جذور الآلة العسكرية الأميركية   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ نبيل شبيب

- الاستعلاء نتيجة الإحساس بالتفرّد
- مقدّمات عتيقة وهجمة جديدة

- بين المادّة والقيم!

ليست سياسات بوش وفريقه من المحافظين الجدد سياسات مؤقتة منفصلة عن السياسات الأميركية عموما، فمع النقد الشديد لها من حيث تجاوزها للخطوط الحمراء الدولية أكثر من قبل، ومع ربطها بما صنع ويصنع تيار المحافظين الجدد بالذات منذ أواسط السبعينات الميلادية، لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان جذور البعد الإستراتيجي، الذي يبيّن أنّ التبدّل السياسي المحتمل من خلال تبدّل فريق الحكم يمكن أن يشمل الأساليب والوسائل، ولكنّه لا يغيّر كثيرا من الجوهر والأهداف والنتائج، وفي هذا تحذير مباشر لمن يعلّقون الكثير على نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، ويربطون قرارهم السياسي بها، أو يؤجّلونه بانتظارها.

الاستعلاء نتيجة الإحساس بالتفرّد
الأستاذ الجامعي الفرنسي فيليب جولوب يعيد السياسات الأميركية الحالية إلى عهد رونالد ريغان وتحوّله عن الانفراج الدولي إلى الهيمنة الإمبراطورية، دون أن يقف عند هذه الحقبة التاريخية، في حديثه عن "تحوّلات السياسة الإمبراطورية" في "لوموند ديبلوماتيك".

بروفيسور إرنست أوتو تشيمبيل، أحد المراجع في العلوم السياسية بألمانيا، يرى أنّ السياسة الأميركية تعمّدت نشر تصوّرات غير صحيحة في قضية "الإرهاب" لتنفيذ سياسة مخطّط لها من قبل. كما ورد في كتابٍ طرح تفجيرات نيويورك وواشنطن والردّ الأميركي عليها بمنظور منهج "العلوم السياسية".

المفكّر الموسوعي المسلم روجيه جارودي يعيد سياسة الهيمنة الأميركية التي صنعت وتصنع "فوضى عالمية جديدة" إلى البعد المادي المسيطر على صناعة القرار في منظومة الحضارة الغربية، والذي يرسّخ ما يعتبره ديانة جديدة يطلق عليها وصف "وحدانية السوق" الناجمة عن تطوّر اقتصاد السوق باتجاه السيطرة على صناعة القرار وطنيا وعالميا في مختلف الميادين في إطار حضارة مادية احتكارية تلغي الآخر "الحضاري"، كما يفصّل حول ذلك في كتابه "أميركا طليعة الانحطاط".


لم يكن التحرّك في اتجاه الهيمنة الأميركية وليد تصوّر سياسيّ يصنعه التعامل مع أحداث دولية أو تصوّر لدى رئيس أميركي دون آخر، إنما يمثّل نهجا ثابتا بغضّ النظر عن تبدّل الحكومات في واشنطن
ويمكن تعداد المزيد بالرجوع إلى ما أثاره فكر هينتنغتون تحت عنوان صدام الحضارات، وفوكوياما تحت عنوان نهاية التاريخ، أو ما كتبه ويكتبه نعوم تشومسكي الأميركي، وإيريك لوران الفرنسي، وكونراد زايس الألماني، وغيرهم كمجموعة المفكّرين الذين وقّعوا على رسالة "استغاثة" من عواقب الهيمنة الأميركية وقد بلغ عددهم 130 مثقفا (مارس/ آذار 2002).

لم يكن التحرّك في اتجاه الهيمنة وليد تصوّر سياسيّ يصنعه التعامل مع أحداث دولية من باب ردود الفعل عليها، ولم يكن وليد تصوّر سياسي لدى رئيس أميركي دون آخر، أو أجهزة حكم ديمقراطية وأخرى جمهورية، بل كان وليد تصوّرات يؤكّد تواترُها على ألسنة عدد كبير من السياسيين والمفكّرين، وعلى امتداد حقبة زمنية طويلة، أنّها تمثّل نهجا ثابتا بغضّ النظر عن تبدّل الحكومات في واشنطن.

كان ويلسون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية بين عامي 1913 و1921 عندما دعا إلى تجاوز الحدود الأميركية والانتشار عالميا من أجل "إنقاذ الأعراق البشرية الأخرى التي لا تزال في عمر الطفولة".. واعتُبر ذلك "موقفا إيجابيا" رغم تعبيره عن النظرة الاستعلائية الأميركية..

وكان آلبيرت بيفردج عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي خلال العشرينات الميلادية أوضح تعبيرا عندما قال "يجب أن نمتلك التجارة العالمية وسنمتلكها، وهذا ما يحقّق المصلحة للآخرين، فحضارتنا الأميركية يجب أن تضرب جذورها في كلّ مكان لا يزال الناس فيه يعيشون في ظلام دامس".

وآنذاك أيضا طرح هنري لوك، أحد أباطرة الصناعة الإعلامية الأميركية، دعوته إلى "أن يصبح القرن الميلادي العشرون قرنا أميركيا"..

ومثل هذه الأقوال يجد استمراريّته فيما ردّده ويردّده المحافظون الجدد وسواهم عندما يتحدّثون عن القرن الميلادي الحادي والعشرين بمنظورهم الأميركي، أو يزعمون نشر الديمقراطية والقيم الإنسانية "الأميركية" فيما يسمّونه "الشرق الأوسط الكبير" في محاولة نزع انتسابه إلى الإسلام وحضارته وإلى القوميات المحلية فيه، أو عندما يجعلون من السيطرة على منابع النفط وطرق إمداداته هدفا أساسيا لمسلسل الحروب الجارية الآن من البلقان حتى أفغانستان ومن العراق حتّى الهدف القادم من بعده، وهي الحروب التي سبق ذكرها مع ذكر هدفها الرئيسي وثائقيا منذ عام 1991 على الأقلّ.

وعلى الصعيد التطبيقي كان إقرار وثيقة المهام الجديدة لحلف شمال الأطلسي في قمّة واشنطن الخمسينية لتأسيس الحلف، وكان ذلك عام 1999 في عهد الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق كلينتون. وعندما حذّر وزير الخارجية الفرنسي الأسبق فيديرين مرارا من الهيمنة الأميركية في كلماته وتصريحاته الرسمية، كان يصنع ذلك في عهد كلينتون وليس في عهد بوش الابن.

وعندما شكا رئيس الوزراء الكندي كريستينان وانتقلت شكواه مصادفة عبر "ميكروفون مفتوح" إلى الأسماع أثناء قمّة أطلسية في مدريد، كان يشكو من سياسة كلينتون معبّرا عن ذلك بقوله "لقد أصبح تبنّي موقف المعارضة لسياسة كلينتون مدخلا إلى كسب أصوات الناخبين الكنديين".

هي سياسة "استعلاء" دائم، يعبّر عنه ريتشارد ديفيس، من المعلّقين المعروفين في صحيفة "هيرالد تريبيون" بقوله في أحد مقالاته "باستطاعتنا إملاء ما نريد على دول أخرى لصياغة سياساتها الخارجية، باستثناء دول مارقة مثل ليبيا، وسنجد على الدوام ما يكفي من القبائل التي تصنع ما نريد في تلك الدول".

ومن المنطلق الاستعلائي نفسه يتساءل المؤرّخ الأميركي رونالد ستيل "من ذا الذي يستطيع أن يتحدّانا الآن؟". ولهذا المنطق جذوره التي تفسّر عسكرة الهيمنة الأميركية بأنّها صادرة عن "أسطورة الإحساس الأميركي بالتفرّد في صفات يختلف بها عن سواه، وأدّت لديه إلى أسطورة أخطر هي الوهم بأنّه يتفوّق على الآخرين" على حدّ تعبير المؤرّخ الأميركي هنري ستيل كوامنيا.

مقدّمات عتيقة وهجمة جديدة

الهجمة العسكرية الأميركية الراهنة في المنطقة الإسلامية، لا تمثّل "حدثا جديدا" صنعته عملية إرهابية عام 2001، إنّما هي نتيجة حتمية لتحوّل نوعيّ في المواجهة من عدوّ شيوعي إلى مواجهة عدوّ بديل
كل خطوة جديدة خطاها "المحافظون الجدد" كانت لها مقدّماتها من جانب أسلافهم، بدءا بمشروع الدرع الصاروخي في عهد بوش الابن وخروج واشنطن من معاهدة 1972 عن الصواريخ الدفاعية البعيدة المدى, مرورا برفض المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية وانتهاء بإعلان "محور الشرّ" و"الدول المارقة" على ألسنة سادة "البيت الأبيض" المتأخّرين، والذي سبقه الإعلان عن عناوين مشابهة على ألسنة الأقدمين، أشهرها وصف ريغان للاتحاد السوفياتي بإمبراطوريّة الشرّ..

وحتى نهج "الحرب الاستباقية" سبقته مراحل عديدة في الاتجاه نفسه لتصعيد عسكرة الهيمنة الأميركية، وكان في الذروة من ذلك تثبيت نهج "الضربة النووية الأولى" منذ ربع قرن، والأخذ بالتدريبات العسكرية للجنود الأميركيين على استخدام "السلاح النووي وسواه من أسلحة الدمار الشامل ضدّ الإرهابيين"، وكان ذلك عام 1996.

ولا تمثل هذه الجذور على امتداد عدّة عقود سوى مرحلة "حديثة" لها جذور أعمق في القرون الماضية، وفي طبيعة تكوين الحضارة المادية الأميركية، حتى استطاعت الولايات المتحدة الأميركية خلال قرنين ونيف فقط أن تجمع سجلاّ حافلا بالحروب والنزاعات الدموية خارج حدودها، تجاوزت به، كمّا ومضمونا دمويا، سائر ما عرفته الأمم القديمة معا، وسائر ما عرفه سجّل الدول الاستعمارية الأوروبية مجتمعة لعدّة قرون..

إنّ الهجمة العسكرية الأميركية الراهنة في المنطقة الإسلامية لا تمثّل بهذا المنظور الفكري والتاريخي لعسكرة الهيمنة الأميركية "حدثا جديدا" صنعته عملية إرهابية عام 2001، أو سياسة طارئة تحت تأثير النفوذ الصهيوني على صناعة القرار الأميركي، إنّما هي نتيجة حتمية لتحوّل نوعيّ في المواجهة التي كانت تعتمد على عدوّ شيوعي إلى مواجهة عدوّ جديد، لا بدّ من وجوده ولو باصطناعه، لتطبيق المنهج العدوانيّ القائم أصلا، والذي يعتمد فيما يعتمد على ضرورة "التعبئة الدائمة" للشعب الأميركي لخوض الحروب، كما يراها المحافظون الجدد، وسيلة لتحقيق أهداف الهيمنة، وفق "دليل السياسة الدفاعية" الذي وضعه وولفويتز ولويس ليبي بين عامي 1992 و1994 بإشراف ديك تشيني، وهو أوّل من أطلق عبارة "الإسلام عدوّ بديل" عام 1991، وكما عبّر عن ذلك وليم كريستول، المنظّر الحالي للمحافظين الجدد، بقوله "إنّها علامة جيّدة على الدوام عندما يكون الشعب الأميركي مستعدّا لخوض الحرب".

بين المادّة والقيم!
ولا يكمن جوهر هذا التحرّك العدواني في البعد "العسكري" بمعنى الردّ على خطر فعلي على الولايات المتحدة الأميركية داخل حدودها، ولكن كما يقول جارودي، ستعمل عقيدة "وحدانية السوق" على تهشيم مقاومة كلّ هؤلاء الذين حافظوا على نظامٍ آخر للقيم يختلف عن القيم التجارية، والذين بدفاعهم عن حريّتهم يدافعون عن معنى الحياة. ويرى جارودي أنّ هذا هو المغزى الحقيقي لما تنبّأ به هينتنغتون تحت عنوان صدام الحضارات.

ويلتقي بذلك واقعيا مع مَن يعتبر شعار "الحرب على الإرهاب" ذريعة، كما قال فرانس شورمان، الأستاذ الجامعي في كاليفورنيا سابقا "إنّ واشنطن لا تتورّع عن اتخاذ الإرهاب الدولي ذريعة لشنّ حرب كبرى ضدّ الإسلام والمسلمين بدأتها في السودان وأفغانستان". مشيرا بذلك إلى الهجمات الصاروخية على البلدين في عهد كلينتون، وليس في عهد بوش الابن وفريقه من المحافظين الجدد والمسيحيين التوراتيين.

لقد ساهمت ثورة الاتصالات والمعلومات في طرح الأسئلة عن الإسلام وقيمه، وتعامله مع قضايا تشغل المجتمعات الغربية، لا سيّما الأميركي داخليا، حتّى في مجال التقدّم المادي، بسبب الخلل الاجتماعي إلى درجة أنّ الارتفاع السنوي للدخل الفردي الأميركي على سبيل المثال لم يصل على امتداد ربع قرن كامل، إلاّ إلى أقلّ من ربع السكان الأميركيين.

وكلّما ازدادت الهيمنة المادية رسوخا داخل الحدود وخارجها ازداد انتشار الفقر، فارتفعت نسبته من 20 إلى 30% من الأطفال الأميركيين خلال السنوات العشر لآخر موجة من موجات الازدهار الاقتصادي، بمعنى "نموّ حجم الإنتاج" الأميركي، والتي انتهت مع نهاية عهد كلينتون.

إنّ "الخطر" الإسلامي بهذا المنظور هو خطر على الهيمنة الاحتكارية التي يمارسها ربّما أقلّ من 5% من السكان الأميركيين الذين لا يزيد عددهم على 5% من البشرية على أكثر من 70% من الثروات البشرية، وهم مصدر أكثر من 25% من سموم البيئة وأكثر من 40% من التجارة بالأسلحة عالميا!.


ليس السؤال المطروح هو كيف ينبغي التصرّف لدفع "الحضارة المادية تحت الهيمنة الأميركية" إلى السقوط والانهيار، وإنّما يجب أن يتركّز على كيفية إنقاذ حصيلة التقدّم البشري في مسيرة الحضارات البشرية المتعاقبة
ويضاف إلى ذلك جانب القيم مقابل تفشّي أمراض اجتماعية قديمة وجديدة، بدءا بتصاعد الاعتداء الجنسي على الأطفال والنساء، وحتّى ما يُسمّى "تجارة الرقيق الأبيض"، إلى جانب المخدّرات وانتشار الجريمة.

و"الخطر" الإسلامي بهذا المنظور هو طوق نجاة للأميركيين وسواهم، وربّما نشرت إرهاصات شيوع الحديث عن ذلك ناقوس الخطر فانطلقت حملة جديدة لتعبئة الشعب الأميركي، وراء إطلاق الحرب العالمية الأميركية الراهنة، ضدّ البلدان الإسلامية على وجه التخصيص.

إنّ السنّة التاريخية من وراء صعود "الإمبراطوريات" وانهيارها، تنطبق على الولايات المتحدة الأميركية وهيمنتها العسكرية وغير العسكرية، مثلما انطبقت على أمثالها –مع اختلاف الظروف الزمنية- من إمبراطوريات تاريخية نهضت حضاريا على تراكم الإنجازات المادية والتقنية، وانهارت نتيجة "قتل الإنسان" داخليا بمختلف أساليب الاسترقاق والاستغلال القديمة –ولعلّ الحديثة أشدّ وطأة وأثقل- وبمختلف وسائل القهر العسكري خارجيا.

وليس السؤال المطروح هو كيف ينبغي التصرّف لدفع "الحضارة المادية تحت الهيمنة الأميركية" إلى السقوط والانهيار، وإنّما يجب أن يتركّز على كيفية إنقاذ حصيلة التقدّم البشري في مسيرة الحضارات البشرية المتعاقبة، والحيلولة دون أن تسوقها الهيمنة العسكرية الأميركية إلى الانهيار الذي يسبّب –إذا وقع- أضرارا كبرى تلحق بالأميركيين داخل بلادهم وبالبشرية جمعاء خارج حدودهم.

لم يعد مستقبل الإنسان ومستقبل البشرية مرتبطا بمدى الارتباط بعجلة الآلة العسكرية الأميركية، وإنّما بمدى التخلّص من الارتباط التبعيّ بها.
ـــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة