جفرسون واستقلال القضاء.. مقاربة مصرية   
الخميس 14/2/1434 هـ - الموافق 27/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)
عبد الرحمن الجيتاوي

هل يختلف الحراك السياسي في أميركا أوائل القرن التاسع عشر عما حدث في تركيا قبل عقد أو ما يحدث في مصر الآن؟ عجيب هو التاريخ في تناصه، إذ يبدو أحيانا كروائي نزق يسخر من قرائه الذين لا يقرؤون بعمق ولا يستحقون حكمته، فيعيد سرد القصص ذاتها مرة بعد مرة مع تغيير بسيط في الأسماء والأمكنة والأزمنة.
استهلك الرئيس الفدرالي جون آدمز رصيده باستبداده وترفعه عن الناس وارتباطه بالبريطانيين مستعمري أميركا السابقين

اقتحم الفرنسيون الباستيل عام 1789 فبدأ الربيع "الغربي" وسرت الثورة كالنار في الهشيم. في أميركا كان أرستقراطيو "حزب الفدراليين" يشعرون بالخطر يدق أبوابهم، فسنوا قوانين "الغرباء والتحريض" الهادفة إلى إسكات معارضيهم. لكن القمع لم يوقف المعارضة، بل عزز من مصداقيتها. وجرت الانتخابات عام 1800، ففاز "حزب الديمقراطيين الجمهوريين" بموقع الرئيس ونائبه وأغلبية الكونغرس.

البعض سمى تلك الانتخابات ثورة 1800، إذ أسقطت الرئيس الفدرالي جون آدمز الذي كان أحد أبطال الاستقلال، لكنه استهلك رصيده باستبداده وترفعه عن الناس وارتباطه بالبريطانيين مستعمري أميركا السابقين. كما كان مهتما بإسناد أدوار سياسية لابنه، في ما بدت أنها محاولة لإعداده لمنصب سياسي.
 
لم ينسحب آدمز من البيت الأبيض بروح رياضية، بل قام بمناورة دستورية تتيح لحزبه ودولته العميقة البقاء في السلطة، فقبل ساعات من انتهاء ولايته وقّع على قرارات بإنشاء محاكم جديدة، وملأ المواقع الجديدة بقضاة من حزبه عُرفوا في التاريخ باسم "قضاة منتصف الليل".

كان الرئيس الخاسر آدمز يعتقد بأنه يدافع عن النظام والدولة في وجه القادمين الجدد. لم يرتح الفدراليون بأرستقراطيتهم ونخبويتهم لشعبية الحزب المنافس بجماهيره الرثة من صغار الكسبة والمزارعين ذوي التدين الريفي الساعين لكسر سيطرة كبار الصناعيين على مفاصل الاقتصاد. بدا واضحا أن الأمور متجهة إلى معركة دستورية وتشريعية وحالة من عدم الانسجام بين السلطات.

ما كان الرئيس الفائز توماس جفرسون طارئا في عالم الصراع السياسي فتكسره هذه الأزمة.. لقد كتب وهو في الثالثة والثلاثين من عمره وثيقة إعلان الاستقلال الأميركي الشهيرة، ومضى صعودا في دوائر السياسة واتخاذ القرار حتى أسس حزب الديمقراطيين الجمهوريين. لم يكن جفرسون متحدثا بليغا، لكن كانت له اختراعات معتبرة في الهندسة الميكانيكية والمعمارية، كما كان قارئا ممتازا وكاتبا بارعا تعكس كتاباته ثقافة رجل متقن لخمس لغات، وحكمة مزارع مولع بتحسين المحاصيل وحياة الريف.

لكن منافسيه لم يهتموا بإنجازاته بقدر اهتمامهم بتضخيم عيوبه وفبركتها إن لزم الأمر، فرغم كون كثير من الفدراليين والآباء المؤسسين لأميركا من المصرحين بإلحادهم والمنادين بالفصل التام للدين عن الدولة، فإنهم لم يترددوا في مهاجمة جفرسون لتوجهه الديني حيث كان من الربوبيين أتباع الديانة الطبيعية الذين يؤمنون بخالق للكون دون إيمان بالمسيحية. كما كانت صحف الفدراليين تتهم جفرسون بأنه ليس سوى دمية في يد الفرنسيين، وأنه سيلغي الديمقراطية وينصب المقاصل لمعارضيه في واشنطن كما فعل الفرنسيون في ثورتهم.

نادى الفدراليون أعداءُ جفرسون بالديمقراطية، لكنهم في سرائرهم لم يكونوا يرون الشعب جاهزا لحكم نفسه.. كانوا يرون أن عليهم -كنخبة مثقفة- حماية الشعب الساذج المليء بالأميين من سوء اختياراته. كتب زعيم حزب الفدراليين ألكسندر هاملتون في الجزء الـ71 من الأوراق الفدرالية يقول "ستكون هناك أوقات تكون فيها مصالح الناس مختلفة عن ميولهم. إن واجب حماة الشعب في مثل هذه الأحوال الصمود في وجه هذه الميول المؤقتة، حتى تتاح للشعب فرصة للتفكير في اختياراته بروية". لو أردنا إكمال هذه العبارة من واقع الحدث العربي، لقلنا على لسان بعض نخبنا: إن شعبا يمكن شراء أصواته "بالزيت والسكر" غير جاهز للديمقراطية، وتجب حمايته أحيانا ممن يختارهم لتمثيله.
 
عندما تتحول أي سلطة إلى طبقة لها مصالحها المعتمدة على ديمومة وضع قائم، يصعب ألا ترى مصالحها مصالحَ للوطن. ألم يقل لويس الرابع عشر: أنا فرنسا؟!
عندما تتحول أي سلطة إلى طبقة لها مصالحها المعتمدة على ديمومة وضع قائم، يصعب ألا ترى مصالحها مصالحَ للوطن.. ألم يقل لويس الرابع عشر: أنا فرنسا؟!

كان للقاضي المصري أحمد فتحي زغلول باشا أدوار وطنية وإسهامات مهمة في الترجمة وإنشاء المعاهد والصحف والجمعيات الخيرية، لكنه لما انتدب لمحكمة دنشواي عام 1906 وأصبح منصبه على المحك، كان هو من صاغ حيثيات الحكم القاضي بإعدام أربعة فلاحين اتهموا ظلما بقتل ضابط بريطاني توفي بضربة شمس.

لا ندري كيف برر شقيق الزعيم الوطني الكبير سعد زغلول لنفسه إصدار هذا الحكم.. ربما كان يعتقد أنه بإعدام البعض يحمي الباقين، وربما ظن أن الحفاظ على منصبه كقاض يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، يصب في مصلحة الوطن. لا نعرف حقا ما الذي دار في خلده، لكن التاريخ يرينا مرة بعد أخرى أنه كلما ازدادت معرفة المرء وعلت سابقته وأحسن الظن بنفسه، زادت قدرته على تبرير أخطائه حتى لو كانت واضحة كالشمس.

لا يجوز التعميم طبعا. كان للكثير من القضاة المصريين -وبعضهم ممن يعارضون الرئيس مرسي حاليا- مواقف مشرفة في محاولة كبح النظام السابق. لكن من الواضح أن البعض تحوّل إلى طرف متربص يلوي أعناق القوانين الحمّالة الأوجه بصورة انتقائية وبسرعة في البت، ولصالح طرف دون آخر. كما أن محاولات عرقلة الاستفتاء على الدستور تجعل من القضاء كمؤسسة حزبا سياسيا بعيدا عن الحيدة وطرفا في الاستقطاب.
 
ليس هذا دفاعا عن الرئيس مرسي الذي يحتاج النصح أكثر من أي وقت مضى، ولكنه دفاع عن حق الشعب في اختيار من يشاء، مرسي أو صباحي أو حتى شفيق، وأن يكون الشعب مصدرا للسلطات الثلاث بعيدا عن استعصاءات مفتعلة لا تضر شخصا بعينه بقدر تشويهها لبنية ديمقراطية تحتية ما زالت في طور التأسيس.

عندما ورث جفرسون إجراءات سلفه القضائية، لم يتأخر في إعلان رفضه لها بلا مواربة. كان جفرسون واضحا في تمييزه بين أمرين: "نعم" لاستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، و"لا" لاستقلال القضاء عن الشعب، وقال في وقت متأخر من عمره مستذكرا ذلك الصراع "إن مجلسا تشريعيا غير منتخب من الشعب أقل ضررا من سلطة قضائية مستقلة عن الشعب. ذلك أن تنفيذ القوانين أهم بكتير من كتابتها".

عندما أعلن جفرسون تجميد الإجراءات القضائية التي ورثها عن الرئيس السابق، رفع أحد القضاة قضية في المحكمة الدستورية مطالبا بإنفاذ تعيينه. كان المتوقع من رئيس المحكمة الدستورية العليا جون مارشال أن يدعم القاضي لتوافقهما أيدولوجيا، لكن جفرسون بدأ التلميح بأنه سيعود إلى الشعب باستفتاء يعدّل الدستور ويعيد تحديد سلطات القضاء.

هنا تبدت حكمة مارشال إذ جاء قراره الذي صيغ بلغة دبلوماسية لصالح إدارة جفرسون. سلك مارشال النهج ذاته في 14 حكما أصدرها في العقود التالية، كانت كلها متوافقة مع إرادة نواب الشعب. بهدوء وبلا ضوضاء، ثبت مارشال بأحكامه أمرا في غاية الخطورة، وهو حق المحكمة الدستورية في تحديد توافق إجراءات السلطة التنفيذية وتشريعات الكونغرس مع الدستور.

مكن الانسجام بين السلطات جفرسون من مباشرة مسؤولياته مسطرا إنجازات كثيرة، إذ يكفي أنه أتم صفقة شراء لويزيانا من فرنسا والتي ضاعفت مساحة أميركا

ظل الخوف من تغوّل القضاء هاجسا وكابوسا لا يريد أحد عودته. يقول جون ديكنسون أحد موقعي الدستور الأميركي "لا يمكن تعداد الأعمال القاتلة للحرية والمستنزفة للديمقراطية التي يمكن ارتكابها من قبل نظام قضائي مستقل عن الشعب". حاليا يعين الرؤساء الأميركيون أعضاء جددا في المحكمة الدستورية عندما يشغر أحد المقاعد بتقاعد أو وفاة.

هذه الآلية تمنع أي رئيس من السيطرة الكاملة على المحكمة، كما تخضع محاكم الولايات لسلطة الشعب، إذ يتم اختيار وتثبيت القضاة المحليين بالانتخاب المباشر أو غير المباشر عبر ممثلي الشعب.

مكن الانسجام بين السلطات جفرسون من مباشرة مسؤولياته مسطرا إنجازات كثيرة، ويكفي أنه أتم صفقة شراء لويزيانا من فرنسا مقابل 15 مليون دولار مما ضاعف مساحة الولايات المتحدة. واشتملت الصفقة على مساحات من 14 ولاية ضمت إلى الاتحاد.

حانت وفاة جفرسون عام 1826 في اليوم الذي صادف ذكرى استقلال أميركا الذي كتبه بيده. الرئيس الذي ادعى معارضوه أنه سينصب المقاصل لهم مات تاركا ديونا طائلة وابنة عليلة بعدما اضطر لبيع مكتبته للكونغرس، وكان ضمن تلك المكتبة نسخة من القرآن الكريم وضع كيث أليسون -أول عضو كونغرس مسلم- يده عليها عندما قرأ قسم دخول الكونغرس عام 2007.

أما كلمات جفرسون الأخيرة فكانت "أرجو من أميركا العناية بابنتي"!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة