الانقلاب على الثورات.. ماذا جرى؟   
الاثنين 20/10/1434 هـ - الموافق 26/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 11:22 (مكة المكرمة)، 8:22 (غرينتش)
أسامة أبو ارشيد



سوريا.. "عقدة المنشار"
"الإسلام السياسي" كمشجب لرفض التغيير
في انتظار "بعث" التغيير من جديد

يمكن قراءة ما يجري في مصر على مستويات عدة، فهو من ناحية انقلاب داخلي على ما سمي بـ"الربيع العربي" وثورة مضادة على ثورات التحرر والانعتاق. وهو من ناحية ثانية، تحالف إقليمي ودولي ضد أي مسعى شعبي في فضاء أمتنا للاستقلال والكرامة والخروج من حالة الوصاية والتبعية، بغض النظر عن هوية وأيديولوجية الحاكم القادم عبر صناديق الاقتراع.

ومن ناحية ثالثة، فهو كاشف لحقيقة مواقف القوى الأيديولوجية التقليدية، سواء أكانت "ليبرالية" (وهو توصيف تعسفي لهذه القوى) أم يسارية، أم قومية، أم حتى إسلامية تقليدية طقوسية، من الإسلام بوصفه دينا وهوية ومنهج حياة بالنسبة لشعوب ما فتئت تؤكد انتماءها الروحي والحضاري للإسلام.

فبعد أقل من أعوام ثلاثة على تفجر شرارة الثورات العربية في تونس وانسياحها عبر مصر وليبيا واليمن وسوريا والأردن وبلدان أخرى، ها هي الآن تصطدم بحائط صد كبير وصلب. وكانت سوريا هي الساحة التي تم فيها كسر قوة رياح التغيير العاتية التي اقتلعت واجهات أنظمة ولم تقتلع تلك الأنظمة من جذورها، وتحديدا في مصر.

سوريا.. "عقدة المنشار"
في سوريا انقسمت الأجندات الإقليمية والدولية وتعارضت، فكان أن أضعَفت وقوَّت النظام والثورة في آن ووضعتهما في حالة أقرب إلى العجز عن الحسم. فلا النظام قادر على سحق الثورة نهائيا، ولا الثورة قادرة على اقتلاع النظام وتحقيق نصر حاسم ونهائي عليه، على الأقل إلى الآن.

عامان ونصف والثورة السورية تراوح مكانها، تتقدم خطوة وترجع أخرى، تأتيها وعود الدعم الإقليمية والدولية السخية فتنتهي بـ"فأر" تمخض به جبل الوعود. هل كل ذلك صدفة؟ هل فعلا البيت الأبيض متردد في اتخاذ قرار دعم الثورة السورية لقلقه من القوى الإسلامية "المتطرفة" على الأرض؟
أبدا، غير صحيح.

ما يجري في مصر انقلاب داخلي على ما سمي بـ"الربيع العربي" وثورة مضادة على ثورات التحرر والانعتاق

الولايات المتحدة الأميركية -ومعها حلفاؤها من بعض العرب، وخصوصا من بعض الخليجيين- التي فوجئت بسرعة انتقال شعلة الثورة من تونس في ديسمبر/كانون الأول 2010 في هشيم الظلم والقمع العربي القائم، كانت في حالة من اللهاث وراء الأحداث وتسارعاتها.

فمن تونس إلى مصر إلى ليبيا ثم اليمن فسوريا فالبحرين والأردن.. كلها أحداث أربكت صانع القرار الأميركي ودفعته إلى اتخاذ قرارات سريعة وبدون روية وتفكير كافيين. ولكن سوريا وفرت لها ولحلفائها من العرب المصرين على بقاء أنظمة القمع البالية فرصة لالتقاط الأنفاس والمسارعة إلى إعادة ترتيب أوراقهم وكسر حدة رياح التغيير العاتية التي تهدد بكنس كل نظام متهالك قائم على الاستغلال والكبت والطغيان.

في سوريا، تعارضت المصالح والتقت في آن ضمن توليفة غريبة. تعارضت في الموقف من النظام، فتداعت أنظمة "الاعتدال العربي" مع الولايات المتحدة لإضعاف النظام السوري وحلفائه في إيران ولبنان، خصوصا بعد أن ظفرت إيران بالعراق بعد الغزو الأميركي له عام 2003 وإسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

ورأت إسرائيل في إضعاف النظام السوري فرصة سانحة لها لشرذمة "محور الممانعة" في المنطقة المتشكل سابقا من سوريا وإيران وحزب الله وحماس، فكان لها ما أرادت. كما ظفرت الولايات المتحدة بغنيمة أخرى لا تقل كارثية على المنطقة وأبنائها ومصالحها لأجيال قادمة، وتمثل ذلك بإعادة ابتعاث "الصراع" السني الشيعي الذي يهدد باستنزاف المنطقة إلى عقود قادمة.

ولعبت إيران المنتشية بوهم نصرها في العراق دور المبضع الذي أعاد نكء جراحات الماضي، ولكنها في المحصلة كانت تخدم مصالح أميركا وإسرائيل بذلك من حيث أرادت أم لم ترد، لا يهم، فالنتيجة واحدة. ليست إيران وحدها من لعب بالورقة الطائفية للحشد والتأثير في إعادة صياغة معادلات المنطقة، فالمملكة العربية السعودية لم تكن غائبة كذلك عن المشهد ضمن صراع النفوذ الإقليمي.

التقت مصالح الأنظمة القمعية القائمة، أو بناها التي لا تزال متحكمة، كما في مصر مثلا، مع مصالح معظم المحيط العربي التقليدي، ومع حسابات الخارج لإعادة لَجْمِ المنطقة

على الجانب الآخر من المعادلة، وقفت روسيا والصين وإيران وحزب الله وعراق نوري المالكي بقوة مع نظام بشار الأسد، وهو الأمر الذي مكنه من البقاء إلى اليوم. ولكن حتى روسيا، المزود الأول للنظام بالسلاح النوعي تتحكم بصنبوره بشكل يضمن عدم اختلال معادلة الصراع كليا لصالح النظام، دع عنك إسرائيل طبعا.

وهذا ما يعيدنا إلى موضوع التوليفات الغريبة في السياق السوري، بحيث يبقى الجميع في حالة استنزاف في أفق الوصول إلى صفقات وتسويات في المنطقة، وذلك ضمن مقاربة أميركا وبعض العرب لكسر عتاوة رياح التغيير وعدم وصولها إلى شواطئ عربية أخرى، خصوصا تلك الخليجية الرافضة لأي انفتاح أو تغيير.

وهكذا، التقت مصالح الأنظمة القمعية القائمة، أو بناها التي لا تزال متحكمة، كما في مصر مثلا، مع مصالح معظم المحيط العربي التقليدي، ومع حسابات الخارج لإعادة لَجْمِ المنطقة وسحق مطالب أبنائها المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة والمساواة.

"الإسلام السياسي" كمشجب لرفض التغيير
ولكن الجديد الذي أبانت عنه الأحداث الأخيرة في مصر هو المدى الذي يمكن أن تذهب إليه بعض "النخب" العلمانية و"المتلبرلة" واليسارية والقومية في مسعاها لرفض أي وجود معتبر للإسلاميين في الحكم يعكس حجم قوتهم وشعبيتهم في الشارع.

فكثير من هذه القوى وإن كانت عارضت الأنظمة القمعية من قبل ولها جهود لا تنكر في هذا السياق، فإنها عندما وضعت أمام خيار القبول بالإرادة الشعبية إذا جاءت بالإسلاميين أو العودة إلى أطر وبنى وهياكل الأنظمة القمعية التي عارضوها من قبل فإنهم فضلوا وضع أيديهم بأيدي نظام القمع على وضع أيديهم بأيدي الإسلاميين.

الانتخابات الحرة، وتحديدا في مصر، أبانت عن مدى هامشية تلك "النخب" الإعلامية شعبيا، وهم بدل أن يسعوا إلى إعادة النظر في دورهم المجتمعي فإنهم اختاروا مسار الانقلاب على المجتمع وإرادته، بالتعاون مع المؤسسة العسكرية القمعية التي أوصلت مصر عبر عقود من تحكمها في المشهد الداخلي والخارجي إلى ما هي عليه اليوم.

حزب النور كان عبئا على الإخوان منذ اليوم الأول للثورة بعد حصوله على قرابة 24% في انتخابات مجلس الشعب عام 2012، التي حصل فيها الإخوان على
 47%

وهكذا، وفي ظل تحالف "الفلول" وما يوصف بـ"الدولة العميقة" والجيش، وعبر التحالف مع بعض الأنظمة العربية "الرجعية"، حسب أدبيات اليسار العربي والتيار الناصري المتورطين في المؤامرة، وفي ظل "غض طرف"، إن لم يكن تواطؤا كاملا من قبل الولايات المتحدة وغالب الغرب لتمرير الانقلاب، وفي ظل دعم إسرائيلي لما جرى في مصر كما توضح ذلك تقارير إسرائيلية كثيرة نشرتها صحافة إسرائيل، فقد تم الانقلاب على الإرادة الشعبية والعودة إلى نظام حكم ثارت عليه الجماهير بالأمس ولكنهم لم يتمكنوا من اقتلاعه من جذوره كليا.

ويرجع ذلك لعدم نضوج التجربة زمانيا من ناحية، ولغياب الإدراك المسبق لمدى تغول وعمق جذور هذه الأنظمة التي نمت وتقوت على مدى عقود طويلة، من ناحية أخرى.

المعطى الآخر، الذي ينبغي أن لا يضيع في هذه الجلبة، يتمثل في الدور الذي لعبته المؤسسة الدينية التقليدية وبعض القوى السلفية كحزب النور، في الانقلاب على الإرادة الشعبية.

فبالنسبة للمؤسسة الدينية التقليدية كما في حالة الأزهر، فإن فيما جرى دليلا جديدا ينضاف إلى غيره ليؤكد أن أي إصلاح مجتمعي أو سياسي -فضلا عن نجاح أي ثورة شعبية- لن يكتب له النجاح اللهم إلا إذا كان ثمة إصلاح سابق في المؤسسات الدينية التقليدية. فالمؤسسة الدينية التقليدية، لم تعد عبئا على إبداع العقل المسلم وحريته فحسب، بل إنها أضحت كذلك أداة لتبرير الاستبداد، بل طرفا أصيلا في ترسيخه وممارسته.

أما في حالة حزب النور، الذي تشير مصادر كثيرة إلى أنه صنيعة مخابراتية من قبل دولة خليجية كبرى ترعى التيار السلفي السلبي المبرر لتغول السلطة المتغلبة، فإنه يقدم للإسلاميين درسا من نوع آخر.

فحزب النور كان عبئا على الإخوان منذ اليوم الأول للثورة بعد حصوله على قرابة 24% في انتخابات مجلس الشعب عام 2012، التي حصل فيها الإخوان على 47%.
 
النخب" العلمانية بكل ألوانها وأطيافها حسمت أمرها لصالح التحالف ولو مع الشيطان من أجل إسقاط تجربة حكم الإسلاميين في مصر
فمن فتح ملفات فقهية جدلية في مجلس الشعب، إلى توريط الإخوان في مسألة النص على شرح المادة الثانية من الدستور التي تقول إن الإسلام دين الدولة (وكانت محل توافق بين الجميع، علمانيين وإسلاميين)، ومرورا بالمزايدة على الإخوان إسلاميا، وصولا إلى المشاركة في الانقلاب عليهم بحجة أن "الرئيس مرسي لم يطبق الشريعة الإسلامية" حسب تعبير أحد قياداتهم وهو ياسر برهامي.. كل هذا يبدو الآن أنه كان جزءا من مخطط استخباري كانت تحاك خيوطه في دولة خليجية كبرى من أجل توريط الإخوان وقطع كل خيوط تواصلهم مع قوى المجتمع الأخرى.

مرة أخرى، فإن تلك "النخب" العلمانية بكل ألوانها وأطيافها حسمت أمرها لصالح التحالف ولو مع الشيطان من أجل إسقاط تجربة حكم الإسلاميين في مصر، حتى ولو عنى ذلك العودة إلى نظام أكثر قمعية من نظام مبارك.

ومثال حزب النور يوضح بجلاء أنه وإن كان "متشددا" من الناحية الفقهية والفكرية والمسلكية إسلاميا، وأتحدث هنا تقنيا، فإن تدينه مقبول بالنسبة للقوى العلمانية والقمعية معا. ذلك أنه من ناحية يفي بالشروط المشكلة للصورة النمطية المنفرة للمتدينين، كما أنه قابل للإخضاع والتطويع والتوجيه استخباريا، والأهم من ذلك أنه لا يملك تصورا منهجيا متكاملا للإسلام يسعى لاستنهاض مشروع كذلك الذي يملكه الإخوان، سواء اتفقنا معهم أم اختلفنا.

النقطة الأخيرة، أي غياب النفس "المشروعي"، ينسحب كذلك على الأزهر والمؤسسات والشخصيات الدينية الأخرى التقليدية. فما دام العمل الديني يبقى بعيدا عن الفضاء السياسي والمجتمعي الحركي، فهو مرحب به، وغير ذلك يكون خطرا، كما تمت مقاربة الإخوان. ولعله من المهم التذكير في هذا السياق بأن الكنيسة القبطية تعاملت مع الانقلاب والإخوان من ذات المنطلق، فكان أن تحالفت مع الجيش والأزهر و"النور" والعلمانيين من أجل تمرير الانقلاب على تيار إسلامي يملك مشروعا، ولا يقارب الإسلام طقوسيا فحسب.

نقطة أخيرة هامة لابد من تسجيلها في هذا السياق تتمثل في أن الأنظمة القمعية تعارض التغيير بغض النظر عن لونه أو أيديولوجيته، وسواء أكان إسلاميا أم ليبراليا أو غير ذلك، ولكنها وجدت في صعود الإسلاميين "فزاعة" لنسج تحالف مع القوى العلمانية الأخرى المطالبة بالتغيير لوأد التغيير نفسه، لا صعود الإسلاميين فحسب.

روح التغيير العربية هذه المرة أعيدت صياغتها وبلورتها من جديد ودخلت عناصر جديدة على المعادلة. فالناس لديهم القدرة والقابلية الآن لأن يموتوا ويضحوا من أجل حريتهم

في انتظار "بعث" التغيير من جديد
باختصار، فإن الانقلاب الذي جرى في مصر، والتصعيد في تونس، وإطالة أمد المعركة المدمرة في سوريا، إنما هي آليات ردع، مارسها ولا يزال تحالف قوى محلية وإقليمية ودولية لردع الشعوب العربية عن التفكير -مجرد التفكير- في الثورة للمطالبة بالحرية والكرامة، وهكذا فهم يتوهمون أن في ذلك زجرا لأي كان عن محاولة تكرار التجربة أو محاولة تأصيلها وتجذيرها أو إيصال رياح التغيير إلى شطآن عربية أخرى.

هذه هي حساباتهم، ولكنهم يغفلون أمرا هاما، ألا وهو أن الأسباب التي قادت إلى تفجر الثورات منذ أواخر عام 2010 لم تزل بعد قائمة، بل هي آخذة في التعمق والتجذر أكثر. أضف إلى ذلك أن روح التغيير العربية هذه المرة أعيدت صياغتها وبلورتها من جديد ودخلت عناصر جديدة على المعادلة. فالناس لديهم القدرة والقابلية الآن لأن يموتوا ويضحوا من أجل حريتهموهم وإن انتكسوا مرة أو أكثر، فإن هذه الروح الوثابة لا تزال في أعماقهم ولا تنتظر إلا قرار البعث من جديد، وهو لا شك قادم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة