قراءة في أزمة قتل السفير المصري في العراق   
الأحد 3/6/1426 هـ - الموافق 10/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:04 (مكة المكرمة)، 12:04 (غرينتش)


كمال حبيب

 

تعكس أزمة اختطاف وقتل أول سفير مصري في بغداد بعد الاحتلال الأميركي لها ما يمكن أن نطلق عليه وجهي التحدي الذي تواجهه المنطقة العربية بأكملها.

 

الوجه الأول وتمثله الحكومات العربية المرتهنة في قراراتها للضغوط الأميركية، إذ تشير المعلومات المؤكدة إلى أن أميركا فرضت على القاهرة ضرورة رفع العلاقات الدبلوماسية مع الحكومة العراقية الحالية  إلى مستوى السفراء، وسارعت القاهرة إلى إرسال سفيرها الدكتور إيهاب الشريف الحاصل على الدكتوراه من جامعة السوربون والمعروف بقدرته الفائقة على التعامل مع بيئات الصراع والقلق، دون التأكد من مستوى الحماية الأمنية المفترض أن تقوم به القوات الأميركية المحتلة والحكومة العراقية الحالية.

 

"
المثير أن المراقب لتطور الأجيال الإسلامية يجدها تنزع إلى التشدد في مسيرتها صعدا فسيد قطب أكثر تشددا من حسن البنا وعبد السلام فرج وأيمن الظواهري أكثر تشددا من الناحية الحركية والعقدية أيضا من سيد قطب وأبو مصعب الزرقاوي أكثر تشددا من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري
"
أما الوجه الثاني من التحدي والذي قصدناه في هذا المقام فهو الجماعة التي قامت باختطاف السفير المصري ثم الحكم عليه بالردة أي بخروجه من الإسلام أو الملة كما يقول الفقهاء القدامى ثم المناجزة إلى قتله بدون إبطاء أو تأخير.

 

والواقع أن الدولة المصرية المعاصرة تعود بجذورها إلى ما يعرف في العلوم الاجتماعية "بدول ما بعد الاستعمارpost –colonilism states، وهذه الدول بصرف النظر عن نظمها السياسية تدين في جزء كبير من وجودها وثقافتها للتفوق الغربي وانتصاره على العالم الإسلامي، ومن هنا كانت بذور الصدام بين هذه الدولة وبين الحركات الإسلامية منذ وقت مبكر يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، فكل من هذه الدول والحركات الإسلامية يحملان توجهين مختلفين ورؤيتين للعالم متباينتين.

 

بيد أن هذه الدولة في مراحل المد القومي على الأقل حاولت المقاومة على المستوى السياسي لكنها لم تصل إلى الحد الذي هي عليه اليوم من التفكك بحيث لم تعد تعبر عن الدولة الرخوة وإنما أصبحت تعبيرا عن الدولة المفككة التابعة، وأصبح أمر بقائها مرهونا بالضغوط الخارجية.

 

ولو حاولنا التحدث بلغة العلوم السياسية لوصف وضع الدولة العربية الراهنة وعلى رأسها مصر لقلنا "بأولوية العامل الأميركي في تشكيل السياسة الداخلية والخارجية".

 

وسوف نرى أن العامل الأميركي لم يقتصر على تشكيل أوضاع الدولة العربية وإنما أعاد تشكيل الحركات الإسلامية في المنطقة هي الأخرى، ولكن بينما رهنت الدول نفسها لأميركا نجد الحركات الإسلامية تشددت في مناكفة أميركا ومنازعتها.

 

ويعد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي يقوده الأردني أبو مصعب الزرقاوي قمة التشدد العقدي والحركي داخل كافة التنظيمات الإسلامية بكل تلاوينها وأطيافها، حتى إن تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين هو أكثر تشددا من آبائه الأول الذين شكلوا مساراته الفكرية والحركية.

 

فالتنظيم يضم بين جوانحه اليوم جيلين أو ربما ثلاثة أجيال، أبو مصعب الزرقاوي نفسه يمثل جيلا فهو من مواليد 1966م أي أن عمره يقترب من الأربعين عاما وهناك جيلان على الأقل بعده تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والعشرين من العمر، والمثير أن المراقب لتطور الأجيال الإسلامية يجدها تنزع إلى التشدد في مسيرتها صعدا.

 

فسيد قطب أكثر تشددا من حسن البنا وعبد السلام فرج وأيمن الظواهري أكثر تشددا من الناحية الحركية والعقدية أيضا من سيد قطب وأبو مصعب الزرقاوي أكثر تشددا من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ولا يجد المراقب تفسيرا لهذه القضية سوى القول بأن هناك عاملين أثرا في هذه المسألة يمكن عزوهما إلى السياقات الاجتماعية والسياسية التي ظهرت فيها هذه الحركات أولا.

 

فالبيئة السياسية والاجتماعية التي ظهر فيها قطب كانت أكثر قسوة وصرامة وتمثلا للأفكار المتطرفة القومية التي تضج بالآخر وترفضه وربما تكرهه وتلحق به الأذى فيما يوصف بنظرية كبش الفداء.

 

"
بيئة العراق جعلت تنظيم الزرقاوي الذي يعبر عن التيار السلفي الجهادي قمة التشدد فهو يرى قتل المدنيين العراقيين حتى السنة إذا لم يكن ممكنا قتل الكفار إلا عن طريق ذلك، لأن الحفاظ على الدين أهم من الحفاظ على النفس
"
والبيئة التي ظهرت فيها الأجيال التالية ربما تكون أقل قسوة من الناحية المحلية ولكن على المستوى الإقليمي والدولي بدت أكثر ارتهانا للخارج منذ الرئيس المصري الاسبق أنور السادات في مصر إلى الحالي محمد حسني مبارك، وهذا الارتهان للخارج جعل البعد الإقليمي والدولي يأخذ مكانا أكبر بشكل تدريجي في فكر الحركات الإسلامية التي استعادت أفكار الحروب الصليبية على العالم العربي والإسلامي، فإسرائيل هي التعبير المعاصر عن وجود الإمارات الصليبية على شاطئ الشام وفلسطين، وثانيا فإن الاقتراب المباشر بين هذه الحركات الإسلامية وبين القوى الغربية وعلى رأسها أميركا في أفغانستان طوال عقد الثمانينيات جعل هذه الحركات ترى وبشكل مباشر على أرض الواقع ما يمثله الخطر الأميركي خاصة والغربي عامة على العالم العربي والإسلامي.

 

فهذه الجماعات كان مصدر معرفتها أو نظرية معرفتها هو الواقع فهم رأوا بأم أعينهم ما كان يجري في أفغانستان، وما مثله تيار المحافظين الجدد من خطر على العالم الإسلامي، هنا المعرفة والمشاهدة والرؤية والاطلاع جعل الإدراك الجديد للحركات الجهادية المنتمية إلى القاعدة يتأكد بأن الخطر الأصيل على العالم الإسلامي ليس الحكومات في الداخل وإنما الخطر الخارجي الذي يطلقون عليه الصليبي.

 

لذا فالمعلومات تشير إلى أن عقد التسعينيات كان هو عقد تحول الإدراك الفكري والحركي للحركات الجهادية الذي توج بإعلان ما سمي "بالجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين" في فبراير/شباط عام 1998م، ومن بعدها بدأت المواجهات بين هذه الحركات وأميركا في كينيا وتنزانيا ثم في عملية 11 سبتمبر/أيلول المرعبة عام 2001م.

 

هذه الحركات لم تتخل عن كراهيتها للنظم الداخلية في بلدانها ولكنها اعتبرتها العدو الأقل أهمية، وكان اندفاع المحافظين الجدد -وفق المعلومات التي توفرت عن تطورات تنظيم القاعدة- لاحتلال العراق متوقعا من التنظيم واستعد له منذ وقت مبكر وقبل سقوط بغداد في إبريل/نيسان عام 2003.

 

ومن هنا كان وجود أبو مصعب الزرقاوي في العراق وتكوينه لتشكيلات من عراقيين وسعوديين وكويتيين وسوريين وأكراد جرى تدريبها في أفغانستان وتفرقت بعد إسقاط حكومة طالبان في نهاية عام 2001 م وكانت وجهة الزرقاوي إلى العراق ومعه كما تشير التقديرات حوالي 1500 مقاتل.

 

"
التنظيم حاكم السفير المصري وقتله على أفعال ذات طابع سياسي قامت بها دولته، وليس بذنب اقترفه هو على المستوى الشخصي
"
بيئة العراق جعلت تنظيم الزرقاوي الذي يعبر عن التيار السلفي الجهادي قمة التشدد فهو يكره الشيعة ويعتبرهم روافض التحقوا بالعدو الأميركي ومن هنا كان تشكيله مؤخرا لفيلق عمر لمواجهة فيلق بدر الشيعي، وهو يرى قتل المدنيين العراقيين حتى السنة منهم إذا لم يكن ممكنا قتل الكفار إلا عن طريق ذلك، وهو يعتبر أن الحفاظ على الدين أهم من الحفاظ على النفس ويرى "أن الفتنة أشد من القتل" أي الفتنة في الدين أشد من قتل النفوس، وهو يعبر عن قمة التمامية السلفية.

 

كما أن الانخراط في الممارسة الحركية الجهادية تجعل تنظيم الزرقاوي يغلب القتل لتحقيق أهدافه السياسية على الوسائل الأخرى مثل التفاوض وغيره، ومن هنا كانت المعضلة بالنسبة لأزمة السفير المصري في بغداد، فالتنظيم الذي اختطفه ليس له مطالب ولكنه حاكمه في محكمة سياسية ذات طابع جهادي سلفي بجرائم دولته من وجهة نظره - وليس بذنب اقترفه هو على المستوى الشخصي.

 

وفي البيان الذي قررت فيه محكمة التنظيم الشرعية ردته استندت إلى أن منهج التنظيم  في التعامل مع النظم المستبدة المتسلطة على رقاب الأمة أنهم كفار مرتدون خارجون عن دائرة الإسلام هم ومن والاهم بسبب حكمهم بغير ما أنزل الله وموالاتهم أعداء الله ومعاداة أوليائه وقتل وتعذيب وسجن المجاهدين من أمثال سيد قطب وخالد الإسلامبولي والحكم عليهم بالإعدام مثل أيمن الظواهري.

 

واعتبر البيان أن مصر كانت أول دولة عربية فرطت في قضية القدس وأول من أطاع الصليبيين وأرسل سفيرا لحكومة العلقميين – يقصدون الحكومة العراقية الحالية الموالية لأميركا– وأول نظام وافق على تدريب كوادر الجيش والشرطة العراقية.

 

أي أن التنظيم حاكم الرجل وقتله على أفعال ذات طابع سياسي قامت بها دولته، وليس على جرائم متصلة بأحكام الردة التقليدية في الفقه الإسلامي المتصلة عادة بسلوك الشخص الفردي.

 

لقد كانت المحكمة ذات طابع سياسي وكانت تريد إبلاغ رسالة سياسية قوية لكل الدول العربية والإسلامية خاصة التي تريد أن تقيم علاقات دبلوماسية مع الحكومة العراقية الحالية وهو ما يعني منح الشرعية لهذه الحكومة التي انتخبت تحت سنابك الاحتلال الأميركي ولم تعبر عن السنة في العراق.

 

هذه الرسالة هي أوقفوا وبشكل لا يحتمل التأخير سيل السفراء والمبعوثين الذي بدأته مصر وتابعتها البحرين وباكستان، حتى إن المعلومات تشير إلى تعرض البعثة الدبلوماسية الروسية لإطلاق النار.

 

قتل السفير المصري في بغداد كان تعبيرا عن صراع راح هو ضحيته بين الحركات الإسلامية ذات الطابع الجهادي وفي مقدمتها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وبين الولايات المتحدة الأميركية والنظم الموالية لها التي لا يمكنها مدافعة ضغوطها وهو ما يعني أن الضغوط الخارجية من جانب الدول الكبرى لا تأتي بخير وإنما تقود إلى المزيد من الاضطراب السياسي والقلق الاجتماعي حتى لو كانت هذه الضغوط تتدثر بدعاوى الإصلاح والتطوير والديمقراطية، وتبشر بتحمل عبء ومسئولية من جانب الرجل الأبيض تجاهنا في العالم الثالث وخاصة في عالمنا العربي والإسلامي.

 

"
تنظيم أبو مصعب الزرقاوي والحكومة المصرية وجهان لعملة واحدة أحدهما يحاول مقاومة الغزو والهيمنة الأميركية والصهيونية وثانيها ترهل وضعف بحيث لم يعد لديه سوى أن يسمع ويطيع الإملاءات الأميركية
"
حالة العراق أكبر دليل على ذلك فهل جاءه الغزو الأميركي بالحرية أو الديمقراطية، وحالة أفغانستان نموذج آخر في هذا السياق، بل إن الضغوط على دول مثل باكستان والسعودية ومصر وغيرها من جانب أميركا لن تقود إلى ما تتصوره أميركا من حرية وديمقراطية، بل ستقود إلى مزيد من التشدد وإحياء نزعات الغلو والتطرف داخل العالم العربي لأن هذه النزعات تبدو وكأنها تحافظ على خصوصيتها وهويتها وتعبر عن الصوت الداخلي المحلي الذي يقول دعونا نعبر عن أنفسنا بعيدا عن ضغوطكم وعن رؤاكم ونظرياتكم واستراتيجياتكم عن العالم وهدمه وبنائه وإعادة بنائه أو ما أطلقت عليه كونداليزا رايس الفوضي الخلاقة.

 

تنظيم أبو مصعب الزرقاوي والحكومة المصرية وجهان لعملة واحدة أحدهما يحاول مقاومة الغزو والهيمنة الأميركية والصهيونية وثانيها ترهل وضعف بحيث لم يعد لديه قدرة المقاومة أو الصمود فانهار يسمع ويطيع للإملاءات الأميركية.

 

وبين هذين الوجهين مسافة طويلة من الزمن والفكر والحركة وفي هذه المسافة كان هناك ضحايا ومعذبون وقتلى على الجانبين آخرهم كان السفير المصري في بغداد الدكتور إيهاب صلاح الدين أحمد الشريف.

 

فمتى يمكن لأمتنا أن تختصر هذه المسافة بين الوجهين لتجعلها تعبيرا عن حقيقة واحدة تسمح لها بالتطور السلمي الخاص المستقل الذي يحفظ على البلاد والعباد أمنهم ووحدتهم واستقرارهم.

_______________

كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة