الإصلاح بمناسبة العنف في الأردن   
السبت 1426/11/16 هـ - الموافق 17/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:44 (مكة المكرمة)، 12:44 (غرينتش)

إبراهيم غرايبة

- عنف معولم أكثر مما هو محلي
- إصلاح غامض وإغراق إعلامي
- السياق الحقيقي لمواجهة التطرف

شكلت أحداث الإرهاب التي وقعت مؤخرا في الأردن بيئة مناسبة لتحريك الإصلاح ومراجعة كثير من المسائل والقضايا التي كان الاقتراب منها يدفع إلى الحذر والشك، رغم أنها لم تكن متصلة بحالة تطرف في الأردن.

وهناك تأكيد متواصل على أن تشكيل الحكومة الجديدة، وحل مجلس الأعيان وإعادة تشكيله مرة أخرى، وتغيير عدد من المناصب القيادية الأخرى مثل رئاسة الديوان الملكي كان يعد لها قبل الأحداث، ولكن رغم ذلك لا يمكن فصل التغييرات السياسية عن الأحداث.

"
مواجهة العنف والإرهاب تبدأ باعتبار الظاهرة قضية عالمية مثل الأوبئة والمخدرات والتلوث والجريمة العالمية المنظمة، وبتصنيف العمل في مواجهتها ضمن النشاط الإنساني الاجتماعي والأمني
"

عنف معولم أكثر مما هو محلي
لم يكن الأردن مسرحا للعنف الدموي والخطر طوال العقود الماضية، ولم يكن في حالة مواجهة قاسية مع جماعة إرهابية أو سياسية منظمة، فقد كانت جميع العمليات السابقة التي أعلن عن وقوعها في الأردن تعود إلى مجموعات محدودة غير منظمة تحاول أن تضر بمؤسسات وقيادات سياسية وأمنية ودبلوماسية.

وكان عدد المعتقلين في قضايا الإرهاب محدودا بالعشرات، وكانت نتائجها أيضا محدودة، ويغلب عليها مشاركة غير الأردنيين.

بدأت عمليات الإرهاب في الأردن منذ عدة سنوات تعتمد في تنفيذها وتخطيطها على غير الأردنيين.

وكانت عملية تفجير الفنادق، وقبلها عملية العقبة، "غير أردنية" بامتياز، لا تخطيطا ولا تنفيذا ولا لوجستيا، ولكن مازال الأردنيون، على الأقل حتى 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، يؤيدون العنف في العراق، وكان ثمة استعداد لدى البعض للتطوع في العراق.

فهل ستكون العمليات الأخيرة نقطة انعطاف وتحول لدى الأردنيين تجاه العنف في جميع أنحاء العالم؟ وهل سيبدأ التمييز المنهجي والعلمي بين المقاومة والعنف الشامل والغبي الأعمى تحت غطاء المقاومة؟.

لقد بدأ التحول الأردني تجاه العنف قبل عمليات الفنادق التي جرت في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2005 بدليل انحسار المشاركة الأردنية في العنف في السنوات الخمس الماضية.

وربما يكون ذلك قد حدث في تطور طبيعي ومتدرج، ناشئ عن مجموعة من التفاعلات والسياسات والبيئة السياسية والاجتماعية العامة، وهو ما حدث أيضا في دول أخرى، بل إن جماعات كثيرة أجرت مراجعات مهمة في تفكيرها وسياساتها ومواقفها.

ويمكن اليوم القول بقدر كبير من الاطمئنان إن موجة العنف والإرهاب متجهة إلى الانحسار، وإن العمليات الأخيرة تؤكد أنها تعاني من إفلاس سياسي وفكري وأخلاقي، وأنها تنحدر نحو العزلة والعداوة مع المجتمعات التي يفترض أنها تمثل المجال الذي تستمد منه قوتها وتأثيرها.

لكن العنف السياسي والإرهاب لم يعودا قضية محلية متعلقة بالسياسات والمواقف المتبعة في دولة ما، ولا يمكن فهمهما أو تحليلهما وفق معلومات وسياسات ومدخلات وطنية محلية، بل يجب التعامل معهما ومواجهتهما على أنهما قضية العالم كله.

فالأردن يبدو في مواجهة مع جماعات معولمة لا تستهدف سياساته ومواقفه بالتحديد، ولكنها حالة عالمية متداخلة.

ومواجهة العنف والإرهاب تبدأ باعتبار الظاهرة قضية عالمية مثل: الأوبئة، والمخدرات، والتلوث، والجريمة العالمية المنظمة، وبتصنيف العمل في مواجهتها ضمن النشاط الإنساني الاجتماعي والأمني.

ولم تعد دولة بمفردها قادرة على مواجهة الظاهرة، ولا يمكن أيضا مواجهتها أمنيا، بل إن النجاح والتقدم الأمني قد يكون أحد أسباب توجه العنف نحو الجنون ومزيد من الخطورة والرعب.

وبالطبع، فإن حداثة الظاهرة بالنسبة إلى غيرها من الظواهر العالمية، ستجعل بدايات المواجهة مرتبكة أو غير شاملة، ولكن كما طورت التجارب والقدرات والإجراءات الأمنية، فإن العمل الاجتماعي والفكري في مواجهة العنف والإرهاب يمكن أن يكتسب الخبرات المتراكمة والشرعية والقبول أيضا.

"
الذين يدافعون عن قتل المدنيين وتفجير المؤسسات والمحلات التجارية والمطاعم في العراق يحتاجون إلى مراجعة ذاتية صريحة مع أنفسهم، ليفهموا أن مواقفهم كانت معزولة عن الشعور بالألم الحقيقي والمعاناة التي يعيشها الناس في العراق
"

ولكن يجب الالتفات هنا إلى الإنجازات المهمة والحكمة المتبعة على مدى العقود الماضية والإيجابيات التي يخشى عليها، فقد تؤدي سياسات المراجعة والإصلاح إلى عكس أهدافها.

وربما كانت السياسة العامة المتبعة من أسباب انتشار الوسطية والاعتدال السائدة اليوم في الأردن، ومن ملامحها تبعية المساجد الإدارية والمالية والأوقاف للدولة.

لكن العملية الإرشادية بعامة تتضمن قدرا كبيرا من الاستقلالية للأئمة والخطباء والمرشدين، ربما يوجّهُ العمل ضمن محاذير وخطوط حمراء، ولكنه يتحرك مستقلا في دائرة واسعة، ويختار بحرية واسعة مضمون ومنهاج العملية الإرشادية، وهنا تقع حالة من الفوضى والفشل.

فالتدخل الإيجابي يمكن أن يأتي في سياق التطوير العلمي والمنهجي للعملية الإرشادية، لا التدخل المباشر وممارسة ضغوط على الأئمة والدعاة.

ولكننا نحن الأردنيين بخاصة نحتاج اليوم إلى أن نواجه أنفسنا بأسئلة أكثر صراحة وقسوة: فمن يستنكر ويرفض ما حدث في عمان في التاسع من نوفمبر هو نفسه من كان يؤيد العنف الأعمى في العراق، ولم يكن يميز بين العراقيين والمحتلين، ولا بين المدنيين والعسكريين!.

وكان هناك من يرى أيضا في كثير من العمليات الانتحارية شجاعة وشهادة، برغم غرابتها وشذوذها وعماها في أغلب الحالات والمواقف.

صحيح أن ثمة فرقا بين ما يحدث في العراق والأردن، ولكنه فرق لا يسمح بقبول وتأييد العنف الشامل والأعمى، الذي روع العراقيين ودمر حالة الاستقرار والأمن وقدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية التي يحتاجها جميع الناس ولا يستغنون عنها.

بل إن ذلك العنف أطلق حالة من الفوضى وعصابات السلب والخطف والفساد، حتى إن حوالي نصف القتلى المدنيين في العراق يعود سبب مقتلهم إلى عمليات جنائية وشخصية لا علاقة لها بموقف سياسي للقاتلين والمقتولين.

واليوم، فإن أولئك النفر الذين يدافعون عن قتل المدنيين، وتفجير المؤسسات والمحلات التجارية والمطاعم في العراق يحتاجون إلى مراجعة ذاتية صريحة مع أنفسهم، وأن يلاحظوا أن مواقفهم كانت معزولة عن الشعور بالألم الحقيقي والمعاناة التي يعيشها الناس في العراق وفي كل مسارح العنف.

ولنعترف اليوم أن التضحية بالعراق والعراقيين لأجل ضرب الولايات المتحدة -كما كان البعض يبرر ما يدور في العراق- هي حالة من المرض والهوس لا تقل عما يعاني منه الإرهابيون والمتطرفون أنفسهم، وأنها تقريبا حالة واحدة.

لقد نشأ هذا العنف في مسار يشبه الزاوية الحادة التي تبدأ بافتراق قليل بسيط عن الأصل، ولكنها مع الزمن والممارسة تصل إلى نقطة بعيدة عن الأصل المفترض أنها ترجع إليه.

"
الحكومات لديها قدرة وكفاءة عالية على جمع الضرائب وتقنينها، تجعل الحديث عن تراجع دور الدولة وتعاظم المجتمعات المدنية والعولمة خرافة مضحكة، إذ أن التراجع لم يكن إلا في التعليم والصحة والرعاية
"

إصلاح غامض وإغراق إعلامي
رغم أن المواطن الأردني والعربي أيضا يعرف تماما ما يحتاج إليه ويتوقعه مقابل الضريبة التي يدفعها، فإنه يخضع لإغراق إعلامي في قضايا بعيدة وملتبسة تثير شكوكه وحيرته، وتزيد العبء النفسي والاقتصادي عليه.

فالمواطنون ببساطة وبداهة يتطلعون إلى العدالة في الفرص والضرائب، والتمتع بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية، وأن يشاركوا بالفعل في صياغة مستقبلهم وخياراتهم.

يستمع المواطنون في ندوات ومؤتمرات وتصريحات إلى أفكار كثيرة عن الإصلاح والديمقراطية، ولكن تساؤلاتهم تقع في سياق آخر فهم مشغولون بمستوى التعليم والمدارس، ويغرق البلاد والعباد شباب مدللون بالحديث عن تشجيع السياحة والاستثمار، ولكن الناس تتساءل وتفكر في التعليم والسكن المناسب والتغذية والصحة والمرض واللباس.

ثمة حريات متاحة للأحزاب والصحف والنشر، ولكن المواطنين لا يملكون القوة والفرصة للتنعم بالحريات والديمقراطية المتاحة، فالفقراء يخافون ويشعرون بالقلق على مستقبلهم ومصيرهم حتى في الدول المتقدمة في مجال الحريات، إذ أن الديمقراطية في حالتها الراهنة مثل سلعة أنيقة وجميلة، صحيح أنها متاحة، ولكن إتاحتها لا تختلف عن المجوهرات المعروضة والمتاحة في السوق!.

ومرحلة المعرفة التي تعد الحكومة بدخولها تقتضي بالضرورة معلمين مؤهلين يجدون الفرصة لحياة كريمة، ولا يمكن أبدا في الظروف الحالية للمعلمين في المدارس الحكومية والخاصة أن يحلموا بالمعرفة حتى لو أغرقنا المدارس بالحواسيب والمجتمع والبوادي والغابات بشبكة الإنترنت.

وبالطبع فإن مائة ألف معلم يتساءلون عن علاقة الإصلاح والديمقراطية والإنفاق الحكومي والنمو الاقتصادي بفرص حصولهم على مستوى لائق من الحياة الكريمة.

الحكومات لديها قدرة وكفاءة عالية على جمع الضرائب وتقنينها، تجعل الحديث عن تراجع دور الدولة وتعاظم المجتمعات المدنية والعولمة خرافة مضحكة، إذ أن التراجع لم يكن إلا في التعليم والصحة والرعاية.

والدولة لا تملك إجابات واضحة ومقنعة عما تفعل بهذه الضرائب أو كيف توزع أعباءها على المواطنين، وتكاد الخريطة الإصلاحية تكشف عن تحالف بين الحكومة والشركات الكبرى والأغنياء ضد المجتمع.

فالإعفاءات والتسهيلات لا تفيد سوى الأغنياء، والضرائب المتسعة والمتزايدة تطال الطبقات الوسطى والفقيرة، والتشريعات تسهل على الشركات والمستثمرين وتضيق على العمال والمواطنين.

"
شغلت الحكومة في استخدام اللحظة المتاحة بسبب التعاطف والإجماع الوطني بعد الأحداث لتوظيفها السياسي وانشغلت بها في صيانة واستدراك الخسائر الناشئة عن سياسات وبرامج أخرى
"

السياق الحقيقي لمواجهة التطرف
ركز الخطاب الحكومي كثيرا على مواجهة التكفير والتطرف، ولكن معركة الإعلام والإرشاد لا تتعامل إلا مع قمة جبل الجليد.

صحيح أن حملة التصدي والإدانة للأفكار والممارسات المتطرفة شاركت في إنشاء حالة من الإجماع الوطني، واصطفاف الرأي العام الوطني والعالمي في مواجهة التطرف والعنف، ولكنها أيضا كانت الجزء السهل من السياسات العامة الوطنية المفترضة، فالقضية ابتداء كانت حقا واضحا في مواجهة جريمة شنيعة.

وقد شغلت الحكومة في استخدام اللحظة المتاحة بسبب التعاطف والإجماع الوطني بعد الأحداث لتوظيفها السياسي والإعلامي وانشغلت بها في صيانة واستدراك الخسائر الناشئة عن سياسات وبرامج أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية.

فكأن الإجماع الوطني في مواجهة العنف يعني تأييد البرامج والسياسات التي فشلت في تنمية الموارد ورفع مستوى المعيشة ومواجهة البطالة ووقف تدهور الخدمات التعليمية والصحية، وقصور الرعاية الاجتماعية، وتهميش فئات واسعة من المواطنين، وغض الطرف عن الإصلاح السياسي والسياسي أيضا.

ثمة مهرجانات كبرى لإدانة الإرهاب والتطرف والعنف ومواجهة التكفير، ولكن أحدا من الإصلاحيين المحملين بالوعود لم يقل لماذا لا يؤدي انتشار التعليم بين أكثر من 90% من المواطنين إلى زيادة انتشار الكتب والمجلات الثقافية والفلسفية والعلمية والاجتماعية والسياسية الرصينة والجادة؟.

ولماذا لا تؤدي الحالة الأكاديمية القائمة إلى حالة بحث وتقدم علمي واسع مؤثر؟ وأين هي البحوث والإضافات والإنجازات العلمية لحوالي عشرة آلاف أستاذ جامعي أردني؟ ولماذا تنجح روايات وأفلام غربية وبموضوعات عربية وشرقية وإسلامية في اجتذاب أعداد كبيرة وهائلة من القراء والجمهور العربي، ولا نجد عملا روائيا وفنيا عربيا جديرا بالاحترام والاعتبار؟.

وأين الأفلام والأعمال الدرامية الأردنية المستمدة من الحياة والتاريخ والثقافة والتحديات الاجتماعية والثقافية في الأردن والوطن العربي والعالم أيضا؟.

ولماذا لا تؤدي أربعة آلاف مسجد في الأردن يقوم عليها عشرة آلاف شخص يفترض أنهم تلقوا تأهيلا علميا شرعيا دورا فاعلا ومؤثرا في المرجعية الفقهية والتنوير والتوعية، ونشر العلم الشرعي الصحيح بدلا من الخرافات والأساطير وزجر المواطنين وتعذيبهم بالصراخ والميكروفونات والإطالة والحصار، وجلدهم بقصص وحكايات ومواعظ خرافية ليس لها أساس من الدين، بدلا من تقديم علم حقيقي يساعدهم على فهم دينهم وتصحيح معاملاتهم اليومية مستمد من المصادر العلمية الصحيحة؟.

وماذا تفعل وزارة الثقافة والروابط والجمعيات الثقافية؟ ماذا قدمت للمجتمع؟ ولماذا تعجز عن اكتساب الناس وتأدية رسالة ثقافية ووطنية حقيقية يجتمع حولها المواطنون؟.

ماذا قدمت دور النشر ومراكز الدراسات من إنتاج فكري وثقافي وعلمي؟ وماذا استهلك المواطنون من خدمات علمية وثقافية؟.

فالمجتمع الذي لا يقبل على القراءة والعلم والثقافة ستزدهر فيه الخرافات والأساطير، وسيكون ضحية للعنف والشعوذة والإثارة.

والمؤسسات العامة والمجتمعية القائمة بأموال المواطنين وضرائبهم العاجزة عن إنشاء حالة من التأهيل المجتمعي والثقافة الوطنية والعلمية يجب أن تلوم نفسها أولا عندما تجد نفسها ومجتمعاتها خارج عصر المعرفة.
__________________
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة