حقيقة الصراع السياسي في العراق والاحتلال   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ محمد مناف ياسين

الصراع الحزبي السياسي هو أشد أنواع الصراع بروزا على الساحة العراقية من أي صراع آخر، لعبت فيه السلطة الحكومية تاريخيا دور القامع المتسلط أكثر مما لعبت دور الوسيط الحكم، إذ أن الحكومات العراقية المتعاقبة ومنذ قيام المملكة العراقية في بداية القرن العشرين، لعبت دور السلطة القمعية فملأت السجون وأعدمت سياسيين وألغت أحزابا وحدت من حرية الصحافة المكتوبة. وقد تطور القمع إلى درجة كبرى حتى وصل إلى ما وصل إليه من شراسة يندر وجودها على يد حكومة (الرئيس العراقي المخلوع) صدام (حسين) الساقطة، وإذا ذكر التاريخ السياسي أشباهها فقد لا يكون مثلها أبدا. أيضا أنه لم يكتب حتى الآن ما كانت عليه تلك السلطة من عنف، وربما ذهبت قصص ذلك القمع مدفونة مع آلاف الضحايا الذين أخذوا أسرارهم معهم.

تلتقي كل القوى العراقية الاجتماعية والسياسية ضد نظام صدام، وتتفق أيضا على أن دور الاحتلال العسكري مؤقت عليه ألا يطول أكثر مما يجب كي لا يتحول من جديد أيضا إلى سلطة قمع، وتدور الدائرة القمعية مجددا بين أناس يرفضون وجنود احتلال يقومون بالقتل.

اختلاط الأوراق والأخطاء
وما زالت الأوراق مختلطة بين مقاومة وطنية تحذر الاحتلال من التمادي وهي تتقبل حركة التحول في السلطة وإسقاط نظام صدام، وبين فلول من عناصر الأجهزة الاستخبارية والقمعية التي لا تستطيع مواجهة شعبها وتخاف الحساب الذي لا بد أن يكون عسيرا.

وتبقى أمنية كل العراقيين أن يحاسب كل من ساهم في قتل عراقي نتيجة لرأي سياسي حسابا قانونيا يأخذ في نتيجته جزاءه العادل وحسب الجريمة التي ارتكبها وشروط تنفيذها.

وسبب هذا الخلط كان جملة قرارات إدارية وسياسية لم تكن صائبة وصدرت من إدارة الاحتلال قبل أن تنضج ظروفها مثل قرار حل الجيش العراقي، وعدم دفع الرواتب الخاصة بعناصر هذا الجيش مع توفر الأموال العراقية لهذا الغرض، علما بأن الجيش العراقي ذاته كان ضد صدام وحكومته وطالت الإعدامات الآلاف من مراتبه الوطنية، يضاف إلى ذلك عدم قدرة الاحتلال حتى اليوم على تنظيم عمل إداري يعيد توزيع الحصة التموينية وتأمين سيولة منتظمة لها لكل المواطنين كما كانت سابقا، مع إعادة تنظيم الحياة اليومية للناس والتي تزداد صعوبة يوما بعد يوم.


المجلس سيكون وسيطا بين ضغطين صعبين ضغط المطالب الشعبية في تأمين الأمن والاستقرار وضغط إدارة الاحتلال في تأمين أهدافها التي من أجلها احتلت العراق
مجلس الحكم

وقد جاء القرار الأميركي بتشكيل "مجلس الحكم المؤقت" قرارا مواربا أجبرت عليه قوات الاحتلال وإدارته، وهو بالنسبة للعراقيين والقوى المساهمة فيه في مفترق طرق سياسية واجتماعية خطير للغاية.

فكان إيحاء سلطة الاحتلال أن تركيبة أعضاء المجلس قد جاءت بناء على تفرقة طائفية وعرقية ودينية موجودة في العراق باعتبارها اجتماعيا مختلفة وغير ممثلة سابقا في الحكم بحجمها المطلوب. وذلك جهل بطبيعة التركيبة العراقية إجتماعيا وسياسيا سنشرحه لا حقا.

وحقيقة وضع المجلس هي:
1. إن هذا المجلس سيكون وسيطا بين ضغطين صعبين، ضغط المطالب الشعبية في تأمين الأمن والاستقرار وضغط إدارة الاحتلال في تأمين أهدافها التي من أجلها احتلت العراق.

2. النقص في الخبرة الإدارية في إدارة الدولة لدى الكثير من أعضاء المجلس حيث يتولى بعضهم مقعده لأول مرة كإداري أو مسؤول رأسي في الدولة، وفي وضع صعب بوجود الاحتلال العسكري يحتاج إلى عمق في الخبرة التنظيمية وقدرة على التمييز الدقيق، خاصة وأنه لا بد أن يلعب دوره الحقيقي كعراقي أولا وأخيرا، وأن مسؤوليته هي عن كل ما يجري في العراق وليس عما يجري في المنطقة التي جاء منها.

رغم أن هناك قناعة بأن هذا المجلس لا يمثل الأطياف السياسية العراقية الموجودة في الساحة، إلا أن الرأي الغالب للعراقيين اليوم أن منح الفرصة لهذا المجلس ليتفحص وضعه ويختبر إمكانياته ويتخذ قراراته هي الأفضل كي تنجح مهمة أن يكون الحكام العراقيون من أبناء البلد أفضل بكثير -ونوعيا- من أن يكون الاحتلال صاحب القرار فيخطئ ويصيب وغالبا ما يدمر عبثا.

ورغم أن العديد من العراقيين وأحزابهم وبعض الصحف العراقية وقفت وتقف ناقدة لتركيبة المجلس ودوره الممكن إلا أنه في الحقيقة يشكل خطوة مهمة لدى الجميع يتفق عليها حتى المنتقدون. وربما كان أشد النقد يأتي من مرجعية شيعية هي مجموعة مقتدى الصدر وما يطلق عليها (الحوزة الناطقة) وهي مجموعة شبابية تكتسب شعبية واسعة في بغداد والنجف والناصرية والبصرة ويشكل الشباب فيها نسبة عالية.

3. أما ما هو الموقف الأميركي من هذا المجلس، فسوف يظهر من خلال طبيعة التعاون المطلوبة من الإدارة المدنية الأميركية لتقوية دور المجلس وتحقيقه لأغراضه الرئيسية في تأمين الاستقرار السياسي والأمن والوصول إلى صيغة دستور يستفتى عليها الشعب وصولا إلى حكومة دستورية.

هناك إذن مهمات آنية مستعجلة هي عودة الحياة الطبيعة للناس خاصة أن العراق قام على إرث دولة كانت منذ تأسيسها أكبر موظف وممول اقتصادي في المجتمع، ويكون الاحتلال وإدارته المدينة على المحك فيما وعد أكثر من مجلس الحكم الذي يتخذ الصيغة المؤقتة أو الوسيطة.

إن مهمة المجلس الصعبة حقا هي أن يلعب دورا شعبيا يوميا وبكافة أعضائه ودورا آخر مقابلا في إيصال إدارة الاحتلال إلى اتخاذ القرارات المناسبة ومنع السلوكيات العنيفة التي تثير العراقيين وتمنع استقرارهم.

الطائفية

لم تطرح القوى السياسية المعارضة باعتبار أنها معارضة شيعية أو سنية ضد نظام شيعي أو سني، فالكل يعرف أن صدام لم يكن يهتم بذلك إلا بمقدار ما يخدم أغراضه في الحكم
وهنا لا بد أن نقرر حقيقة يثير تكرار الحديث فيها لدى السياسيين والإعلاميين العرب استغراب العراقيين كلهم، وهي الخوف من الانقسام الطائفي في العراق، وكأن هذه الطوائف قد ولدت اليوم وكأن الشيعة قد احتلوا العراق اليوم لا الأميركيين، وأن السنة يقومون برفض الشيعة لا رفض الاحتلال الذي يرفضه الشيعي أيضا كأي عراقي.

ولا بد من التذكير ببعض من تاريخ العراق السياسي الحديث، يوم احتلت بريطانيا العراق أوائل القرن العشرين وأراد المندوب السامي وضباطه حتى الصغار منهم أن يديروا شؤون العراق على الأرض فواجهتهم ثورة العشرين، ثورة كاسحة دفعت بوزارة المستعمرات البريطانية وعلى رأسها تشرشل الشهير -وزير المستعمرات البريطاني في ذلك الوقت- إلى الإسراع بتسليم العراقيين قيادة بلادهم ومن ثم انسحاب حتى المستشارين الوزاريين البريطانيين الكبار من وزارات المملكة العراقية مع انتهاء الانتداب سنة 1932.

وقد كانت قيادات الأحزاب السياسية العراقية وما زالت تختلط بين السنة والشيعة، وبين الأكراد والعرب والتركمان، وإذا كانت الحكومة الصدامية الساقطة قد أوحت بحربها مع إيران أن هناك انقساما مذهبيا في العراق فقامت بتسفير شيعة عراقيين معارضين لها بحجة كونهم من أصول إيرانية، فإن ذلك لم يمنع أن المدافع الأول عن حدود العراق كان الجيش العراقي جنوده وضباطه وعديدهم شيعة وتشهد لهم مقابر النجف المتسعة تلك الصفة الوطنية في الدفاع عن بلادهم، رغم قناعة الجميع وقتها أن تلك حرب عبثية لتأمين أغراض سيطرة صدام على كامل أجهزة الدولة وسحق معارضيه بالحروب وما تلاها.

واليوم يقف كل مستمع إلى خطب الجمعة في المساجد العراقية وجوامعها ليستمع إلى ذات المطالب الشعبية في أن لا عودة لعناصر النظام السابق، ضرورة تأمين المطالب الشعبية في الأمن والاستقرار، وأن هناك فرصة للتعامل السلمي حتى الآن مع الاحتلال إلا إذا طالت مدته وغير أهدافه المعلنة فسيكون لكل حادث حديث. ولا يعني ذلك أن الموقف من الاحتلال عملية مؤجلة بقدر ما هو تحديد لدور الاحتلال وضرورة أن يعرف أن هذا البقاء العسكري مؤقت وغير دائم.

ولم تطرح القوى السياسية المعارضة باعتبار أنها معارضة شيعية أو سنية ضد نظام شيعي أو سني، فالكل يعرف أن صدام لم يكن يهتم بذلك إلا بمقدار ما يخدم أغراضه في الحكم. إن هذه القوى السياسية العربية والكردية منها، قد طرحت دوما واليوم أنها قوى تطالب بالحرية والعدالة لكل العراقيين ولكل أطيافهم. وإقامة نظام دستوري يمنح الناس تساويا في الحقوق والواجبات وبحدود يحترمها الجميع.

ونضيف أن المتتبع لحركة القبائل العربية في العراق تحديدا، يرى أن مثل هذه القبائل تنقسم بين السنة والشيعة، مثلا وليس حصرا: قبائل شمر والزبيد والعبيد وفروعها. وهناك عشائر قد تحول بعضها إلى التشيع قبل قرنين من الزمن أو أقل مثل: تميم والخزاعل وكعب وربيعة، ولم يؤخذ هذا الوضع باعتباره وضعا خلافيا بقدر ما هو وضع طبيعي، فالنجف الأشرف وكربلاء تقعان على أطراف الصحراء وتتعامل فيهما ومن خلالهما العديد من العشائر العربية والبدو تعاملا تجاريا، وأحيانا محطة أولى للسكن والانتقال إلى مناطق أخرى للاستقرار.

وكانت النجف تلعب دور الوساطة بين السلطة العثمانية والقبائل باعتبارها سلطة مضافة لا قوة تابعة للعثمانيين، إضافة إلى كونها مركزا دينيا تعليميا وثقافيا هاما تتجمع فيه المراجع الدينية التي يحترمها الجميع، تلك المراجع التي اعتادت الاختلاف والخلاف باعتباره اجتهادا في الدين وتعمقا في علومه. ويتركز دورها السياسي في كونه عملا وطنيا يخدم المسلمين والناس جميعا.

وإذا قامت بعض الحوزات الدينية بدور سياسي، فهي كي تحافظ على الحقوق الوطنية العامة لا بحثا عن تناقض مع مذهب أو طائفة دينية إسلامية أخرى. وهناك في النجف آراء عديدة ما زالت غير متفقة عن كيفية عمل الحوزات العلمية وطريقة توحيدها، فرأي تطرحه مرجعيات هامة: أن يكون في النجف مجلس فقهي موحد، ورأي آخر: يقترح مجلسا مركزيا لإدارة شؤون الحوزة وتأمين حقوق الناس. وكل هذه الآراء وتفاصيلها لا تشكل خطرا طائفيا أو سياسيا على أحد من المسلمين بقدر ما هي أساليب للعمل في مركز ديني مرجعي وتأريخي تجاوز عمره الألف عام.

والفرق بين المرجعيات الدينية الشيعية التي تتركز حول مراقد الأئمة في النجف والكاظمية وسامراء، أنها تعتبر النجف مركزها التاريخي بينما لا تتمتع الطوائف أو المذاهب الفقهية من غير الشيعة بمركز من هذا النوع في العراق تحديدا.

اختلاط المدن

ربما كانت أحداث الفلوجة والبصرة الأخيرة هي بعض من أول الغيث الذي سوف يفرز خلط الأوراق
الغالبية المطلقة من المدن العراقية مدن مختلطة تماما سواء في الطوائف أو القوميات ذات الاختلاط انسجاما أوجد انسجاما في المطالب الشعبية والأهداف السياسية وربما خلافا في العديد من التفاصيل ولكنه اتفاق على الأسس. ونادرا ما نرى مدينة عراقية لا تختلط فيها كل طوائف العراق من شمال العراق إلى جنوبه.

إن ما يحرك الناس في العراق اليوم -رأى الأميركيون ذلك أم لم يروه- هو تنفيذ المطالب الشعبية في عودة الحياة الطبيعية للناس، وأي خروج عن تنفيذ هذه المطالب سيكتشف الأميركيون أن النصر السهل الذي حققوه على نظام صدام الساقط لم يكن إلا بسبب رفض العراقيين جميعهم لذلك النظام، وأنه لن يكن نصرا لهم ولا سهلا أبدا، وربما كانت أحداث الفلوجة والبصرة الأخيرة هي بعض من أول الغيث الذي سوف يفرز خلط الأوراق.
ــــــــــــــــــ
* كاتب عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة