ضبابية الحرب.. أميركا والحرب على العراق   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ إلياس حنا*

-العراق والاستراتيجية العسكرية الأميركية
-المتغيّرات الأساسية بين حربي الخليج الثانية والوشيكة
-العراق ودروس الحرب الأفغانية الأخيرة

تقوم الاستراتيجيّة على مثّلث مقدّس هو: الأهداف، والوسائل وطريقة التنفيذ، والعقيدة أو المبدأ Strategic Doctrine. ولكلّ مستوى من الدول هناك، مستوى معيّن من الاستراتيجيّة. فالدول الصغرى، هي بالتأكيد ليس لديها استراتيجيّات كما الدول الكبرى. الدول الصغرى، تحاول التعايش مع ما يفرض عليها النظام العالمي الذي تعيش فيه. إذا هي في حالة ردّ الفعل، وليس الفعل.


الدولة النوويّة، خاصة في الشرق الأوسط، هي دولة تملك ردعا أساسيا قادر على أن يُترجم على مستوى التأثير السياسي. هذا هو وضع إسرائيل، والتي تتفوّق على العرب في المستوين، السلاح التقليدي، وغير تقليدي
من هنا تحاول هذه الدول رصد الساحة العالميّة وما يدور عليها، من توازن للقوى، وتعارض مصالح بين الجبابرة، كي تستطيع رسم استراتيجيّتها لتستمرّ كلاعب معترف به. وتحاول الدول الصغيرة الاستفادة من الظروف المواتية لها، وتعمل على تقليل الخسائر قدر الإمكان ساعة المُحاسبة.

هكذا حصل مع فيتنام الشماليّة في حربها ضد أميركا. فهي اعتمدت استراتيجيّة الدفاع التكتيكي، والهجوم الاستراتيجي. أي، أنها خططت لحرب تكتيكيّة مع الأميركيين، تستطيع أن تستمرّ فيها إلى وقت طويل. وانتظار الفرصة المواتية للانقضاض على الجنوب من خلال هجوم شامل لإعادة توحيد البلاد. وكانت قد أمنت لهذه الاستراتيجيّة الوسائل اللازمة. السلاح، الدعم السياسي والاحتضان من قبل الاتحاد السوفيتي، بالإضافة إلى إرادة وطنيّة صلبة لتحمّل عدد من الضحايا دون حدود. ولا تشذ إسرائيل عن هذا التصنيف. فهي أمنت كل ما يلزم لابتلاع فلسطين، وضرب أي تهديد لكيانها.

العراق والاستراتيجية العسكرية الأميركية

يشكّل العراق مركز ثقل العالم العربي. فيه الثروات، والقدرات البشريّة وكل ما يلزم أية دولة كي تكون فاعلة على الصعيدين الإقليمي والدولي. وقد استطاع العراق الانتقال من دولة تعتمد على السلاح التقليدي، إلى دولة كان من الممكن أن تنضمّ إلى النادي النووي، لولا التدخّل الإسرائيلي لضرب مفاعل اوزيراك.

إن إعادة رسم وفهم الاستراتيجيّة العراقيّة، يُلزمنا الانطلاق من سعي العراق لامتلاك الأسلحة الغير تقليديّة، ومن خلال حروبه المتعدّدة مع محيطه. فالسعي إلى السلاح النووي والحصول عليه، هو من الأمور التي تجعل العراق دولة إقليمية، لكن مع أبعاد وتأثيرات دوليّة. فالدولة النوويّة، خاصة في الشرق الأوسط، هي دولة تملك ردعا أساسيا قادر على ان يُترجم على مستوى التأثير السياسي. هذا هو وضع إسرائيل، والتي تتفوّق على العرب في المستوين، السلاح التقليدي، وغير تقليدي.

انطلاقا من هذا السعي العراقي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، كانت المغامرات الحربيّة مع محيطه، خاصة مع الأشقاء، حتى ولو كانت هناك خلفية معينة في تفكير الرئيس العراقي تتعلّق بموضوع الصراع العربي الإسرائيلي. وبدا العراق في هذه المغامرات، وكأنه يعتقد أنه يعمل في فراغ دبلوماسي إقليمي وعالمي. فالأهداف التي كان يطمح إليها، كانت ممكنة التحقيق مقارنة مع وسائله المتوفرة. لكن السؤال الباقي هو "هل مسموح للعراق أن يحقّق هذه الأهداف"؟. بالطبع كلاّ.

تستعدّ القوات الأميركية حاليّا للقيام بحرب ضدّ العراق. وهي تقريبا أصبحت كاملة في كل الأبعاد البر والبحر والجو والفضاء. تتميّز هذه الحرب عن حرب الـ 1991 بأنها تستهدف تغيير النظام. كما أنها تأتي بعد 11 سبتمبر/ أيلول. وهي مع ابن الرئيس الذي خاض الحرب الأولى. كما أنها لا تنال موافقة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، باستثناء بريطانيا. وهي تأتي بعد تجربتين حربيّتين ناجحتين للجيش الأميركي في كل من كوسوفو وأفغانستان. إضافة إلى كل هذا، تبدو الدول المحيطة بالعراق وكأنها تلعب لعبة مزدوجة تجاه الحرب على العراق. هي ضدّ الحرب رسميّا، وبصورة علنيّة. لكنها تستضيف القوات الأميركية التي ستشارك في الحرب.

المتغيّرات الأساسية بين حربي الخليج الثانية والوشيكة

المتغير الأول.. المنظومة الأمنية
بعد ان انتهت أميركا من الحرب الأولى، فرضت في وقت لاحق بمساعدة إنكلترا منطقتي الحظر الجوّي. وهي كانت قد أرست منظومة أمنية محدّدة في منطقة الخليج، لتنفّذ استراتيجيّة ثنائيّة الأهداف.


  • تبدو الدول المحيطة بالعراق وكأنها تلعب لعبة مزدوجة تجاه الحرب على العراق. هي ضدّ الحرب رسميّا، وبصورة علنيّة. لكنها تستضيف القوات الأميركية التي ستشارك في الحرب
    الهدف الأول
    ،
    لتطبيق الاحتواء المزدوج على كل من العراق وإيران.
  • الهدف الثاني، المحافظة على منطقتي الحظر الجوّي فوق العراق.

ومن أجل التنفيذ على أرض الواقع، لا بد من وجود البنى التحتيّة اللازمة. فكانت الاتفاقات السريّة مع دول الخليج. القواعد الجويّة المنتشرة دائريّا حول العراق. والعتاد المخزّن مسبقا في بعض البلدان، كالكويت. ومراكز القيادة المتقدّمة، وذلك إلى جانب تأمين القواعد البحريّة (البحرين). والسيطرة على الخطوط البحريّة، وعلى الأجواء. ونشر قوات عسكريّة قليلة العدد كافية لاستيعاب أي خلل أمنى، بانتظار استقدام قوات إضافية، تكون البنى التحتيّة المعُدّة سلفا بانتظارها.

المتغيّر الثاني.. تنمية القدرات الحربية

والأساسي عن الحرب الأولى، يتمثّل بان القوات الأميركية أصبحت قادرة، أو بالأحرى أصبحت في مرحلة متقدّمة جدّاً من عمليّة استيعاب الثورة في الشؤون العسكريّة (الزمن المطلوب للاستيعاب هو عقد من الزمن تقريبا). منذ الحرب الأولى على العراق، حسّنت أميركا من أدائها، وخلقت عقائد عسكريّة جديدة قادرة على التنفيذ بواسطة الوسائل التكنولوجيّة الحديثة.

وبالفعل فقد رأينا نموذجا فريدا من نوعه في الحرب على أفغانستان. في تلك الحرب رأينا الأمور التالية: قوى جو قاتلة تستعمل أسلحة ذكيّة قاتلة توجّه بواسطة الأقمار الاصطناعيّة (90% من القنابل كانت ذكيّة). قوات خاصة تساعد الطيران على القصف، وتتبنى قوات التحالف الشماليّّة التي نفّذت الهجوم الأرضي. طائرات دون طيّار قادرة على القصف الجوّي، وعلى الاستعلام التقني. باختصار، حقل المعركة ماثل أمام القائد لإدارته واتخاذ القرار.

العراق ودروس الحرب الأفغانية الأخيرة


في الحرب على أفغانستان، كانت عمليّة جمع المعلومات عن هدف ما، تقييمها وتوزيعها للتنفيذ، ومن ثم التقييم، تأخذ فقط عشرة دقائق. هذا مع استمرار مراقبة أرض المعركة
يمكننا القول حتى الآن، إن أميركا استطاعت السيطرة على ضبابيّة الحرب The Fog of War.

ما المقصود بضبابيّة الحرب؟
حسب المفكّر النمساوي كارل فون كلوزفيتز، هي كالفرق بين الحرب على الورق، والحرب الفعليّة.. فمن المستحيل مثلا أن تتطابق الخطط المعدّة على الورق في مراكز العمليات، مع ما يدور فعليّا مع أزيز الرصاص. ويقول القائد الألماني فون مولتكه الأكبر:" إن أهم المخططات العسكريّة، لا تصمد الثواني الأولى لانطلاق الحرب". ويبدو في هذا الإطار أن أهم مكوّن للخطط العسكريّة والتنفيذ، يقوم على الاستعلام والمعلومات Intelligence .. فعشيّة إنزال النورماندي، احتار الجنرال ايزنهاور حول طبيعة الطقس المحتملة.. نجحت إسرائيل في تدمير المفاعل النووي العراقي، فقط لأنه كان لديها المعلومات الدقيقة، قبل وبعد التنفيذ.

في الحروب التقليديّة السابقة، كانت توضع الخطط والاستراتيجيّات استنادا إلى الاستعلام والمعلومات المتوفّرة. بمعنى آخر، كانت الخطط تستبق ما سوف يدور في المستقبل، فكانت تقع الأخطاء، وتخسر الجيوش، وذلك لأن عمليّة اتخاذ القرار كانت تأخذ وقتا طويلا.

المتغيرات الحالية
في الوقت الذي كانت فيه عناصر طالبان تختبئ، كانت القوات الأميركية تراقب أرض المعركة بدقّة لا سابق لها. وكانت قادرة على معرفة ما يدور على أرض المعركة بصورة مستمرّة، ليلا ونهارا، وبدقّة متناهية. كان بإمكان الطائرات من دون طيّار أن تأخذ صورة أرض المعركة وترسلها إلى مراكز القيادة في فلوريدا مثلا خلال دقائق معدودة، كما كان بإمكانها تنفيذ عمليّات قصف جويّة. فكانت تدور الأمور تقريبا على الشكل التالي: كانت الأقمار، الطائرات دون طيّار أو القوات الخاصة، ترسل المعلومات أو الصور إلى الأقمار الاصطناعيّة، التي بدورها كانت ترسلها إلى مركز القيادة لاتخاذ القرار.

كل ذلك لم يكن يستغرق أكثر من عشر دقائق. باختصار تبدّل الوضع الآن، عما كان عليه سابقا في الحروب التقليديّة. فلقد أصبحت ساحة المعركة أو الحرب ماثلة أمام القائد بكل تفاصيلها. وأصبح القائد قادرا على اتخاذ القرار بسرعة فائقة، معتمدا على المعلومات الدقيقة والآنيّة Real Time Intelligence. لذلك بدأت ضبابيّة الحرب بالتناقص في الشقّ الأميركي، وتتزايد في الشق العراقي. وبدلا من أن تكون الاستراتيجيّة هي التي تسيّر العمليّات العسكريّة، أصبح الاستعلام الآني، هو الذي يرسم الاستراتيجيّة. لكن كيف؟


الحرب هي ميدان المجهول، ولا يمكن التكهّن بصورة حسابيّة سهلة بنتيجتها.. لذلك نلاحظ أن العراق يريد منع أميركا من مراقبة أرض المعركة بصورة مستمرّة.. وهو يخطّط لذلك، عبر استراتيجيّة جرّ أميركا إلى داخل المدن
من المعترف به أن هناك حلقة معيّنة لاتخاذ القرار تقوم على ما يلي:

  • جمع المعلومات
  • التحليل
  • التوزيع للاستفادة والتقييم.

في الحرب على أفغانستان، كانت عمليّة جمع المعلومات عن هدف ما، تقييمها وتوزيعها للتنفيذ، ومن ثم التقييم، تأخذ فقط عشرة دقائق. هذا مع استمرار مراقبة أرض المعركة.. فما هو تأثير هذا الإنجاز على المسرح العراقي؟

إذا أرادت أميركا استعمال الأسلحة الذكيّة، فهي حتما بحاجة إلى المعلومات الدقيقة. وهي سوف تجمع المعلومات "الطازجة" فقط لأنها تراقب مسرح الحرب بصورة مستمرّة. وهي أصبحت قادرة على تقييم عمليّات القصف الجوّي Bomb Damage Assessment في نفس وقت القصف. كما أصبحت قادرة على توجيه القوى العسكريّة الأميركية المنتشرة إلى الثغرات في خطوط العدو. حتى أنها، أي أميركا، سوف تزوّد صهاريج المحروقات ب GPS كي تعرف مكانها مسبقا، وتوجيهها إلى حيث الحاجة إليها. ولن تنتظر استكمال كل الاستعدادات العسكريّة كما فعلت عام 1991 لتبدأ الحرب.. بل هي قادرة على البدء بما توفّر ومن ثم استكمال الحشد. وهي حتما لن تنتظر انتهاء الحملة الجويّة لتبدأ الحرب البريّة، كما حصل في الحرب الأولى.. بل إن العمليات الجويّة والبريّة ستكونان متوازيتين Parallel مع بعضهما البعض. هل يعني هذا أن الحرب منتهية سلفا؟


اليد على الزناد، والأهداف معروفة، ولا بد من الانتظار لمعرفة نتائج المعركة. لكن الأكيد أن أميركا محشورة، والخاسر الأكبر هو الشعب العراقي

الحرب هي ميدان المجهول، ولا يمكن التكهّن بصورة حسابيّة سهلة بنتيجتها.. لذلك نلاحظ أن العراق يريد منع أميركا من مراقبة أرض المعركة بصورة مستمرّة.. وهو يخطّط لذلك، عبر استراتيجيّة جرّ أميركا إلى داخل المدن. فهو قد قسّم العراق إلى أربع مناطق عسكريّة، وعيّن المسؤولين الذين يثق بهم.

وهو حتما وزّع الأوامر المسبّقة على قادته، وحدّد السلوك الواجب اعتماده في سيناريوهات مختلفة. وهو يعي بالتأكيد أن الاتصالات سوف تنقطع في المراحل الأولى للحرب بينه وبين القادة. كما يعي أنه لا يمكن له المناورة بقواته بعد اندلاع الحرب، بالرغم من انه يقاتل بالخطوط الداخليّة ( أي أنه مُحاط بشكل دائري، كما قاتلت إسرائيل في حرب الـ 67)، وذلك بسبب السيطرة الجويّة الأميركية.

كذلك الأمر احتفظ الرئيس العراقي لنفسه بحق إعطاء أمر إطلاق الصواريخ. اليد على الزناد، والأهداف معروفة، ولا بد من الانتظار لمعرفة نتائج المعركة. لكن الأكيد أن أميركا محشورة، والخاسر الأكبر هو الشعب العراقي.

_______________
*كاتب وباحث، استاذ محاضر في جامعة سيّدة اللويزة-لبنان، عميد ركن متقاعد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة