتغيير ومرشح المؤسسة والمنفذين فقط، بل أيضا لأنها شكلت استثناءً في تاريخ إيران الجمهورية الإسلامية لكون التنافس عرف "معركة" انتخابية بكل مفرداتها، بخلاف الاستحقاقات التي سبقتها، حيث إن جميع الرؤساء الذين سبقوا خاتمي فازوا وكان معروفاً أنهم سيحصدون أصوات وتأييد الناخبين بمن فيهم بني صدر نفسه.

مرشحو الرئاسة العشرة

1- سيد محمد خاتمي
(57 عاما).. بلغ مرحلة الاجتهاد في الدراسات الحوزوية الدينية وحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة أصفهان، انتخب نائباً في أول مجلس شورى بعد الثورة قبل أن يتولى منصب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي لمدة 11 عاما (1981-1992) ثم استقال رافضاً الخضوع لضغوط وشروط المحافظين.
ـــــــــــــــــ2- الدكتور أحمد توكلي
(50عاماً) تولى مذكرة العمل في حكومة رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي. نافس رفسنجاني في انتخابات عام 1993، ويقال إنه لقي تأييداً غير معلن لكنه فعّال من قبل أطراف في التيار المحافظ ومكتب المرشد خامنئي. وحقق مفاجأة بحصوله على نحو 4 ملايين صوت مقابل عشرة ملايين لرفسنجاني. ولم يخف توكلي انتقاده للتقليديين في التيار المحافظ بعد مجيء رفسنجاني للرئاسة وحاول أن يشكل تكتلاً جديداً يتمحور حول صحيفة "فردا" (أي الغد) التي أسسها، لكنه فشل وتوقفت صحيفته، وهو يعتبر من معتدلي التيار المحافظ، وحاصل على الدكتوراه.
ـــــــــــــــــ3- الأدميرال علي شمخاني
(45عاما) شغل حتى ترشحه منصب وزير الدفاع في حكومة خاتمي، وكان قائداً عاماً لقوات البحرية للجيش والحرس الثوري. وشغل منصب وزير الحرس الثوري في حكومة مير حسين موسوي الأولى (1981-1985). وهو أول عربي إيراني يترشح للرئاسة، وينظر إليه على أنه حامل توجهات فكرية وسياسية منفتحة ومعتدلة، ومعروف بقربه الشديد من المرشد خامنئي.. ويعوّل على المؤسسة العسكرية والناخبين العرب الإيرانيين وعددهم حوالي 1.9 مليون.
ـــــــــــــــــ4- الدكتور عبد الله جاسبي
(75 عاماً).. رئيس الجامعات الحرة منذ 12 عاماً، نجح في التوفيق بين قربه من رفسنجاني وانتمائه للجنة المركزية للجمعية المؤتلفة الإسلامية، كبرى فصائل التيار المحافظ. يتمتع بإمكانات مالية ضخمة، ويقوم بحملة دعائية واسعة، ولا يخفي طموحه بالفوز بالرئاسة لكن الاستطلاعات والتحليلات الواقعية تجعله ينافس شمخاني على المرتبة الثالثة.
ـــــــــــــــــ5- د. حسن غفوري فرد
(53 عاماً) وجه بارز في التيار المحافظ وعضو سابق في هيئة رئاسة البرلمان، ويحمل شهادة الدكتوراه في الفيزياء النووية من الولايات المتحدة الأميركية.. يحظى بقبول لدى الأوساط الرياضية لكونه أشرف على منظمة الرياضة والتربية البدنية لسنوات، كما كان عضواً في الجمعية المؤتلفة الإسلامية.
ـــــــــــــــــ6- الدكتور محمود كاشاني
(59 عاماً)، نجل آية الله أبو القاسم كاشاني، عالم الدين الشهير الذي كان من رموز الحركة الوطنية مع محمد مصدق عام 1952. وهو أستاذ في القانون منذ كان في الـ 29 من عمره، ويحمل أفكاراً وتوجهات منفتحة وأحياناً ليبرالية.
ـــــــــــــــــ7- منصور رضوي
(52 عاما) قريب من رفسنجاني والتيار المحافظ شغل منصب مساعد رئيس الوزراء في عهد موسوي وكان عضواً في مجلس بلدية طهران، وحظوظه متواضعة جداً.
ـــــــــــــــــ8- د. شهاب الدين صدر
(41 عاماً) وهو أصغر المرشحين سنا. رئيس نقابة الأطباء، محافظ ويرأس بعثة الحج الطبية منذ 8 سنوات. وكان نائباً في البرلمان السابق.
ـــــــــــــــــ9- مصطفى هاشمي طبا
(58 عاماً)، يشغل منصب مساعد الرئيس خاتمي لشؤون الرياضة والتربية البدنية، من مؤسسي حركة "كوادر البناء" المعروف بحزب أنصار رفسنجاني، وقيل إنه انسحب منه في العام الماضي.
ـــــــــــــــــ10- علي فلاحيان
(50 عاماً)، وزير الاستخبارات السابق لمدة 8 سنوات في حكومتي رفسنجاني.. أكثر المرشحين إثارة، وإن كانت حملته الانتخابية النشطة تبدو بنتائج متواضعة. يعوّل على جماعة أنصار حزب الله والأوساط المرتبطة بمراكز قوة وجهات أمنية، ولكن حظوظه متواضعة جداً.

وتجدر الإشارة إلى أن عمليتي التجديد الانتخابية لكل من خامنئي ورفسنجاني تمتا أيضاً بصورة طبيعية وكان التجديد تحصيل حاصل رغم أن رفسنجاني عرف منافسة شرسة من وزير العمل في الثمانينيات الدكتور أحمد توكلي المرشح المنافس الحالي لخاتمي، وهذا السيناريو يتكرر ويبدو مؤكداً هذه المرة أيضاً، فعملية التجديد لخاتمي لولاية رئاسية ثانية وأخيرة مدتها أربع سنوات طبقاً للدستور تبدو محسومة لصالح خاتمي، إذ إن جميع استطلاعات الرأي تؤكد ذلك وآخرها قبل أيام قليلة من موعد الاقتراع تمنح خاتمي نسبة 64% من الأصوات يليه توكلي بـ2.9% لكن اللافت هو إعلان 20% ترددهم حتى الآن وعدم حسم خيارهم النهائي، وهذا رقم مثير إذ لأول مرة يظهر خُمس الناخبين الـ42 مليوناً حيرة وتردداً في اختيار مرشحهم.

النتائج المتوقعة
رغم أن النتيجة تبدو محسومة لصالح خاتمي إلا أن هذه الانتخابات ينظر لها باهتمام بالغ، لأن نتيجتها ستكون بمثابة استفتاء شعبي على الإصلاحات، أي أن درجة قياس وتقويم النتائج ستظهر مدى رضا الشعب من عدمه على مسيرة الإصلاحات بالشكل الذي انتهجه وارتضاه خاتمي مع كل ما تعرض له من ضغوط، وكل ما كشف من حقيقة موازين القوى داخل النظام والحكم وما أثير من جدل بشأن صلاحيات "الحكام".

وربما يحسن انتظار صدور النتائج النهائية لإجراء مقاربة تقويمه وتحليلية شاملة وأكثر دقة، ولكن يمكننا الوقوف عند أبرز النتائج المتوقعة:

أولاً: إذا حصل خاتمي على نسبة الانتخابات الماضية، أي 70% أو في الحد الأدنى ثلثي أصوات الناخبين، ولم يحصل المرشحون التسعة الباقون مجتمعين على أكثر من ثلث الأصوات، فهذا يعني ثباتاً لخاتمي والتيار الإصلاحي من دون أن يعني ذلك بالضرورة ثباتاً أيضاً لمخالفي خاتمي في التيار المحافظ على نتيجتهم في الانتخابات الماضية، بما أن المرشحين التسعة الباقين ينافسون خاتمي الشخص وليس بالضرورة خاتمي التيار الإصلاحي، لا سيما وأنهم جميعاً تسابقوا على رفع شعار الإصلاح والحرية والانفتاح وإعطاء الشعب حقوقه كاملة، لكنهم حرصوا على تمييز أنفسهم عن خاتمي إما بالتبشير بتفعيل الإدارة أو تحسين الاقتصاد. وهذا يعني أن على المحافظين إجراء مراجعة تقويمية نقدية عميقة وصريحة لخياراتهم السياسية طيلة السنوات الأربع الماضية ناهيك عن توجهاتهم الفكرية والثقافية.

ثانياً: إذا فاز خاتمي بنسبة تقل عن 60% فهذا يعني أن الرأي العام الإيراني وجّه رسالة مفادها أنه يريد الاستقرار والهدوء ووضع حد للاحتقان السياسي، وأنه ما زال يثق في شخص خاتمي لإدارة شؤون البلاد لكنه يؤثر أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التعاون والتنسيق بينه وبين معارضيه الأقوياء في النظام والدولة، ويعني هذا فيما يعني إما تعيين خاتمي بعض الوزراء من عقلاء ومعتدلي التيار المحافظ في حكومته المقبلة، وإما الاتفاق بينه وبين المتنفذين المحافظين والمقربين من المرشد خامنئي على الخطوط الحمراء والعناوين الكلية لنهج الحكم والسلطة من الجانبين طبعاً، مع الإشارة هنا إلى أن خاتمي لم يتراجع قيد أنملة طيلة السنوات الماضية عن أي من الشعارات التي رفعها بل لم يغير من خطابه ولم يحدد أولويات مغايرة، وهذا الأمر يعتبره مخالفوه "عناداً". وليس خافياً أن الجناح المتشدد داخل البناء المحافظ ما زال مصراً على عدم تغيير النهج السابق من الضغط وعلى استنزاف خاتمي في معارك جانبية وهامشية، على عكس العقلاء الراغبين في التجديد المقتنعين بأن قاطرة الإصلاحات وضعت على سكة في اتجاه سير واحد وأن على المحافظين التفاعل الإيجابي مع الرأي العام والتزام الواقعية السياسية والتحضير الجدي لانتخابات الرئاسة لعام 2005.

ثالثاً: إذا كانت نسبة المشاركة الشعبية في الاقتراع مرتفعة وبلغت 75% وما فوق فهذه ستكون إشارة بالغة الدلالة على أمرين الأول استمرار تمسك الإيرانيين بنظامهم وبالتالي ترسيخ مشروعيته الشعبية. والثاني بقاء الأمل لدى الناخبين في أنهم قادرون على تحديد مصيرهم واختيار نهج الحكم وحاكميه، وإعلان الإيرانيين بوضوح قبولهم خيار خاتمي بالإصلاح والتعبير الهادئ والبطيء وفي إطار النظام ومؤسساته ووفقاً لدستور البلاد.

رابعاً: أما إذا كانت نسبة المشاركة أقل من ثلثي الناخبين، فإن ذلك سيفهم على أنه إشارة من الرأي العام على الرغبة في تجاوز خيار خاتمي نفسه وتقول بصراحة هنا، ينبغي أن لا يفهم عزوف أكثر من 35% من الناخبين عن الاقتراع على أنه مجرد تراخ أو عدم حماس من الناخبين لعدم وجود معركة ومنافسة حقيقية فقط، فهذا جزء من التحليل والاستنتاج لكنه يشير أيضاً إلى أن الرأي العام بات أحرص على إحداث تغييرات جوهرية تطاول تعديل الدستور نفسه لجهة وضع حد لهيمنة سلطة على أخرى. وربما أكثر من ذلك قد تفهم أيضاً على أن جانباً كبيراً من الرأي العام بات محبطاً وهذا يظهر أحد خيارين: إما الاستنكاف عن المشاركة السياسية، وأما كتمان "الغيظ" حتى يأتي وقت الانفجار، وكلاهما خطر طبعاً على النظام واستقرار البلاد..

خامساً: أما إذا كانت نسبة المشاركة الشعبية ضعيفة في الانتخابات فقد تفهم على أنه نجاح للخطة التكتيكية التي اعتمدها التيار المحافظ بترشيح عدد كبير من منافسي خاتمي، مما يسهل عملية تشتيت الأصوات وإضعاف نسبة خاتمي، وأيضاً بإخراج الرئاسة من إطار المنافسة والمعركة الحقيقية وهو ما يمكن أن يجعل الناخبين غير متحمسين للإدلاء بأصواتهم على قاعدة أن النتيجة تحصيل حاصل.
ــــــــــــــ
لمزيد من المعلومات اقرأ أيضاً: إيران الثورة والدولة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة