نحن وقناة الجزيرة وآل صهيون!   
الثلاثاء 1432/12/13 هـ - الموافق 8/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:35 (مكة المكرمة)، 11:35 (غرينتش)
الرفيع بشير الشفيع

 


ظلت قناة الجزيرة تمسك بأعيننا مشدودة، مسمرة ليل نهار، على ثقب الدنيا النابض (التلفاز) المعلم الذي أصبح يعي كل شيء، ويقول كل شيء، بلا دس ولا مواربة، تسمرنا الجزيرة على مقاعدنا ونحن مشدوهون، مندهشون بأخبارها الكثيرة، الثرة، المرة، المؤلمة، المميتة، التي تبعث فينا حياة من نوع آخر، تغلي دماءنا، لتدب في عروقنا كالجرذان، تتقاذف فيها هنا وهناك، مرة ككرة من لهب، ومرة ككرة من عجب، ومرة ككرة من نصب ووصب! 

ترى كيف ولماذا ولدت الجزيرة في مثل هذا الزمان المبتذل، "الهَذِل"، الهزيل، هذا الزمان الذي تضاءلنا فيه، والذي وصلت فيه النفوس العربية والإسلامية إلى قيعان الانحطاط والانكسار والاكتراث؟

"
كيف سمح العالم الملفوف في أحضان دواليب الإعلام اليهودي الموجهة لتدمير نفسيات العدو الأبدي (العرب) ومن ناصرهم، لمثل هذه الجزيرة أن تكون وأن تبقى؟ وأن تبث وتحس، وتهش فينا غبن نفوسنا الراقدة؟

"

كيف سمح العالم الملفوف في أحضان دواليب الإعلام اليهودي الموجهة لتدمير نفسيات العدو الأبدي (العرب) ومن ناصرهم، كيف سمحوا لمثل هذه الجزيرة أن تكون وأن تبقى؟ وأن تبث وتحس، وتهش فينا غبن نفوسنا الراقدة؟
 
ترى هل تخدم الجزيرة بنوعية بثها بهذه  الصورة الصائحة، الفريدة، والنافذة، ترى أنها تخدم وتزيد، من غير أن تعي أو تقصد، جانب انحطاطنا النفسي والوجداني، المراد لنا، وهل تدعم وتعزز القهر والعهر الفكري الذي يراد بنا حتى نستسلم ونخور نفسيا أمام عدونا! وكما يريد الصهاينة ويحبون؟، ولذلك كانت الجزيرة، وبقيت ولا تزال، تحقننا يوميا بما يجعلنا نشم عفن أحلامنا الوضيعة المسفهة والمتفهة من الجانب الآخر؟
 
وهل خصصت الجزيرة نفسها لبث نوع معين من المعلومة والأنباء تكون في غالبها وعاء من دماء، وصحنا لمعركة نرى فيها أشلاءنا وقعور رؤوسنا تطير، وعروضنا تُنتهك، ودماءنا تُهراق، وأجسادنا تجر بالشوارع، ورؤوسنا تشيب وعقولنا تغيب، جراء وقفتها الصلبة ونقلها لربيعنا العربي.. بالصورة والصوت الواضحين! لتشهدنا وتشهد العالم على رعونتنا وقسوتنا وإرهابنا، وفعل بعضنا ببعض وبكل تشفّ، وبلا وع ، وبلا دين، ولا لين، ونهارا جهارا، لا تدس ولا تدخر شرا لمآقينا وقلوبنا، ولا تترك بيننا رحما ولا رحمة ولا استنكارا، حتى صرنا مدمني أفلام دماء، وقتل وتعذيب! وحتى صرنا ساديين، نضحك ونحتسي كوب الشاي، ونزفر دخان النرجيل العربي وأرجلنا معكوفة على بعضها...، نقهقه كالمجانين في سوح الحروب، ونعلق على هذه اللوعة والتعذيب والتنكيل، كأننا نشاهد أفلاما حالمة جميلة، كانت قد أخرجت للتسلية والضحك والتلذذ!

ومثلت في ديار غير ديارنا وأفنت أرواحا غير أرواحنا، وحتى صارت الأشياء عندنا ليست هي الأشياء، والأشلاء والأحشاء كأنها ألعاب في أيدي أطفال، وصرنا لا ترف لنا جفون، ولا تحن لنا قلوب، ولا يبكينا ولا يزعجنا ولا يستفزنا الموت والدمار، فثملنا من الاعتياد، وقتلنا هذا الاعتياد، لنصل للخور المراد بنا للمرحلة القادمة...، مرحلة الحرب الفاصلة والنهائية بيننا وبين الصهاينة، حتى إذا حصل الموت بالملايين، يكون الاعتياد الناتج عما تبثه الجزيرة قد خدم تلك المرحلة للآخر، بما يريد وكيفما يريد!. وهو المطلوب.

كلما أشاهد الجزيرة يصيبني كثير من الإحباط، والهم والغم، وتجدني من غير قصد يحتشي قلبي نكدا، ويهيج نفَسي تذمرا ودمي غليانا، ومن غير أن أعي يتلبسني ثورٌ هائج، يتحطم في نفسي كل جميل وأصيل ونبيل، فأنكفئ على نفسي أسى ومآسي وانحطاطا، يحد كثيرا من تفكيري الإيجابي، ويقلل من عطائي وأدائي، وينحل عقلي أمام تحديات هذه الحياة التي هي في الأساس عبء ثقيل، لا يحتاج لمثل الجزيرة أن تزيده هما وغما، ومثلي الملايين في العالم الإسلامي والعربي! حتى نبرك على ركابنا وتنحني أسهم عطائنا، وهذا هو المطلوب.

هل بث الجزيرة وبهذه الطريقة أداة لحرب ضدنا ومن نوع آخر؟ يستفيد منها العدو ويبث من خلالها رسائل "أرشيفهم وتاريخنا"، ورسائل تهزمنا وتحط من قدرتنا، يبثونها في الوقت الذي يريدونه، وبالجرعة التي يحددونها، وبالكيفية التي يقصدونها، وهذا هو المطلوب!

في تلفزيونات العالم الأخرى، في أميركا، وأوروبا، وجنوب أفريقيا، وغيرها، الناسُ يتحدثون عن الإنتاج وعن الفرح واللون البنفسجي واللون العنبي الجميل، ويتحدثون عن الربيع، وعن الجمال والحب والعطاء، والترويح عن النفوس، وكيفيات زيادة الإنتاج وما يهم العباد، فترتاح النفوس وتنطلق وتطير في فضاءات الخير والنماء، ونحن لا وقت لنا ولا نفس ولا همة مما تتركه فينا كثير من الأخبار التي تشدنا في الجزيرة..، ونحن مجبورون.. أمامها كالتلميذ أمام شيخه! نستمع ونتبع، وندهش ونعبأ فنثور ونقتل ونسحل وتجر أكبادنا بالتراب! والزمان يمضي بنا حتى صرنا نتسلى بعارنا.. وهذا هو المطلوب! 

ومن ناحية أخرى، هل نحن فعلا محتاجون لإعلام جريء مثل قناة الجزيرة؟ يقول للأعور أعور، وللضال والمضلل والمغشوش والمعتم عليه أمثالنا.. في كل تاريخنا، طمسا وهضما ودسا ولعبا بعقولنا، وتخذيلا وتخبيلا لنا، وتبديدا لأموالنا، وتحقيرا لنا وتصغيرا في أعين أعدائنا وأصدقائنا؟، من قبل ولاة أمورنا والقائمين على أمرنا وأمر أسلامنا وديننا ودنيانا.. وهو المطلوب؟

"
هل تريد الجزيرة بعملها أن تستنهضنا وتفتح كوة للنور في مؤخرات أنفاق عقولنا، تؤجج فينا نيران شعوبنا، وانتفاضاتهم، وتستولد منا نخوتنا وعزتنا وكرامتنا بهذا الكي المؤلم، ونقلها لآلامنا ومآسينا بهذا الجهر والإشهار؟
"
هل نحن محتاجون للجزيرة لتسقينا كؤوسا من الحق والحقيقة بهذا الحجم الذي لا تسعه عقولنا، ولا تستوعبه قلوبنا؟ وهي التي تضع أصابعنا على نار الحقيقة، وأعيننا على عار هفواتنا ونكباتنا وحقوقنا المهضومة! من قبل الذين نصبوا أنفسهم حكاما وملاكا مدى الدهر علينا؟ وهو المطلوب؟

هل تريد الجزيرة بهذا أن تستنهضنا وتفتح كوة للنور في مؤخرات أنفاق عقولنا، تؤجج فينا نيران شعوبنا، وانتفاضاتهم، وتستولد منا نخوتنا وعزتنا وكرامتنا بهذا الكي المؤلم، ونقلها لآلامنا ومآسينا بهذا الجهر والإشهار، لا يردعها ولا يردها أو يخيفها كبير ولا ملك ولا حاكم ولا أمير، من الذين يحلبون من أرزاقنا، ويتمشون على أكبادنا، ويتنعمون بحاجتنا وعوزنا، ويستلذون بمآسينا وجوعنا وفقرنا ومرضنا ورقة حالنا وإضعافنا ولوك أكبادنا!، فتستحث فينا الجزيرة الثورة والجهاد وخرط أنفسنا من الذل والانحناء؟ وهذا هو المطلوب!.
 
كثيرا ما نحس بأن الجزيرة هي مُتكؤنا للحق، وعيننا التي تحرس بعد عين الله التي لا تنام، وآذاننا ومآقينا التي لا تصيبها سنة في الجهر بحقوقنا والوقوف معنا ولنا ومن أجلنا، وقد خسرت الدولة المستضيفة لها كثيرا من الجاه لدى نخب الاستذلال للشعوب، وخسرت كثيرا من مواقفها أمام الطغاة والمتكبرين والمتسلطين علينا، وقوفا في جانب الشعوب المدهوسة بوحشية هؤلاء الذين يتساقطون الواحد تلو الآخر! يتساقطون وتتساقط معهم نتانة أنفسهم ويتساقط معهم خورنا، وضعفنا وانكسارنا وتذللنا لغير الله! وهذا هو المطلوب!
 
والجزيرة جاءتنا في زمان كنا فيه للخراف أقرب منا للبشر، وللخور والاستسلام أقرب منا للعز والصولة والجولة التي نأخذها في شعوب هذه الدنيئة كلما استشعرنا العز والكبرياء والإباء، وكلما أراد الله دفع الغير بنا، وتورثنا لهذه الفانية العفنة، والجزيرة جاءتنا ونحن على أعتاب قبورنا، ومداخل أقبيتنا التي يعرشها أعداؤنا بغبننا وبهضم حقوقنا وقهرنا وذلنا...، جاءت الجزيرة فأوقفتنا على دروب الأمل والرجاء والعز والإباء، وهذا هو المطلوب.
 
وعلى كلٍ، فالناس منقسمون حول الجزيرة، كانقسامهم على غير المعتاد، ولكن أينما يقف الناس منها، فهي حالة! وعينة أداء، من خبر ونبأ وصدق وفورة وصيحة نحتاجها كما نحتاج الملح لطعامنا، ونحتاجها، كما يحتاج الضرير لمن يقوده، وحاجة المريض لمن يزوره، وكيةَ نحتاجها في عين دماميلنا، وفي وقت نزيفها! للاستشفاء من عضال أمراضنا وتصحيح مسارنا كأمة، وتوجيهنا وتوجيه ولاة أمورنا، ولكن بالطريقة المعقولة وفي الوقت المعقول وبالقدر المعقول! حتى تكون فينا بقية من روح تنبض، ومن قلب يرف، ويد تعمل، ومن عقل يعي المرحلة القادمة في داني الأيام، وهي وعينا في مثل هذه المرحلة، وهي تحشد هممنا لمقابلة الآتي القريب، الذي سينحدر إليه العالم في عام 2012، وفقا لإسرائيل الصهيونية ومخططاتها، في أنها ستعلن على الملأ في هذا العام أنها سيدة العالم ومن عاصمتنا القدس، هذا العام الذي عملت له إسرائيل "الصهيونية" منذ أمد بعيدا، ثم رسمت له ضربة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، التي تعني لها إطلاق أول بوق لتجميع بقية يهود العالم ليتجهوا لإسرائيل، قانعة من أميركا وأوروبا وكل مناصريها.

"
الجزيرة جاءتنا في زمان كنا فيه للخراف أقرب منا للبشر، وللخور والاستسلام أقرب منا للعز والصولة والجولة التي نأخذها في شعوب هذه الدنيئة كلما استشعرنا العز والكبرياء والإباء
"
ومن ناحية أخرى، هيجت بهذه الضربة الرأي العام العالمي نحو "الإرهاب"، ووجهت به جيوش تلك الأمم المستغفلة نحو العراق وأفغانستان وباكستان، التي تمثل عندها القوى المثالية حتى تنظف الطريق لعام 2012، يوم أن يبرز تمثال سليمان ويعتلي قبة الصخرة والمسجد الحرام، كما يدعون ويعدون، بعد أن حشدوا لطلائه آلاف الأطنان من رمال نهر الفرات أيام غزوهم العراق، ثم بدأت في هلهلة دول التأبي والرفض لما يحدث من جريمة "النظام العالمي الجديد"، ثم إنها أعلنت من خلال شركات وبنوك اللوبي الصهيوني ذريعة الإفلاس المشهور قبل عامين، ثم تم تعويضها من الأخرق الجديد بمليارات الدولارات.

ثم أفلس العالم قاطبة بعد ذاك، إلا من رحم الله، ثم إنها تنتظر الآن ما ينجم عن الثورات العربية حتى توجهها كما تظن التوجيه الذي يخدم أحلامها لعام 2012، وحتى تتحقق لها مقولة مناحم بيغن زعيمها النافق: "نحن شعب الله المختار، وأفضل جنس على هذه البسيطة، ونحن أرباب هذه المعمورة، والفرق بيننا وبين الأجناس الأخرى كالفرق بين البشر والحشرات، ومقارنة بجنسنا، فإن الآخرين كأنهم وحوش وحيوانات، أو أبقار على أفضل ما يمكن! أو فضلات بشرية، ومصيرنا أن نقود هذه الشعوب الدونية، وسنحكمهم بمناخل من حديد، وسوف يلعقون أقدامنا ويكونون لدينا كالعبيد". 

والجزيرة تأبى كل ذاك!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة