عندما تصبح الانتخابات ابتزازا   
الجمعة 1430/11/19 هـ - الموافق 6/11/2009 م (آخر تحديث) الساعة 21:56 (مكة المكرمة)، 18:56 (غرينتش)
نبيل شبيب


صور مخزية
عقوبة وابتزاز
كشف المستور!
قلم فلسطيني "منتخب"
مشروعية ماذا؟

تعني كلمة انتخب اصطلاحا "اختار اختيارا حرا"، وفيها لغويا معنى اختيار "الأفضل والأصلح"، فالمفترض أن توصل الانتخابات إلى "نخبة" من القادرين على ممارسة السلطة، عبر تمثيلهم الحقيقي لإرادة أصحاب السيادة عليهم، أي الشعب، أو الناخبين، ولمصالحهم.

إنما انقلب ذلك في معظم بلادنا رأسا على عقب، فأصبحت الانتخابات -وهي تسمية مجازية في هذه الحالة- وسيلة لاختيار الأسوأ غالبا، وليس الأفضل والأصلح، والأدلة على ذلك واضحة إلى درجة أن الكلام عنها يثير الملل والضجر، ومن أشد وجوهها سوادا:

إعادة انتخاب من سبقت تجربته (أو انتخاب من يورثه!.. بتسعات هزلية ومن دونها) وأثبت عجزه.. أو إخفاقه.. أو قصوره.. أو انحرافه.. أو ربما ما هو أسوأ من ذلك، فلا هو حقق إرادة الناخبين ولا تطلعاتهم ولا مصالحهم ولربما بطش بهم.. ثم تقول النتائج -كما لو أن مصائر الشعوب لعبة هزلية مأساوية- هاهم أولاء الذين أصبحوا "ضحاياه" ينتخبونه مرة أخرى، ليبقى دورة بعد دورة، وسنة بعد سنة، ويوما بعد يوم.. وكارثة بعد كارثة!

صور مخزية
"
صورة الانتخابات في كثير من بلادنا، المخزية بحد ذاتها وليس عند مقارنتها بالانتخابات في بلدان أخرى فحسب، تجاوزتها الفصول الأخيرة من مجرى اللعبة العبثية بالانتخابات الفلسطينية بمراحل
"
ليس من الاسترسال القول: لا يكاد يوجد أحد يشكك في الانتخابات الألمانية أواخر سبتمبر/ أيلول2009م، ولم يصدر صوت معارض في هذا الاتجاه، ولا أدلت رابطة من روابط المجتمع المدني بدلوها انتقادا.

وقد تزامن إعادة تنصيب أنجيلا ميركل مستشارة للبلاد نتيجة لتلك الانتخابات، مع الإعلان عن إعادة انتخاب الرئيس التونسي لدورة ثالثة، سبق "تعديل" الدستور لتمريرها.. وهنا لا يكاد يوجد أحد لا يشكك جادّا في هذه "الانتخابات" وما سبقها، فيراها أقرب إلى مسرحية تهكمية مريرة منها إلى حدث سياسي داخلي.

إن هذه الصورة للانتخابات في كثير من بلادنا، المخزية بحد ذاتها وليس عند مقارنتها بالانتخابات في بلدان أخرى فحسب، تجاوزتها الفصول الأخيرة من مجرى اللعبة العبثية بالانتخابات الفلسطينية بمراحل.

على المستوى الفلسطيني لم يسبق أن جرت انتخابات رئاسية أو نيابية، منذ اصطناع السلطة عبر أوسلو، إلا وعايش كاتب هذه السطور درجات محزنة مؤلمة من التهكم والازدراء إزاء أسلوب إجرائها ونتائجها، إلى أن كانت الانتخابات النيابية عام 2006م، فقد كان مطلوبا (أميركيا على وجه التحديد) أن تكون حرة نزيهة، ليس حبا بمعرفة ما توصل إليه إرادة شعب فلسطين (أو الجزء الذي يحصل من شعب فلسطين على فرصة التصويت في الضفة والقطاع) بل توهما من جانب الحكومة الأميركية بأن الناخبين سيختارون للسلطة فريقا على استعداد للتوقيع على وثيقة التصفية بعد كل ما سبق من إعداد طويل، قمعا، وعبر غسيل دماغ جماعي، من قبل كامب ديفيد الأولى إلى ما بعد أوسلو.

خاب ظنهم وأخفقت حساباتهم.. فالانتخابات الحرة النزيهة أوصلت تلقائيا إلى غير النتيجة التي كانوا يتوهمونها!

عقوبة وابتزاز
رغم هذه التجربة "اليتيمة".. فإن الردّ الصهيوني والغربي عليها من خلال الاعتقالات، والتعذيب، والقتل، والحصار، والحرب الإجرامية، والضغوط المعيشية القصوى.. وغير ذلك مما استخدمه أصحاب المصلحة العدوانية مع من أصبح ركيزة محلية وإقليمية لهم، في المضي بقضية فلسطين نحو التصفية.. جميع ذلك في كفة، ويرجح عليها (بمقياس التعامل مع القضية) ما يوضع الآن في الكفة الثانية، تحت عنوان مرسوم يحمل توقيعا فلسطينيا لإجراء انتخابات جديدة!

"
الانتخابات الفلسطينية ابتزاز مكشوف, فإما الخضوع لطريق التصفية، باسم شروط الرباعية، أو فلتبق أصوات الرافضين للتسليم تحت الحصار في غزة وتحت "سوط دايتون" في الضفة
"
إن الإعلان عن انتخابات رئاسية ونيابية في  يناير/ كانون الثاني عام 2010م، رغم كل ما شهدته الفترة التشريعية السابقة، ورغم كل ما شهده مسار المحاولات الصادقة والكاذبة لإعادة الأمور إلى "مجرى فلسطيني" مشترك ما، مقبول ولو جزئيا.. هذا الإعلان يحوّل "العبث" بصوت الناخب الفلسطيني إلى:

- عقوبة.. لمن رفضوا ويرفضون من ناخبين ومن منتخبين، مصالحةً يراد أن "ترسّخ" وأد المقاومة ومعها قضية فلسطين، وأن تتنكر بصورة مباشرة للإرادة الفلسطينية التي سبق وعبرت عن نفسها في "انتخابات حرة نزيهة" يتيمة.

- أو ابتزاز مكشوف.. فإما الخضوع لطريق التصفية، باسم شروط الرباعية.. المبادرة العربية.. الكارثة الأوسلوية، سيان ما هي التسميات، أو فلتبق أصوات الرافضين للتسليم تحت الحصار في غزة وتحت "سوط دايتون" في الضفة.. ليمكن تمرير عملية مكشوفة مزورة لاختيار "المطلوبين لتوقيع التصفية" بعد أن استحال تحقيق هذا الغرض عبر انتخابات حقيقية!

كشف المستور!
إن الحقبة التاريخية الحديثة للأنظمة الجمهورية وغير الجمهورية في المنطقة العربية، لم تعرف الانتخابات بمعناها الحقيقي الشامل وتنظيمها المضمون مسبقا ونتائجها النزيهة المشرفة.. اللهم إلا في حالات نادرة جزئية تم الانقضاض عليها من بعد.

وعرفت فلسطين بالذات.. رغم النكبة.. ورغم الاحتلال.. ورغم العدوان.. تلك الانتخابات الحرة النزيهة (ولا ينفي ذلك أنها كانت ناقصة.. لم تشمل شعب فلسطين في أرض 1948م وفي الشتات) فاعتبر كثير من المسؤولين الإسرائيليين وأنصارهم في الغرب -علنا- وآخرون من وراء الكواليس أن "تمريرها" كان "غلطة كبيرة"!

أعلنت الإرادة الفلسطينية عن نفسها فكشفت ما كانوا يحسبونه مستورا.. وما كان "مستورا" عند أبناء فلسطين ولا عموم العرب والمسلمين!..

آنذاك.. كانت وسائل الإعلام الغربية لا تنقطع عن التأكيد:

شعب فلسطين لا يؤيد أولئك الإرهابيين (أي المقاومين) بل يؤيد مسيرة السلام (أي التصفية).. وصدّق أولئك أنفسهم، فكشفت التجربة العملية في الانتخابات تحت الرقابة الدولية عما جعلهم عاجزين عن ابتكار وسائل جديدة لتزييف الإرادة الشعبية الفلسطينية.. ولهذا لم يأبهوا وهو يمارسون الحصار مباشرة ودعما، ويتجاهلون ما يصنع العدوان أو يزعمون ما يزعمون لتسويغه.. لم يأبهوا بأنهم كانوا يدوسون بالأقدام على ما يعتبرونه (!) "أقدس" ما لديهم": الحرية الفردية.. فانكشف أنها لا تشمل لديهم حرية الإنسان الفلسطيني أن يختار ما يريد، ويقول ما يريد، ويتطلع إلى ما يريد، ويقرر مصيره بنفسه كما يريد!

أربع سنوات متتاليات مرت على الممارسات العدوانية المفضوحة، حتى بمقاييس من يمارسها ويتشبث بورقة التوت من خلال القول إن رئيس السلطة سبق انتخابه بغالبية الأصوات أيضا!

"
الحقبة التاريخية الحديثة في المنطقة العربية، لم تعرف الانتخابات بمعناها الحقيقي الشامل وتنظيمها المضمون مسبقا ونتائجها النزيهة المشرفة.. اللهم إلا في حالات نادرة جزئية تم الانقضاض عليها من بعد
"
فللمقارنة يمكن الرجوع إلى ما كانت تكتبه تلك الأقلام الإعلامية الغربية ويصرح به بعض الألسنة السياسية الغربية آنذاك، ويتناول تلك الانتخابات الرئاسية، أثناء الإعداد لها وإجرائها ومع الكشف عن نتائجها.. ولولا المعرفة بأولئك فإن المقارنة تثير العجب إزاء تلك الطاقة الكبيرة للتدجيل.

كانوا يتحدثون عن عدم توافر أي ضمانات حقيقية لنزاهة التصويت، ويعددون الشواهد على شراء الأصوات، وغير ذلك، مما يصنعونه دوما، ويسيئون به في الأصل إلى ركائزهم المحليين والإقليميين، إنما المقصود -تجاه شعوبهم- "تبرئة" أنفسهم من السكوت عن التزييف والتزوير، فضلا عن شيوع ممارساتهم الدائبة لتشويه الصورة الإجمالية لشعب فلسطين، عبر التشهير بما يصنع فريق منه، وإن كان هو ذاته الفريق المسؤول عن تمرير السياسات الغربية.

وشبيه ذلك يُصنع مع شعب العراق، وشعب أفغانستان، وغيرهما.. فالجميع "متخلفون"، ثم تأتي الحجة التالية: لا بد من "التعاون" مع فريق- عاقل.. لأنه يحقق ما يريدونه- من أولئك "المتخلفين" دون فريق آخر!

قلم فلسطيني "منتخب"
أربع سنوات متتاليات مرت على محاولة إصلاح "الغلطة الكبيرة" بالحصار وما تفرع عنه إلى ما بعد الحرب العدوانية على غزة.. وكان الاستعداد كبيرا خلال السنوات الأربع لدفع أي ثمن، وهو ما انطوى على ارتكاب غلطات أكبر وأفظع، فالهدف هو الهدف لم يتغير:

العودة إلى صورة "شكلية" تسمح بتمرير التصفية بتوقيع "قلم" يحمله فلسطيني.. يمكن القول إنه "منتخَب".

لقد أصبح هذا الزيف واضحا.. مكشوفا.. وداميا أيضا، ولكنه متوقع ممن لا يبالي به، فهو في نهاية المطاف "جزء" من الجريمة الأكبر والأشد: جريمة اغتصاب فلسطين، وتحويلها إلى وتد للهيمنة الشاملة في قلب الأرض العربية والإسلامية!..

إنما ما الذي يمكن قوله عن فريق من أهل فلسطين أصبح على استعداد للمضي مع ذلك الزيف الواضح المكشوف والدامي، إلى حيث وصل إليه الآن، وزيادة.. فالمرحلة الحالية يراد أن تكون "العتبة" لآخر إجراءات التصفية النهائية، مما تشير إليه عبثية المفاوضات ودرجة تصعيد العدوان المباشر في الأقصى والقدس؟..

هذا سلوك "فلسطيني" يتجاوز التوقعات "العاطفية والمنطقية".. وهذا بالذات ما يضع الإعلان عن الانتخابات في الظروف الحالية وبالشروط الموضوعة لها، في موضع ابتزاز شعب فلسطين.. وليس ابتزاز فصيل أو أكثر من فصائل المقاومة.

مشروعية ماذا؟
أما الحجة الأوهى من خيوط العنكبوت في هذا السياق فهي ما يتردد تحت عناوين من قبيل: هذا "استحقاق دستوري".. للحيولة دون "فراغ دستوري" في السلطة.. ولمنع "غياب الشرعية".. وما شابه ذلك!..

"
في حالات الاحتلال والاغتصاب والحرب والعدوان وما شابه لا توجد شرعية في تاريخ أي شعب من الشعوب سوى ما كانت له صفة {الوسيلة المؤقتة} في خدمة الوصول بالشعب إلى ممارسة حق تقرير مصيره
"
في حالات الاحتلال والاغتصاب والحرب والعدوان وما شابه لا توجد شرعية في تاريخ أي شعب من الشعوب ولا في الواقع الدولي المعاصر لأي سلطة.. أو منظمة.. أو مفاوضات.. أو اتفاقات.. أو نص دستوري.. أو قانون تشريعي.. أو نظام إداري من الأنظمة، سوى ما كانت له صفة "الوسيلة المؤقتة" في خدمة الوصول بالشعب، كامل الشعب، المحروم من حق تقرير مصيره في تلك الحالات، إلى ممارسة حق تقرير مصيره، ممارسة قائمة على ضمانات النزاهة والحرية والشفافية والرقابة الحيادية.. ولا مشروعية لما يتناقض مع هذا الأساس، وهو ما يؤخذ مباشرة من نصوص القانون الدولي، مصدر ما يعنيه مفهوم الشرعية الدولية نفسها، وليس المصدر ما تصيغه خارطة متاهات طريق ولا قرارات موازين القوة.. ناهيك أن يقرره من يخضع لهذا وذاك، ويجعل منه وسيلة لابتزاز الشعب المحروم من حق تقرير المصير:

- إما الخضوع لشروط المصالحة على حرمانك منه، وضرب المقاومة المشروعة من أجل الوصول إليه.

- أو التصويت على حرمانك منه، وعلى وأد المقاومة المشروعة من أجل الوصول إليه.

أين ما تعنيه كلمة "انتخابات" في ذلك؟

وأي "نخبة" يمكن أن يسفر عنها التصويت بهذه الشروط؟

وكيف يمكن وصف من يتعامل بهذا الأسلوب مع شعب فلسطين ووعيه، ومع مصيره وقضيته، ومع أرضه وتضحياته، ومع حاضره ومستقبله.. ثم يزعم لنفسه أنه يمثل إرادته.. شاء الشعب أم أبى!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة