إسرائيل والحرب الإلكترونية   
الجمعة 1434/6/2 هـ - الموافق 12/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:10 (مكة المكرمة)، 11:10 (غرينتش)
صالح النعامي

 

سيناريو الرعب الإسرائيلي
إستراتيجية هجومية
إستراتيجية دفاعية

رغم الأصداء الواسعة التي تركتها الهجمة الإلكترونية التي تعرضت لها إسرائيل مؤخراً والتي استهدفت مواقع وزارات ومرافق حكومية على الشبكة العنكبوتية، فإنه يمكن القول إن هذه الهجمة أبعد ما تكون عن الحرب الإلكترونية التي تحسب لها النخب الحاكمة ودوائر التقدير الإستراتيجي في تل أبيب ألف حساب، وتعمل على مدار الساعة من أجل تحصين الكيان الصهيوني في مواجهتها.

إن ما يثير الذعر في إسرائيل هو أن تتعرض لهجمة إلكترونية تستهدف بشكل مباشر مرافقها الإستراتيجية المرتبطة بالفضاء الإلكتروني، مثل البنى التحتية (الكهرباء والمياه والمواصلات، والقطاع المصرفي..)، وهيئات القيادة وشبكات التحكم العسكرية، والأقمار الصناعية، وكذلك مجمل التقنيات المتقدمة المرتبطة بهذا الفضاء.

سيناريو الرعب الإسرائيلي
إن إسرائيل تنطلق من افتراض مفاده أنه كلما تعاظمت درجة توظيف التقنيات المتقدمة في تشغيل مرافق البنى التحتية والمؤسسات العسكرية والمدنية الحساسة، زادت فرص انكشافها أمام الهجمات الإلكترونية "المعادية" التي قد لا تؤدي فقط إلى توقف عمل هذه المرافق وتلك المؤسسات مما ينتج عنه شلل الحياة في الكيان الصهيوني، بل يمكن أن تؤدي أيضاً إلى سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف المدنيين والعسكريين.

سيناريوهات الرعب التي تخشاها إسرائيل من الهجمات الإلكترونية لا تكمن فقط في الشلل الذي يمكن أن يصيب الكيان الصهيوني, بل في سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف المدنيين والعسكريين

ومن الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى مثال بسيط يوضح حجم الأضرار التي تخشى إسرائيل تكبدها جراء هجوم إلكتروني يستهدف مرافق البنى التحتية لديها، ألا وهي الأضرار الناجمة عن مهاجمة هيئة التحكم المحوسبة التي تشغل نظام الإشارات المرورية فيها.

فقد حذر أكثر من مسؤول إسرائيلي من أن أي طرف معادٍ قادرٍ على الولوج إلى وحدات التحكم الإلكتروني في نظام الإشارات المرورية يمكنه أن يتسبب في موت مئات الإسرائيليين خلال دقائق، حيث بإمكان هذا الطرف تغيير إعدادات هذه الوحدات، بحيث يتم تشغيل الأضواء الخضراء في نظام الإشارات المرورية في الاتجاهات المتعاكسة في الوقت نفسه، مما يعني سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في حوادث طرق مؤكدة.

إن الأضرار الناجمة عن مهاجمة هيئة التحكم المحوسبة التي تشغل نظام الإشارات المرورية تعتبر بسيطة مقارنة بالأضرار الناجمة عن استهداف مرافق أكثر حيوية. فعلى سبيل المثال تخشى إسرائيل أن تتمكن أطراف "معادية" من الولوج إلى هيئات التحكم المحوسبة في مطار بن غوريون والتسبب في حوادث تصادم بين الطائرات المقلعة أو الهابطة، أو التشويش على النظم التي تتحكم في مستوى ارتفاع الطائرات أثناء اقتلاعها أو طيرانها حتى تصطدم ببعضها البعض، أو جعلها تصطدم بعوائق طبيعية.

وبواسطة الآلية ذاتها، يمكن المس بشكل جدي بتزويد الإسرائيليين بالكهرباء والماء وخدمات الاتصال المختلفة. وما ينطبق على المرافق المدنية يمكن أن ينطبق على المرافق العسكرية المختلفة التي توجه عبر هيئات تحكم محوسبة، وتحديداً مجمعات الصناعة العسكرية المختلفة.

فعلى سبيل المثال تخشى إسرائيل أن يتم التشويش على نظام رقابة وتحكم في مصنع ينتج وسائل قتالية بشكل يؤدي إلى تفجيره، علاوة على التأثير على هيئات التحكم المرتبطة بوسائل الدفاع الجوي لكي تستهدف طائرات عسكرية أو مدنية تعود لإسرائيل نفسها.

ويبلغ الفزع الصهيوني من النتائج "الكارثية" لحرب إلكترونية إلى حد الخوف من إمكانية أن تتمكن "الأطراف المعادية" من الوصول إلى النظم المحوسبة التي تشغل مصانع البتروكيميائيات، والتي يمكن أن تؤدي إلى حدوث تفاعلات غير مرغوب فيها ينتج عنها سحب من الغازات السامة التي تؤدي إلى عدد كبير من القتلى، فضلاً عن الكوارث البيئية التي يمكن أن تنتج عن ذلك.

إستراتيجية هجومية
تدرك إسرائيل أن سيناريو الرعب الذي تمت الإشارة إليه أعلاه يتحقق في حال وجود طرف يملك قدرات في المجال الإلكتروني تمكنه من القيام بمثل هذه الاختراقات، وهي ترى أن هذه الإمكانيات لا يمكن أن تتوفر إلا لدول لديها قدرات كبيرة في المجال الإلكتروني.

من هنا، فهي ترى أن المبادرات التي يقدم عليها الهاكرز لا تنجح في الغالب في الولوج إلى هيئات التحكم المحوسبة التي ترتبط بها مرافق البنى التحتية أو المنظومات العسكرية المختلفة لديها، على اعتبار أن الهاكرز غير مؤهل لاختراق منظومات الدفاع المرتبطة بهذه المنظومات.

إن الذي يجعل إسرائيل تبدي كل هذه الحساسية والمخاوف لخطر الحرب الإلكترونية يرجع بشكل أساسي إلى حقيقة إدراكها للطاقة الكامنة في الحرب الإلكترونية، على اعتبار أنها تمارس على نطاق واسع هذا النوع من الحرب في محاولتها تحقيق أهداف تكتيكية وإستراتيجية. 

فلم يعد سراً أن إسرائيل تمكنت عام 2009 -بالتعاون مع الولايات المتحدة- من إعطاب أجهزة الطرد المركزي التي تعتمد عليها إيران في تخصيب اليورانيوم، وذلك عبر استخدام فيروس "Stuxnet". ولم يتردد وزير الحرب الإسرائيلي الحالي موشيه يعالون في الاعتراف بأن إسرائيل هي المسؤولة عن الهجمة الإلكترونية التي تعرضت لها منظومات حواسيب إيرانية حساسة في يونيو/حزيران 2012، وذلك عبر استخدام فيروس "Flame".

أنشأت إسرائيل هيئة الحرب الإلكترونية التابعة لرئاسة أركان الجيش, وتتمثل مهمتها في تنسيق وتخطيط العمليات الحربية في الفضاء الإلكتروني، وهي في ذلك تقتفي أثر الولايات المتحدة

في الوقت ذاته، أقدمت إسرائيل على التسلل إلكترونياً إلى منظومات التحكم المسؤولة عن توجيه الدفاعات الجوية السورية عشية الغارة التي نفذتها الطائرات الإسرائيلية على المنشأة النووية السورية قرب دير الزور شمال شرق سوريا في سبتمبر/أيلول 2006، وأبطلت عمل هذه المنظومات حتى تقلصت فرص تعرض الطائرات المغيرة لنيران الدفاعات الجوية السورية.

وبالإضافة إلى هذا النوع العنيف من الاستخدام، فإن هناك توظيفا "ناعما" للحرب الإلكترونية تعكف عليه إسرائيل منذ سنين. فعناصر المخابرات الإسرائيلية يوظفون مواقع التواصل الاجتماعي في محاولاتهم لتجنيد عملاء عبر استخدام هويات مزيفة. وتؤكد المعطيات التي تقدمها الأجهزة الأمنية الفلسطينية أنه بالاستناد إلى التحقيقات التي أجريت مع أشخاص اعترفوا بالتعاون مع إسرائيل، يتبين أن نسبة كبيرة من هؤلاء أسقطوا في براثن العمالة لصالح إسرائيل بعد إقامة علاقات افتراضية مع رجال مخابرات قدموا أنفسهم على أنهم فلسطينيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

من الواضح أن الحرب الإلكترونية أصبحت من الأدوات الرئيسية المستخدمة من قبل إسرائيل لتحقيق أهدافها الإستراتيجية دون التورط في مواجهة مكشوفة مع الأطراف المستهدفة، ومثال ذلك مهاجمة منظومات الحواسيب في المنشآت النووية الإيرانية على اعتبار أنه ليس من السهولة تقديم أدلة قطعية تثبت مسؤولية طرف بعينه عن تنفيذ هجمات إلكترونية.

ولقد غدت الحرب الإلكترونية جزءاً لا يتجزأ من إستراتيجية إسرائيل الهجومية، حيث يتم توظيف الفضاء الإلكتروني في الجهد الحربي ضمن إستراتيجية شاملة اعتمدتها تل أبيب. فقد أقدم الجيش الإسرائيلي على خطوة مهمة جداً عندما أعلن عام 2009 أن الفضاء الإلكتروني بات يمثل إحدى المجالات الإستراتيجية العملياتية.

واستناداً إلى ذلك أقام الجيش "هيئة الحرب الإلكترونية" التي تتبع قيادة أركان الجيش الإسرائيلي، وتتمثل مهمة الهيئة في تنسيق وتخطيط العمليات الحربية في الفضاء الإلكتروني، وهي في ذلك تقتفي أثر الولايات المتحدة التي دشنت "هيئة الحرب الإلكترونية" التابعة لوزارة الدفاع الأميركية.

إستراتيجية دفاعية
إسرائيل التي تولي كل هذا الاهتمام بتوظيف الحرب الإلكترونية في جهدها الحربي، تعي أنه يمكن استهدافها في يوم من الأيام بنفس الآليات التي تتبعها في الفضاء الإلكتروني. ولتلافي سيناريو الرعب الذي تخشاه إسرائيل، والذي تمت الإشارة إليه سابقاً، بلور الكيان الصهيوني إستراتيجية دفاعية شاملة في الفضاء الإلكتروني.

ففي 18 مايو/أيار 2011 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تدشين "الهيئة القومية للحرب الإلكترونية"، وهدفها الأساسي اتخاذ الاستعدادات الدفاعية التي تمكن من حماية الفضاء الإلكتروني وحماية البنى التحتية والمرافق المدنية والعسكرية المرتبطة به. وحسب الإعلان، فإن الهدف من إقامة هذه الهيئة توسيع قدرات الدفاع في مواجهة أي حرب إلكترونية تشنها دول أو منظمات.

وتعتبر الهيئة مسؤولة عن جميع الأذرع العسكرية والمدنية المشاركة في هذا الجهد، وتعمل بتنسيق مع "السلطة الرسمية لحماية المعلومات" التابعة لجهاز المخابرات الداخلية (شاباك)، وشركة "تهيلا" التي توفر خدمة تصفح للوزارات والمؤسسات التابعة لها.

إن القائمين على الهيئة يدركون أن التحدي الأبرز أمامهم يتمثل في تصميم منظومة دفاع إلكترونية متكاملة، علما بأن بلورة مثل هذه المنظومة يتطلب تنسيقا وتعاونا كاملا بين المؤسسات المدنية والعسكرية، بخلاف ما يتعلق بالمجال الحربي التقليدي الذي تنفرد بإدارته المؤسسة الأمنية.

وتنطلق الهيئة الجديدة من افتراض مفاده أن التنسيق والتعاون بين المؤسسات الأمنية والمدنية أمر بالغ الأهمية، لأنه من الصعب التمييز والتفريق في الفضاء الإلكتروني بين البنى التحتية العسكرية والمدنية.

ثمة دعوات في إسرائيل لإعادة صياغة العقيدة الأمنية التي بلورت مطلع خمسينيات القرن الماضي، لكي تتلاءم مع الحرب في الفضاء الإلكتروني

في الوقت ذاته ورغم أن المؤسسة الأمنية هي التي توجه الحرب الإلكترونية ضد الأطراف الخارجية، فإنها تدرك أن تحسين القدرات الدفاعية يتطلب تعاونا وتنسيقا مع القطاع الخاص، لاسيما شركات التقنية المتقدمة، على اعتبار أن لديها قدرات وكفاءات كبيرة في مجال التعامل مع الفضاء الإلكتروني.

لقد وصل الاهتمام بالحرب الإلكترونية في إسرائيل إلى درجة أن هناك دعوات داخل المؤسسة الأمنية ولجنة الخارجية والأمن في الكنيست إلى إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي بلورت مطلع خمسينيات القرن الماضي لكي تتلاءم مع الحرب في الفضاء الإلكتروني.

وأخيرا, فإن تفوق طرف ما في مجال الحرب الإلكترونية يتوقف بشكل أساسي على مدى قدرته على توظيف واستغلال موارده الذاتية، وخاصة البشرية. فإن كان طرف عربي أو إسلامي معني برد الصاع صاعين لإسرائيل في مجال الحرب الإلكترونية، فإن عليه الاستثمار في مجال إعداد الكادر البشري الملائم، مع كل ما يتطلبه ذلك من وجود بيئة تعليمية تضمن المخرجات المطلوبة.

ومن نافلة القول إن النظم السياسية الوطنية الديمقراطية هي تلك التي تحرص على بذل أقصى جهد ممكن في توظيف موارد بلدانها الذاتية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة