الواقع السياسي الأميركي من منظور توكوفيل   
الاثنين 25/11/1426 هـ - الموافق 26/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 21:13 (مكة المكرمة)، 18:13 (غرينتش)
الطيب بوعزة
 
لفهم السياسة المنتهجة من قبل دولة من الدول الكبرى التي لها حضور ونفوذ في العلاقات الدولية، ثمة مداخل منهجية متعددة يمكن انتهاجها، منها متابعة هذه السياسة في صيرورتها اليومية، وتحديد مواقفها والمؤثرات الداخلية والخارجية الفاعلة في صياغتها. وهذا المدخل يدفع إلى التركيز على الآني واللحظي، ومتابعة الحدث اليومي بالتفكير والتعليق، وهذا ما تقوم به التعاليق الصحفية.
 
لكن ثمة مدخل آخر يستدعي تجاوز الآني بقصد الانتقال إلى التفكير في المحددات الفكرية الكبرى المؤسسة للوعي والفعل السياسيين. ومثل هذا المدخل يستلزم من أجل صياغته استحضار التاريخ والمثل الفكرية والقيم الثقافية التي أسهمت في صياغة الوعي السياسي ونظم مواقفه.
 
"
مشروع توكوفيل لا يخلو من تقريظ بالغ للمجتمع الأميركي، لكنه أيضا سجل العديد من المحاذير أولها التناقض الإثني الموجود بين السود والبيض، وثانيها احتمال انقلاب هذا المجتمع إلى الفردانية فينتهي إلى السقوط في الاستبداد وانتفاء الحرية
"
من هذا المدخل نريد أن ننظر إلى الوعي السياسي الأميركي للكشف عن محدداته الثقافية والتاريخية. وللتأسيس لهذا المدخل يحسن بنا أن نستحضر الكتابات التي تناولت بالبحث المجتمع والسياسة الأميركيين.
 
وفي مقالنا هذا سنركز بالأساس على كتاب "الديمقراطية في أميركا" للسوسيولوجي الفرنسي ألكسيس دو توكوفيل (1805-1859)، إذ يعد بحثه هذا أقدم دراسة سوسيولوجية للواقع الثقافي والسياسي الأميركي، حيث أنجزها عام 1831.
 
ثم نختم بالتعريج على دراسة مغايرة أنجزها هربرت مركيوز عام 1964 أي بفارق يزيد قليلا على 130 عاما، وهو فاصل زمني مقصود يمنحنا فرصة معاينة واختبار بعض التنبؤات والمحاذير التي سجلها توكوفيل لنرى هل تحققت أم لا.
 
لكن العود إلى توكوفيل من أجل فهم الواقع السوسيولوجي والسياسي الأميركي لا يعد في نظري ارتحالا إلى الماضي، إذ نستطيع أن نقول ونؤكد أن كثيرا من الملحوظات التي بلورها هذا المؤرخ الفرنسي لا تزال تحتفظ براهنيتها رغم مرور أزيد من 170 عاما على كتابتها!
 
عندما نشر توكوفيل كتابه هذا في فرنسا تلقته النخبة الفرنسية بحفاوة بالغة، وتحول اسم المؤلف الذي كان من قبل نكرة إلى اسم لامع دارج على ألسن المثقفين، بل تحدث البعض عن ميلاد مونتيسكيو جديد بسبب ما لاحظوه في كتابه من اقتدار على تحليل النظم السياسية والكشف عن محدداتها الثقافية.
 
بيد أنني أضيف أن هذه التسمية التي أعطيت لتوكوفيل لم تكن مجرد احتفاء أو تقريظ، بل ثمة قرابة واضحة على مستوى الرؤية المنهجية بينه وبين مونتيسكيو، حيث تبنى توكوفيل منهجية صاحب "روح القوانين" في قراءة وتحليل النظم السياسية والاجتماعية.
 
ومعلوم أن النظام السياسي حسب مونتيسكيو نتاج مجموعة عوامل يختصرها ويرتبها من العامل الأقل تأثيرا إلى الأكثر نفوذا وقوة على النحو التالي: الوسط الجغرافي، التجربة التاريخية، القوانين، المعتقدات.
 
"
يرى توكوفيل أن من الأسباب التي ساعدت على نجاح الديمقراطية في أميركا على عكس فرنسا، خلو الولايات المتحدة من الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية
"
وبالعود إلى كتاب توكوفيل نلاحظ أنه اعتمد ذات الترتيب التفاضلي منتهيا إلى أن المحدد الأهم عنده هو المعتقد، فما هي خلاصة تشغيله لهذا المنظور المنهجي في دراسته للواقع السوسيولوجي السياسي الأميركي؟
 
أولا إن الناظر في المشروع الذي أنجزه توكوفيل سيلاحظ أنه لا يخلو من تقريظ بالغ للمجتمع الأميركي وتجربته الديمقراطية ونظامه الفدرالي، فهو في رؤيته لا يكتفي بالسمت المنهجي المعهود في البحث السوسيولوجي الذي يقوم على تسجيل المعطيات والاكتفاء بالوصف والاحتراز من إصدار أحكام القيمة، بل ثمة صفحات عديدة في كتابه تطفح بأحكام معيارية.
 
والواقع أن الهاجس الذي كان يحرك توكوفيل ويشغل وعيه ليس مجرد إنجاز بحث وصفي للمجتمع الأميركي، بل كان الهاجس هو الإجابة على سؤال: ما سبب نجاح التجربة الديمقراطية الأميركية وتحقيقها لمطلب الحرية، وفشل التجربة الديمقراطية الفرنسية؟
 
هذا هو السؤال/الهاجس الذي استصحبه معه توكوفيل من فرنسا عام 1831، عازما على الإتيان بالجواب عليه من وراء البحار. إنه يريد لبحثه أن يكون صياغة للدرس الأميركي الواجب على النخبة السياسية الفرنسية الاستفادة منه.
 
وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الأطروحة التي ينطلق منها توكوفيل بوصفها حقيقة لا بوصفها فرضية للتأكيد أو النفي، لنستصحب هذا السؤال ولنتأمل الإجابة التي بلورها هذا المونتيسكيو الجديد.
 
يرى توكوفيل أن من بين الأسباب التي ساعدت على نجاح الديمقراطية في أميركا -على عكس فرنسا- خلو الولايات المتحدة من الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية. والسبب في ذلك راجع إلى الوسط الجغرافي لأن وجود هذه الطبقة يرتهن بندرة الأرض، بينما لا وجود لهذه الندرة في الواقع الأميركي بسبب شساعة الأرض وقلة السكان.
 
وثمة عامل ثان كان له دور في تشكيل الهوية الثقافية والسياسية لأميركا وهو العامل التاريخي، ويستحضر توكوفيل هنا الأصول البوريتانية للمهاجرين الأوائل الذين عانوا من الاضطهاد الديني في أوروبا فحلموا بمجتمع الحرية، وحاولوا الحفاظ عليها كقيمة أساسية عند بنائهم لمجتمعهم الجديد.
 
"
التعدد والانقسام الحزبي في الواقع الأميركي لا يتم بناء على فوارق أيدولوجية كما هو الحال في فرنسا، إذ ليس ثمة خلاف فكري بين الأحزاب الأميركية
"
وبالإضافة إلى هذين العاملين السابقين ثمة عوامل أخرى أسهمت في إكساب الواقع السياسي الأميركي قيم الحرية، منها العامل القانوني. ففي تقييمه للنظم القانونية يثمن توكوفيل النظام الفدرالي، حيث يرى أن الدول التي تتميز بقلة عدد سكانها هي الأكثر حرية وسعادة.
 
لكن ثمة نقص يميزها هو أنها بسبب قلة عدد السكان تكون ضعيفة وعرضة للتهجم عليها من قبل الدول التي تعرف كثافة سكانية أعلى لأنها تكون أقوى.
 
وإذا كانت الكثافة السكانية واتساع المساحة تكسب المجتمعات قوة فإنها في المقابل تجعلها تعيسة، لذا يقول توكوفيل: كي نجمع بين إيجابيات المجتمعات الصغيرة والأمم الكبرى ونبرأ من نقائص كل نوع منهما، ليس هناك أفضل من النظام الفدرالي.
 
ثم يؤكد أن ثمة اختلالا على المستوى القانوني يلازم المجتمعات/الدول الكبرى التي لا تنتظم وفق التوزيع الفدرالي، حيث يكون المشرع ملزما بصياغة قانون يشمل ويهيمن على كل مناطق المجتمع، الأمر الذي يخلص به في النهاية إلى وضع قانون لا يتناسب مع العديد من البيئات بحكم اختلافها.
 
أما في المجتمع الفدرالي -في نموذجه الأميركي- فقد لاحظ توكوفيل أن تشريع القوانين يراعي خصوصية كل منطقة (فدرالية)، الأمر الذي يجعله أكثر نجاعة وفعالية.
 
وعلى مستوى الواقع السياسي يشير توكوفيل إلى أن التعدد والانقسام الحزبي في الواقع الأميركي لا يتم بناء على فوارق أيدولوجية كما هو الحال في فرنسا، إذ ليس ثمة خلاف فكري بين الأحزاب الأميركية، ولهذا تجد الأحزاب نفسها مرغمة على التفكير والاختلاف والاتفاق فيما بينها على أمور براغماتية عملية تتعلق بكيفية تسيير المجتمع ومعالجة مشكلاته، وليس على أساس اختلاف أيدولوجي.
 
إن غياب التضاد الفكري جعل الممارسة الحزبية الأميركية تنصب على الاهتمام بقضايا عملية بدل الإغراق في نقاش الخلافات النظرية.
 
"
يلاحظ أن نجاح أميركا في تجسيد الليبرالية كان ناتجا عن دعمها من قبل الدين، بينما عجزت فرنسا عن ذلك بسبب تصارع المؤسسة الدينية مع المؤسسة السياسية، وهو ما لم يشهده التاريخ الأميركي
"
قلنا من قبل إن توكوفيل ينتهج منهجية مونتيسكيو في قراءة وتحليل النظم السياسية، ومعلوم أن الأخير يعطي للقيم والمعتقدات دورا مركزيا ومحددا في تشكيل سياسة مجتمع ما، وهنا لابد أن نتساءل: ما هي هذه القيم والمحددات العقدية التي رسخت النزعة الديمقراطية والليبرالية في المجتمع الأميركي حسب توكوفيل؟
 
المحدد الأول هو الدين حيث يلاحظ أن نجاح أميركا في تجسيد الليبرالية كان ناتجا عن دعمها من قبل الدين، بينما عجزت فرنسا عن ذلك بسبب تصارع المؤسسة الدينية مع المؤسسة السياسية وهو ما لم يشهده التاريخ الأميركي، فالمهاجرون الأوائل (البوريتانيون) تشكل وعيهم الديني في أوروبا كوعي طالب للحرية، وكانت تجربتهم هناك تجربة معاناة من الاستبداد والتسلط، بل إن هروبهم إلى أميركا لم يكن سوى هروب من إسار السلطة الاستبدادية وطلب لواقع مغاير يحفظ الحرية.
 
لذا لا غرابة أن تكون قيمة الحرية مقدسة في وجدانهم، فاشترك في الحفاظ عليها الحقل الديني والحقل السياسي على حد سواء.
 
هذا التحليل الذي قدمه توكوفيل للديمقراطية الأميركية مثقل بعبارات الإطراء والتقريظ، لكن نلاحظ أنه سجل العديد من المحاذير وأبصر الكثير من الإشكالات التي تعتور الواقع السياسي والاجتماعي الأميركي، أولها التناقض الإثني الموجود بين السود والبيض، وثانيها احتمال انقلاب هذا المجتمع إلى الفردانية فينتهي إلى السقوط في الاستبداد وانتفاء الحرية.
 
ويمكن القول إن هذه المحاذير التي رآها توكوفيل وهي في طور البذور والإرهاصات، قد تحولت من بعده إلى واقع ملحوظ. ففيما يتعلق بالتناقض الإثني يمكن أن نحيل هنا إلى دراسات سوسيولوجية عديدة أبرزت هذا الشرخ الاجتماعي الذي يكشف زيف الحرية والمساواة التي يرفعها المجتمع الأميركي. بل ينضاف إلى إشكالية السود، إشكال إثني آخر آت من الأميركيين ذوي الأصول الإسبانية/المكسيكية، وهو ما خصص له صمويل هنتنغتن كتابه "من نحن؟" الصادر عام 2005.
 
"
  الواقع السياسي الأميركي يخلو من المعارضة، فالمجتمع مغلق من الناحية السياسية ويكفي النظر في المشهد الحزبي الأميركي الذي يعرف تبادل الأدوار بين حزبين يلعبان دور المعارضة لبعضهما البعض مع أنهما متماثلان 
"
أما فيما يتعلق بالحرية التي قد تنقلب إلى استبداد فيمكن أن نشير هنا إلى دراسة رائدة أنجزها هربرت مركيوز في كتابه "الإنسان ذو البعد الأحادي"، حيث يبلور رؤية نقدية مغايرة لما سجله توكوفيل من تقريظ وإطراء في حق الاجتماع الأميركي.
 
فما رآه صاحب كتاب "الديمقراطية في أميركا" عام 1931 مجرد محاذير قد تتجسد، نظر إليه مركيوز عام 1964 بوصفه واقعا مجسدا وملحوظا في النسيج الثقافي والسياسي الأميركي.
 
وفي تحليله للمجتمع الصناعي -في نموذجه الأميركي- يخلص مركيوز إلى أن هذا المجتمع نمط جديد في الاستبداد، إنه مجتمع بلا معارضة! فالواقع السياسي الأميركي يخلو من المعارضة، إنه مجتمع مغلق من الناحية السياسية.
 
وللاستدلال على ما سبق يكفي النظر في المشهد الحزبي الأميركي الذي يعرف تبادل الأدوار بين حزبين اثنين يلعبان دور المعارضة لبعضهما البعض مع أنهما متماثلان! إذ يقول مركيوز إن برامج الأحزاب الأميركية بلغت درجة من التماثل تبدو غريبة ومضحكة!
 
لكن مركيوز لا يقصد بغياب المعارضة هنا ذلك المدلول السياسي المعهود، بل هي أطروحة أوسع وأشمل من أن تختزل في الحقل السياسي، إنها دالة على أفول الوعي النقدي وانتفائه من كل الصعد المجتمعية سياسية كانت أو فكرية، حيث يقول "إننا لنواجه هنا واحدا من أكثر مظاهر المجتمع الصناعي المتقدم مدعاة للأسف: الطابع العقلاني للاعقلانية، بحيث تبدو كل معارضة مستحيلة"!
 
إن إفلاس هذا المجتمع هو أن كل فكرة تغييرية أصبحت فيه مجرد يوتوبيا، أي فكرة حالمة غير قابلة للاستنزال إلى الواقع.
 
وقد صدق مركيوز، فهاهو فوكوياما يقدم في كتابه "نهاية التاريخ" الصادر عام 1989 نموذجا فجا لهذا العقل الأميركي الأحادي الكسيح، الذي تعطلت فيه القدرة على التفكير والتخييل والحلم، فتصور المجتمع الليبرالي في نموذجه الأميركي بوصفه التتويج النهائي لتاريخ تطور وارتقاء الإنسانية، وأكمل نموذج مجتمعي أنتجه الفكر الإنساني، وأنه حقيق أن نعلن به نهاية التاريخ، أي زوال أي إمكانية للتحول النوعي في كل ما يستقبل الإنسان من أزمنة! فهل هناك تنميط وإفلاس في الفكر أقبح من هذا؟!      
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة