سجال إيراني أميركي في ميونخ   
الأربعاء 1430/2/23 هـ - الموافق 18/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:09 (مكة المكرمة)، 9:09 (غرينتش)


محجوب الزويري

- الرسائل الإيرانية
- رسائل لم تصل
- التحدي الإيراني

انتقل السجال الإيراني الأميركي وجها لوجه هذه المرة إلى مدينة ميونخ الألمانية التي يعقد فيها المؤتمر السنوي للأمن العالمي الذي يبحث في دورته الحالية القضايا الدولية الكبيرة والمشهد الأمني العالمي.

وفي هذا السياق يبحث المؤتمر مسألة الحد من انتشار الأسلحة ومستقبل الأسلحة النووية والصراع العربي الإسرائيلي ومستقبل الحرب على ما سمي بالإرهاب.

لقاء ميونخ السنوي الذي يعقد منذ عام 1960 سيطرت عليه سحابة من الاتهامات بدأها رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين عندما تحدث بطريقة قاسية عن العالم بقطب واحد، وكيف أن الولايات المتحدة لم تحل أيا من النزاعات التي تذهب بالعالم إلى المجهول، متهما واشنطن بلغة واضحة بأنها زادت من أزمات العالم وحروبه بدلا من التقليل منها.

هذا الهجوم الروسي تبعه رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني الذي اغتنم الفرصة ليتحدث أمام أكثر من 300 مشارك من دوائر صنع القرار في العالم سواء تلك المعادية لإيران أو تلك الصديقة لها.

"
لاريجاني يدعو واشنطن إلى التخلي عن الملاكمة في إدارة أزماتها مع الدول الأخرى، ومنها إيران وبدلا من ذلك عليها أن تحترف أسلوب لعب الشطرنج في إدارتها لتلك الأزمات
"
الرسائل الإيرانية

لاريجاني تعرفه الدوائر الغربية جيدا عندما كان يشغل منصب كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي الإيراني منذ عام 2005 قبل أن يستقيل في أواخر 2007، وحينها اعتبرت دوائر أوروبية أن استقالته تمثل ضربة لمسيرة التفاوض بين الاتحاد الأوروبي وإيران، باعتبار أن سير المفاوضات آنذاك كان يؤشر إلى قرب الوصول إلى توافق مهم بشأن وقف التخصيب، وبالتالي اعتبر مجيء سعيد جليلي بمثابة عودة للمربع الأول.

وقد ذكر لاريجاني المجتمعين في ميونخ برسائل هامة بعضها لا يرضي أطرافا غربية ولاسيما واشنطن وبعضها رسائل غير سياسية تزيد من حيرة الغربيين بشأن التعامل مع إيران.

وهذه الرسائل تتمثل في ما يلي:
الرسالة الأولى، مضمونها ترحيب إيراني حذر بشأن انتخاب أوباما رئيسا، واعتبار ذلك دليلا على رغبة الأميركيين في التغيير الأمر الذي يجب أن تصغي له الحكومة في واشنطن وتتعامل معه بصورة مختلفة. بعبارة أخرى الحديث عن محادثات مع إيران ليس منة أميركية على إيران بل هو مصلحة أميركية في الأساس.

لكن هذا اللحن غير القاسي باتجاه الإدارة الجديدة لم يمنع من تقديم كشف حساب بالأخطار التي ارتكبتها الإدارات الأميركية السابقة بحق إيران وفق ما ذكره علي لاريجاني، ابتداء من التآمر على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدع عام 1953 بسبب تأميمه البترول وهي الحادثة التي اعترفت بها مادلين أولبرايت في أواخر القرن الماضي واعتذرت عنها للشعب الإيراني في رسالة تهنئة بمناسبة رأس السنة الإيرانية (النوروز) خلال الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي.

كما لم ينس لاريجاني حجز واشنطن للودائع الإيرانية، وإنهاء اتفاق تطوير البرنامج النووي الإيراني الذي كان موقعا مع الشاه وهي إشارة تم التطرق إليها في إحدى وثائق وزارة الخارجية الأميركية التي تم الإفراج عنها مؤخرا.

وتتحدث الوثيقة عن أن دوائر سياسية وأمنية في واشنطن كانت قد بدأت تقلق من طموحات الشاه في تطوير قدراته النووية، وربما جاءت الثورة لتعطي مبررا قويا لواشنطن للتوقف عن دعم إيران في هذا المجال.

الرسالة الثانية، إدانة واضحة للموقف الأميركي من الحرب على غزة، ودعم وتأييد لحق كل من حماس وحزب الله في المقاومة، وهو بذلك يرسل إشارة واضحة بأن إيران ليست قلقة ولا تخشى تبعات العلاقة التي تربطها مع هذين اللاعبين غير الحكوميين.

في نفس السياق يبدو واضحا أن لاريجاني يقول بصورة مباشرة للإدارة الأميركية التي يحضر منها في مؤتمر ميونخ نائب الرئيس جون بايدن إن أي انفراج في العلاقة بين واشنطن أو محادثات لا يمكن أن يكون على حساب العلاقة مع حماس وحزب الله ولن يدفع أي انفراج مع واشنطن إلى تخلي إيران عن هاتين الحركتين.

الرسالة الثالثة، حديث في اللغة السياسية لكن له دلالته الموجهة في سياق الدفاع عن حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية، فرئيس مجلس الشورى في إيران ينصح واشنطن بتغيير الكلمات المستخدمة في خطابها مع إيران، وهو يشير بذلك إلى فكرة العصا والجزرة التي كثيرا ما تستخدمها الدوائر الأميركية والغربية، في إشارة إلى أن إيران أمام خيارين، فإما أن تقبل الحوافز (الجزرة) التي ستقدم لها من الإدارة الجديدة، وإما أن تواجه العزلة أي العصا.

وقد سبق للاريجاني أن انتقد هذا الخطاب الغربي مع إيران عندما كان كبيرا لمفاوضي الملف النووي الإيراني واعتبر الخطاب مهينا للأمة الإيرانية.

وفي سياق توجيه النصح إلى الإدارة الجديدة فإن لاريجاني يدعو واشنطن إلى التخلي عن الملاكمة في إدارة أزماتها مع الدول الأخرى، ومنها إيران وبدلا من ذلك فعليها أن تحترف أسلوب لعب الشطرنج في أسلوب إدارتها لتلك الأزمات.

وفي نفس السياق الذي يدافع فيه لاريجاني عن حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية عرج على الردود الغربية على إطلاق إيران القمر الصناعي "أميد" في أوائل فبراير/شباط، وأكد على فرضيته بأن المستهدف إيران وأنه يراد لها أن لا تتقدم.

ويطرح لاريجاني سؤالا على الجالسين طالبا تفسير الردود القلقة من التجربة الإيرانية بالرغم من أنها –والكلام للاريجاني- ليست سلاحا محظورا ولا سلاحا نوويا؟

الرسالة الرابعة، نصيحة سياسية مباشرة لواشنطن بأن تستغل ما حصل بعد الانتخابات الأخيرة وتتخلى عن الفردية في التعامل مع القضايا الدولية، لأن هذه الفردية لم تجن منها إلا مزيدا من الحروب والأزمات.

وهو بذلك يلتقي مع اللوم الذي وجهه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين لواشنطن، وهو يشدد على أن العالم تغير ويتغير بسرعة وأن على واشنطن أن تتعامل بطريقة مختلفة وتعزز مبدأ الشراكة والتشاور إذا كانت فعلا تريد الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

"
مصادر القلق الأميركي من إيران تتمثل في تهديد أمن إسرائيل، والطموحات النووية الإيرانية، ودعم الحركات التي تسميها واشنطن إرهابية مثل حركة حماس وحزب الله. وقد أضيف إليها بعد عام 2003 الدور الإيراني في العراق
"
رسائل لم تصل

الرسائل الإيرانية الأربع التي حاول رئيس مجلس الشورى الإيراني إيصالها إلى واشنطن وحلفائها لم تصل، إذ بعد يوم من خطابه عاد نائب الرئيس الأميركي الجديد جون بايدن ليكرر نفس المقولات التي انتقدها لاريجاني، وليؤكد على أجندة السياسة الخارجية التي أعلنها الرئيس باراك أوباما من قبل والتي تم وضعها بشكل واضح على الموقع الجديد للبيت الأبيض.

في تلك الأجندة التي يبدو أن الرئيس أوباما ونائبه بايدن قد كتباها، يتحدث الرئيس ونائبه عن أنهما يدعمان سياسة التواصل والحوار مع إيران دون شروط مسبقة.

وتلخص الأجندة مصادر القلق الأميركي من إيران في ثلاثة عوامل هي: تهديد أمن إسرائيل، والطموحات النووية الإيرانية، ودعم الحركات التي تسميها واشنطن إرهابية مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله. وقد أضيف إليها بعد عام 2003 الدور الإيراني في العراق.

وقد ربطت الإدارة الجديدة بين توقف إيران عن دعم الحركات التي تسميها واشنطن إرهابية، وكذلك وقف تخصيب اليورانيوم واحترام القرارات الدولية 1696 و1737 و1747 و1803 التي طالبت إيران بوقف كامل للتخصيب، باعتبار أن تلبية إيران مثل هذه المطالب تعني بالضرورة تلبية لمصدر القلق الأول وهو أن إيران لن تكون مصدر تهديد لإسرائيل.

استجابة إيران للمطالب الأميركية يتبعها وفق أجندة الرئيس أوباما أن تقدم الإدارة الأميركية هذه المرة -لا مجموعة 5+1- مجموعة من الحوافز كانت مقترحة من قبل، وتتمثل هذه الحوافز أو الجزرة في تسهيل حصول إيران على عضوية منظمة التجارة الدولية، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأميركية للذهاب إلى إيران، ومن ثم السير نحو تطبيع كامل للعلاقات بين البلدين.

وعدم قبول إيران لهذا العرض الكلي يعني أن عليها أن تستعد وتقبل مزيدا من العزلة السياسية والاقتصادية.

وهذا الموقف الأميركي الذي نقله نائب الرئيس جون بايدن للعالم عبر مؤتمر ميونخ، تكمن أهميته في أمرين، الأول أن الإدارة الجديدة ترسل الرجل الثاني فيها لينقل للعالم صورة جديدة للولايات المتحدة من ألمانيا التي وصفها رونالد رمسفيلد يوما بأنها من أوروبا القديمة التي لم تعد مهمة، فهي تختار ميونخ الألمانية لتعلن فيها ملامح السياسة الخارجية لواشنطن.

الأمر الثاني هو أن الإدارة الجديدة تؤكد على المنهج الجديد في تعاملها مع حلفائها بحيث تبتعد عن الإملاء عليهم وتتجه إلى العمل معهم بطريقة تستدعي من الحلفاء تقديم بدائل وليس فقط انتظار أن تفعل واشنطن ذلك.

"
معضلة العلاقة الإيرانية الأميركية بقدر ما تبدو مرتبطة بالتطورات التي تجري الآن، فإنها مرتبط بمسألة هامة تتمثل في الكيفية التي يرى بها كل من الطرفين الآخر
"
التحدي الإيراني
وهنا تأتي أهمية العمل مع أوروبا ومع روسيا والصين فيما يتعلق بإيران، حيث تتوقع الإدارة أنها بالحديث المباشر إلى طهران تساعد الدول الأوروبية في تجاوز مطلب مهم طالما كررته دول غربية وروسيا والصين.

ويظهر الآن أن روسيا عرضت على واشنطن أن تقوم بدور الوسيط مع إيران، الأمر الذي لا يبدو أن واشنطن ستقبله في ظل البرود في العلاقات بين موسكو وطهران.

واشنطن تدرك طبيعة التحدي الذي تمثله لها إيران لاسيما في ظل الدور الذي تعترف واشنطن قبل غيرها بأن طهران أخذته في مناطق مختلفة من العالم من أهمها الشرق الأوسط، وتكفي هنا الإشارة سريعا إلى ما تقوم به طهران من بناء مؤسسات اقتصادية ومالية في أميركا اللاتينية التي أقر مؤخرا بخطورتها وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس ولم يتردد في وصفها بأنها "تثير قلقله أكثر من روسيا".

فحجم النشاط الإيراني مع دول مثل فنزويلا التي أعلن رئيسها بمناسبة زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عام 2006 عن تشكيل "محور الوحدة" مع إيران ردًّا على الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الذي وضع إيران ضمن محور الشر مع العراق وكوريا الشمالية.

طهران وكركاس شرعتا في تنفيذ مشروع نفطي كبير في جنوب فنزويلا بقيمة أربعة مليارات دولار، كما أن هناك اتفاقا بين فنزويلا وكوبا وإيران على تأمين خطوط للشحن، وذلك للتقليل من تأثير الإجراءات التي تقوم بها واشنطن في سياق فرض عقوبات جديدة.

تقوم إيران كذلك بتمويل بناء ميناء في نيكاراغوا بمبلغ 350 مليون دولار كما أنها زادت من حجم التبادل التجاري مع بوليفيا إلى حوالي مليار دولار.

واشنطن تدرك أيضا مدى الحاجة إلى إيران في ظل التحول الجديد الذي يرى نقل مركز الثقل لما يسمى بالحرب على الإرهاب إلى أفغانستان حيث الجوار مع إيران، وهو الأمر الذي يدفع واشنطن ربما إلى التفكير جديا في تغيير سياستها نحو إيران بحيث تقلل من الأخطار التي يمكن أن تفشل تصور أوباما الجديد.

إن الحديث عن التعاون مع إيران في الشأن الأفغاني بدأ يتصاعد حتى من قبل حلف الناتو وعبر عنه أمينه العام جاب دي هوب شيفر الذي صرح من كابل بأن أفغانستان ليست جزيرة، وأن على جيرانها أن يساهموا في عودة الأمن والاستقرار إليها بما في ذلك إيران.

معضلة العلاقة الإيرانية الأميركية بقدر ما تبدو مرتبطة بالتطورات التي تجري الآن، فإنها مرتبط بمسألة هامة تتمثل في الكيفية التي يرى بها كل من الطرفين الآخر، وهو تصور لا يقود إلى الحوار بسهولة بل يبقي حالة السجال قائمة.

وهنا يجب التذكير بأمر بالغ الأهمية وهو أن أوباما وإدارته يعتقدون أن الحديث عن فتح باب للمحادثات مع إيران سيجعل الأخيرة تتجاوز مسألة التصور -الذي هو في الغالب تصور سيئ- فتأتي مهرولة للحديث والاستماع للمطالب الأميركية وتبدأ في تنفيذها بعد ممارسة ضغوط كالتهديد بالعزلة.

مثل هذه الفرضية إن وجدت لا يمكن أن تساعد في إنجاز أي اتفاق، لأن إيران ببساطة ترى أن ما انتزعته من دور سياسي في الشرق الأوسط مؤقتا أو على الأمد الطويل حصلت عليه ببراعتها وقدرتها على الاستفادة من أخطاء الآخرين، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامجها النووي، وبالتالي ربما تكون مستعدة لأن تعيش ثلاثين سنة أخرى بدون علاقات ولا تمثيل دبلوماسي بينها وبين واشنطن.
__________________

كاتب

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة