سرقة ثورة المصريين   
الأحد 1432/7/11 هـ - الموافق 12/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 10:28 (مكة المكرمة)، 7:28 (غرينتش)
حمدي عبد الرحمن


انتقال منظم أم موجه؟
تكرار أخطاء ما قبل الثورة
دروس وعبر

على الرغم من كثرة الحديث إعلاميا عن تحديات ما اصطلح على تسميته "الثورة المضادة" في مصر والخوف من "فزاعات" مصر ما بعد مبارك والمتمثلة في إمكانيات عودة "السلفيين" و"الإخوان المسلمين" وفلول الحزب الوطني الذي تم حله، فإن التحدي الأكبر للثورة المصرية يأتي من خارج مصر.

لقد كانت التوجهات الاقتصادية لحكومة تصريف الأعمال بقيادة الدكتور عصام شرف موضوع نقاش وجدل حاد في المؤسسات الدولية المانحة وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي للتنمية والإعمار.

وفي نفس السياق احتل المستقبل الاقتصادي لمصر بعد الثورة مكانة بارزة في خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم 19 مايو/ آيار عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقد استمر التوجه الغربي والدولي في محاولاته الهادفة للتحكم في مسار الثورة المصرية عن طريق التوظيف السياسي للأدوات الاقتصادية.

ففي اجتماع قمة مجموعة الثماني الذي عقد يومي 26-27 مايو/ آيار بفرنسا والذي خصص لمناقشة تداعيات الربيع العربي تم الإعلان عن تخصيص نحو عشرين مليار دولار أميركي لكل من مصر وتونس. ويتوقع بعض المراقبين أن تحصل مصر في الفترة القادمة على نحو (15) مليار دولار على شكل قروض ومنح واستثمارات من دول ومؤسسات دولية مانحة كبرى.

انتقال منظم أم موجه؟
"
المحاولات الغربية الاقتصادية تهدف إلى تقييد مسار الثورة المصرية بحيث يظل في إطار الفهم الغربي العام للانتقال المنظم نحو الديمقراطية

"
يلاحظ المتابع للخطاب السياسي الغربي والأميركي على وجه الخصوص الحديث دوماً عن ضرورة الانتقال المنظم "Orderly transition " للديمقراطية في مصر بعد مبارك. وأحسب أن الفهم الصحيح للمقصد الغربي والأميركي هو الانتقال الموجه للثورة المصرية بحيث لا تخرج عن المسار العام المقبول غربياً. ويمكن توضيح ذلك بجلاء على ضوء قراءة واعية لمتغيرات ثلاثة ترتبط بالمشهد المصري العام وذلك على النحو التالي:

• أول هذه المتغيرات يمثل المبادرات الدولية المتعددة بتقديم المساعدة الاقتصادية لمصر. فالإدارة الأميركية تحدثت عن تقديم نحو مليار دولار على شكل استثمارات في مصر تتم تحت رعاية المؤسسة الأميركية للاستثمار الخاص فيما وراء البحار.

كما أن البنك الدولي وافق مؤخراً على منح مصر قرضاً بقيمة ثلاثة مليارات دولار. ولا شك أن هذه المبادرات تمثل محاولات واعية وهادفة من أجل دعم وتعزيز قدرات الطبقة الحاكمة في مصر لمواجهة طوفان المطالب الشعبية في مرحلة ما بعد الثورة.

وبعبارة أخرى أكثر وضوحاً فإن هذه المحاولات الغربية تهدف إلى تقييد مسار الثورة المصرية بحيث يظل في إطار الفهم الغربي العام للانتقال المنظم نحو الديمقراطية.

• أما المتغير الثاني فإنه يتمثل في المحاولات الدؤوبة من جانب الإدارة الأميركية لإعادة تشكيل النخبة المصرية الجديدة بحيث يتم استبعاد العناصر الأكثر تشدداً وتطرفاً.

ويبدو أن محاولة إعادة إنتاج تجارب أوروبا الشرقية في المنطقة العربية تمثل هدفاً يناضل من أجله الرئيس أوباما. وعلى سبيل المثال فقد أعلن الرئيس الأميركي أثناء زيارته لبولندا عن ضرورة نقل خبرة التحول الديمقراطي في بولندا إلى كل من تونس ومصر.

وليس بخاف كذلك أن الولايات المتحدة أعلنت صراحة عن قبولها التعامل مع حكومة مصرية جديدة بمرجعية إسلامية. ولا أظن أن حكومة مصرية بوجه إسلامي تمثل بحد ذاتها إشكالية للغرب وإنما الخطورة تكمن في وجود حكومة مصرية معادية للغرب وإسرائيل وإن كانت ليبرالية التوجه.

• ويشير المتغير الثالث إلى جهود المؤسسات الدولية المانحة لدعم وتكريس برنامج التحول النيوليبرالي للاقتصاد المصري والذي سار على نهجه نظام مبارك.

وبغض النظر عن رؤيتنا النقدية لدور القوى الدولية الكبرى المانحة فإنها تحاول أن تتجمل بعد الثورة المصرية وتشجع سياسات جديدة مثل خلق الوظائف والتوسع في مشروعات البنية الأساسية وما إلى ذلك من بعض السياسات التي قد تلبي طموحات المواطنين.

"
نجاح المسعى الأميركي والغربي لسرقة الثورة المصرية، وغيرها من الثورات العربية، سوف يفضي إلى وجود مجتمع يتمتع ببعض مظاهر الديمقراطية الليبرالية الحديثة لكنه يخضع لهيمنة تحالف العسكر ونخب رجال الأعمال!

"

على أن واقع الأمر يشير إلى أن ظاهر هذه السياسات الجديدة الرحمة وباطنها العذاب حيث أنها ترمي إلى دعم برامج الخصخصة واقتصاد السوق بمعناه الكلاسيكي.

وأيا كان الأمر فإننا نذهب مع الكاتب الفلسطيني الأصل آدم هنية -الذي يعمل محاضراً في كلية للدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن- إلى القول بأن مصر تمثل حالة مثالية لتطبيق الرؤية النيوليبرالية التي تبدو في ظاهرها نصيرة للفقراء والمستضعفين ومؤيدة للتحولات الديمقراطية.

ولعل مكمن الخطورة هنا يتمثل في أن نجاح هذا المسعى الأميركي والغربي لسرقة الثورة المصرية، وغيرها من الثورات العربية، سوف يفضي إلى وجود مجتمع يتمتع ببعض مظاهر الديمقراطية الليبرالية الحديثة لكنه يخضع من حيث البنية والمعنى لهيمنة تحالف العسكر ونخب رجال الأعمال!

تكرار أخطاء ما قبل الثورة
لماذا حرصت حكومة مصر الانتقالية على المضي قدماً في اتباع نفس السياسات القديمة المتعلقة بالتعامل مع المؤسسات الدولية المانحة وعلى رأسها البنك الدولي؟ سؤال يستحق النظر والتأمل في تداعياته عند استشراف مستقبل الثورة المصرية.

لقد ورثت مصر بعد الثورة تركة ثقيلة من الدين الخارجي تبلغ نحو (35) مليار دولار. والملاحظ أن الحكومة المصرية على مدى السنوات العشر الماضية كانت تدفع نحو ثلاثة مليارات دولار سنوياً خدمة لهذا الدين.

يعني ذلك وعلى عكس الاعتقاد العام فإن الأموال المصرية التي كانت تستقطع عادة من جيوب المواطنين البسطاء ذهبت لصالح أثرياء الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وأظن أن المشهد الدرامي الذي يصور مدير صندوق النقد الدولي السابق ستروس كان ويديه مصفدة بالأغلال بتهمة محاولة اغتصاب سيدة أفريقية مسلمة إنما يعكس حقيقة اعتداء هذه المؤسسة المالية الدولية على فقراء الدول النامية على مدى ستين عاماً خلت.

وعليه فإن القراءة الواعية لمفجرات الثورة المصرية التي أدت إلى إسقاط حكم الطغيان بزعامة حسني مبارك تفيد بأنها ارتبطت كذلك بالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي طبقت في مصر منذ سنوات طويلة.

إن من حسن التدبر النظر إلى ثورة 25 يناير المصرية باعتبارها نتاجا لتراكمات طويلة من الظلم والاستبداد الذي عانى منه المصريون.

"
القوى الدولية المانحة تسعى لدعم التوجه الاقتصادي الليبرالي في مصر وذلك قبل الوصول إلى حكومة وطنية منتخبة يمكنها أن تعيد الأوضاع إلى نصابها الصحيح

"
ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى انتفاضة الخبز عام 1977 والتي كانت في جوهرها رد فعل شعبي غاضب على سياسات التحرر الاقتصادي التي انتهجها الرئيس الراحل أنور السادات عندما أعاد هيكلة توجهات مصر الخارجية لتسير في فلك الولايات المتحدة والدول الغربية.

لقد كان من المنطقي أن يستمر نضال المصريين في مواجهة هذه السياسات الاقتصادية الظالمة التي كان يمليها صندوق النقد الدولي على مصر.

ففي بداية التسعينيات من القرن المنصرم أدت برامج التكيف الهيكلي المفروضة من هذا الصندوق، الذي أطلق عليه المصريون -بخفة ظلهم المعهودة- اسم "صندوق النكد الدولي" إلى تحرير وخصخصة أهم القطاعات الصناعية في مصر، وهي صناعة النسيج.

وقد ترتب على ذلك تسريح نحو نصف عدد العمال في هذا القطاع فضلاً عن تجميد أجور من بقي منهم في العمل. ولا شك أن احتجاجات ومطالب هؤلاء العمال ولا سيما في مدينة المحلة الكبرى تمثل من وجهة نظر كثير من المراقبين الخطوة الكبرى التي أفضت إلى الثورة المصرية.

وعليه فإن مكمن الخطورة في المرحلة الانتقالية الراهنة في مصر يتمثل في جهود القوى الدولية المانحة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي من أجل دعم التوجه الاقتصادي الليبرالي في مصر وذلك قبل الوصول إلى حكومة وطنية منتخبة يمكنها أن تعيد الأوضاع إلى نصابها الصحيح.

دروس وعبر
لعل من المستغرب حقاً أن معظم الجدل الحاصل في الساحة السياسية المصرية بعد الإطاحة بالرئيس مبارك يركز على مكونات المشهد الداخلي وتعقيداته المختلفة.

على أن التوجه الاقتصادي الجديد وضرورة تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الذات في مصر لم يحظ بالاهتمام المناسب حتى من قبل القوى ذات التوجهات اليسارية أو النزعة الاشتراكية التي اكتفت بالحديث عن العدالة الاجتماعية في مصر الثورة.

إننا في هذا السياق نتحدث عن ضرورة إعادة صياغة علاقة مصر الجديدة بقوى النظام المالي والاقتصادي العالمي، وهو ما يعني فك رباط التبعية الذي يثقل كاهل مصر ويعوق حركتها الخارجية المستقلة.

ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى تجربة دولة جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد الفصل العنصري لتكون نموذجاً نأخذ منه الدروس والعبر في مصر.

فالمؤتمر الوطني الأفريقي الذي قاد النضال من أجل إسقاط نظام الأبارتهيد (التفرقة العنصرية) البغيض في جنوب أفريقيا وضع مدونة مشهورة أطلق عليها اسم "ميثاق الحرية".

"
في جنوب أفريقيا تم الاتفاق على تسليم إدارة المراكز الاقتصادية الكبرى للبنك وصندوق النقد الدوليين، وحتى الحزب الوطني الذي يمثل الأقلية البيضاء, فكانت النتيجة كارثية
"
وقد تضمنت هذه الوثيقة العديد من المطالب الخاصة بالعدالة الاقتصادية بما في ذلك حق المسكن والرعاية الصحية، وتأميم الصناعات الكبرى. وبينما انشغلت قيادات حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بعمليات التمكين السياسي للأغلبية الأفريقية السوداء فقد تم الاتفاق على تسليم إدارة المراكز الاقتصادية الكبرى في الدولة لخبراء محايدين من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وحتى من الحزب الوطني الذي يمثل الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا.

لقد كانت النتيجة كارثية حيث لم تستطع حكومة جنوب أفريقيا المستقلة تحقيق برنامجها الاقتصادي. وثمة رؤى نقدية لتجربة جنوب أفريقيا التي لا تزال تعاني من هيمنة الأقلية البيضاء على المراكز الاقتصادية الأساسية في الدولة.

وعليه فإنه يمكن رؤية القرض الأخير الذي منحه صندوق النقد الدولي لمصر وكذلك المحاولات والمبادرات الدولية الأخرى لمساعدة مصر اقتصادياً باعتبارها تهدف إلى تكبيل مصر اقتصادياً بنفس الطريقة التي حدثت في جنوب أفريقيا.

وليس بخاف أن الدول الغربية تحاول جاهدة توظيف مسألة الأزمة الاقتصادية الخانقة في مصر بعد الثورة من أجل إعادة تشكيل خيارات المصريين بما يضمن المحافظة على مصالح الطبقة المصرية الحاكمة بتوجهاتها الموالية للغرب، وهو ما يعني في حقيقة الأمر تهديداً خطيراً لمصالح الأغلبية الصامتة في مصر وقطع الطريق أمام آمال وطموحات الثورة التي لم تتحقق بعد.

فهل تتم سرقة ثورة المصريين من قبل هذه القوى الدولية المتربصة؟ هذا هو التحدي الأكبر!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة