القضاء الوطني أم القضاء الدولي   
الخميس 1432/10/11 هـ - الموافق 8/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:25 (مكة المكرمة)، 12:25 (غرينتش)
خالد الشريف

 
ثمة سؤال يطرح نفسه، وأعتقد أنه يخالج أذهان جميع الليبيين، خاصة بعيد تحرير العاصمة طرابلس، وبعد أن يتم القبض على القذافي وباقي أفراد عصابته. هذا السؤال يتجسد في أي القضاءين أنجع لتحقيق مطالب الشعب الليبي، القضاء الوطني متمثلا في المحاكم الجنائية الليبية، أم القضاء الدولي متجسدا في المحكمة الجنائية الدولية؟
 
وهل لليبيين الحق في التمسك بمحاكمة القذافي أمام المحاكم الوطنية؟ أم أنهم ملزمين بالانصياع إلى قرار مجلس الأمن رقم 1970، والمتضمن إحالة القذافي، ونجله سيف الإسلام، ورئيس جهاز مخابراته عبد الله السنوسي، إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتسليم المذكورين إلى المحكمة الأخيرة؟
 
"
لا جدال في أن محاكمة هؤلاء المجرمين -وغيرهم ممن نكلوا بالشعب الليبي الأبي- أمام المحاكم الوطنية أفضل من إحالتهم إلى القضاء الدولي، باعتبار أن هذا الأخير سوف يحاكمهم عن الجرائم التي قارفوها بعد قيام الثورة
"
لا جدال في أن محاكمة هؤلاء المجرمين -وغيرهم ممن نكلوا بالشعب الليبي الأبي- أمام المحاكم الوطنية أفضل من إحالتهم إلى القضاء الدولي، باعتبار أن هذا الأخير سوف يحاكمهم عن الجرائم التي قارفوها اعتبارا من تاريخ 15/2/2011م، وذلك بحسب نص قرار الإحالة الصادر عن مجلس الأمن، وحتى على فرض أن هذا القرار قد تناول وقائع أخرى، فإن المحكمة الجنائية الدولية تختص بالجرائم التي وقعت اعتبارا من تاريخ 1/7/2002م، وهو تاريخ دخول النظام الأساسي للمحكمة حيز التنفيذ، وينحسر اختصاصها عن أي جريمة وقعت قبل هذا التاريخ، وذلك نزولا عند نص المادة "11" من نظام روما الأساسي الذي أنشئت بموجبه هذه المحكمة.
 
حيث نصت على أنه ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي، وهذا يعني أن هناك العديد من الجرائم -التي دأب القذافي ومعاونيه على ارتكابها على مدى أربعة عقود- سوف تكون بمنأى عن الطرح والمساءلة.
 
ولا شك في أن القبول بهذا الوضع من شأنه أن يمس ويخدش الشعور العام بالعدالة لدى كافة أفراد المجتمع، وذلك لأن محاكمة أي مجرم والاقتصاص منه وتوقيع العقاب عليه تهدف -ضمن ما تهدف إليه- إلى إرضاء المجني عليه أو من وقع عليه ضرر من الجريمة، وهذا يستلزم مساءلته عن كافة جرائمه، حتى لو كانت إحدى تلك الجرائم فقط تؤدي إلى إعدامه.

وبإسقاط هذا الفهم على جرائم القذافي، سنجد أن أخطر جرائمه وأبشعها وأكثرها غلظة ووحشية هما جريمتا مجزرة سجن بوسليم في 28/6/1996م، التي راح ضحيتها أكثر من 1200 قتيل، وجريمة حقن أطفال ببنغازي بفيروس الإيدز، حيث أصاب فيروس الإيدز حوالي 428 طفلا ليبيا، وهي التي استمرت حوالي 8 سنوات من سنة 1999 إلى سنة 2007، وانتهت بتسوية قضت بالإفراج عن المتهمين الستة، بعد أن كان القضاء الليبي قد أصدر عليهم حكما بالإعدام.
 
سوف ينحسر عنها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ولا شك أن هذا الأمر فيه خيبة أمل كبيرة لليبيين، خاصة أن الجميع يعلم أن شرارة هذه الثورة المباركة هم أهالي وأسر ضحايا سجن بوسليم، ولعل أقل مكافأة لهذه الأسر هي تمكينهم من رؤية قاتل أبنائهم في قفص الاتهام، والاقتصاص منه، عسى أن يكون هذا القصاص بلسما تلتئم به الجروح الغائرة التي أحدثها ذلك المجرم.
"
النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا يعرف عقوبة الإعدام، وليس من العدالة الاكتفاء بمجرد سلب حرية القذافي وأعوانه، وإيداعهم في سجن تكفل لهم فيه كافة الحقوق المقررة للسجناء عموما
"
يُضاف إلى ذلك أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا يعرف عقوبة الإعدام، وإن أقصى عقوبة يمكن أن توقع على مرتكبي الجرائم الواردة في ذلك النظام، هي عقوبة السجن المؤبد، ولا شك أن الجرائم التي ارتكبها القذافي وأزلام نظامه فيها من البشاعة والغلظة، ما يستدعي أن تكون العقوبة التي توقع على هؤلاء المجرمين، ذات طبيعة استئصالية، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار الخطورة الإجرامية الكامنة في نفوس هؤلاء الأشخاص، فليس من العدالة الاكتفاء بمجرد سلب حرياتهم، وإيداعهم في سجن تكفل لهم فيه كافة الحقوق المقررة للسجناء عموما.

كما أن ولاية المحكمة على الدعوى التي تحال إليها عن طريق مجلس الأمن -طبقا للمادة "13" من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية- رهينة بإرادة هذا الأخير ومشيئته، ذلك أن له أن يطلب من المحكمة -بقرار يصدره- تأجيل التحقيق أو وقف إجراءات المحاكمة مدة اثني عشر شهرا قابلة للتجديد، وهذا قد يؤدي إلى عرقلة استمرا ر محاكمة القذافي ومعاونيه أمام هذه المحكمة.
أما فيما يخص الشق الثاني من السؤال، وهو المتعلق بحق السلطات الليبية في التمسك بمحاكمة هؤلاء المجرمين أمام المحاكم الليبية، نرى أن هذا الحق قائم، ولا يقع على عاتق تلك السلطات أي التزام قانوني بوجوب تسليم المتهمين للقضاء الدولي، ذلك لأن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية محكوم بمبدأ التكامل بينه وبين المحاكم الوطنية.
بمعنى أن اختصاص تلك المحكمة لا يقوم ولا ينهض إلا إذا كان القضاء الوطني ليست لديه الرغبة في الاضطلاع بمهام التحقيق والمحاكمة، أو كان غير قادر على ذلك، فالأصل أن يكون الاختصاص بالمحاكمة للدولة وفقا لمعايير وضوابط الاختصاص الواردة بتشريعاتها الداخلية، ومن ثم لا ينعقد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية، إذا قامت الدولة باتخاذ إجراءات التحقيق والمحاكمة حيال المتهمين.

وهذا ما أكدت عليه الفقرة العاشرة من ديباجة النظام الأساسي للمحكمة، حيث جاء فيه (وإذ نؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب هذا النظام الأساسي ستكون مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية).
ولا ينال من ذلك كون أن إحالة المتهمين هنا تمت بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي، ذلك أن مبدأ التكامل -سالف الذكر- مبدأ عام يحكم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، أيا كان سبب اختصاصها بالدعوى.
ومما يؤيد ويدعم هذا الرأي ما جاء في موقف حكومة السودان من طلب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو إلى المحكمة بممارسة اختصاصها على بعض أحداث دارفور، ذلك لأن ذلك الوضع مشابه -من الناحية القانونية- للوضع في ليبيا، باعتبار أن دولة السودان ليست طرفا في ميثاق المحكمة، والإحالة إلى هذه الأخيرة تمت بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن تحت رقم 1593/2004م.
حيث تمسك السودان بأنه شرع في التحقيق مع المتهمين ومحاكمتهم، ورتب على ذلك انحسار الاختصاص عن المحكمة الجنائية الدولية، استنادا لمبدأ "التكامل"، ودفع بعدم مقبولية الدعوى أمام المحكمة، استنادا لنص المادة 17/أ من النظام الأساسي للمحكمة، ورد المدعي العام للمحكمة على هذا الدفع بأن الدعوى المثارة أمام المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بالمقبولية، لأنها ليست محل تحقيق أو محاكمة من السلطات السودانية، وأن مبدأ التكاملية لا ينطبق عليها.
 
"
محاكمة القذافي وأزلامه أمام القضاء الليبي هي الأكثر إرضاءً للشعور العام بالعدالة، كون ولاية القضاء الليبي تستطيل وتتناول كافة الجرائم التي ارتكبوها
"
ويُستفاد من ذلك أن الإحالة للمحكمة الجنائية الدولية عن طريق مجلس الأمن هي أيضا محكومة بضوابط الاختصاص والمقبولية الواردة بالنظام الأساسي للمحكمة، ولو كان الأمر غير ذلك لتمسك المدعي العام في مواجهة السودان بأن الدعوى محالة إلى المحكمة عن طريق مجلس الأمن بغض النظر عن اضطلاعها بالتحقيق من عدمه.
 
وخلاصة القول: إن محاكمة القذافي وأزلامه أمام القضاء الليبي هي الأكثر إرضاءً للشعور العام بالعدالة، كون ولاية القضاء الليبي تستطيل وتتناول كافة الجرائم التي ارتكبها القذافي وأتباعه، وأن السلطات الليبية لها الحق في التمسك بالمحاكمة أمام المحاكم الوطنية دون أن يُوصف أو يُنعت تصرفها بالخارج عن القانون.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة