قراءة في كتاب القذافي الأبيض   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم: إسماعيل محمد*

- القضية الفلسطينية.. الإجماع العربي
- أولاً: منطلقات ومحددات المبادرة
- ثانياً: أسس المبادرة
- ثالثاً: ملاحظات عامة

عبد الله بن عبد العزيز ومعمر القذافي وعمرو موسى
توقفت مرارا قبل البدء بكتابة بعض الملاحظات والتعليقات على ما أسماه الزعيم الليبي معمر القذافي بالكتاب الأبيض لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وتحديدا على أرض فلسطين التاريخية. كنت أتساءل.. هل لابد من التمسك بمسلمة بعض المثقفين العرب من أن كل ما يصدر عن القذافي خطأ يجب نقده؟ غير أن أهمية ما طرحه القذافي وتوافقه مع العديد من الأفكار الأخرى التي يطرحها بعض المثقفين الفلسطينيين البارزين مثل الدكتور عزمي بشارة والدكتور إدوارد سعيد وغيرهما أعطى الموضوع أهمية توجب طرحه وتناوله أكثر من رؤية ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز التي أخذت زخما قد يكون أكبر بكثير مما احتوته من أفكار.

القضية الفلسطينية.. الإجماع العربي

ربما تمثل القضية الفلسطينية أهم قضايا الإجماع العربي إذ لا تختلف معظم مكونات النسيج العربي سياسيا ودينيا واجتماعيا على أن الصراع العربي الإسرائيلي هو أكبر قضايا الأمة العربية منذ التحرر من الاستعمار الحديث بغض النظر عن الاختلاف في كيفيات التناول لها، وكذلك قدرة الأمة على صياغة مشروع لإدارة الصراع.

وقد اتسعت دائرة الصراع أمام الفلسطينيين والعرب لتشمل أخيرا مكاتب صنع القرار في الغرب -المسؤول الأول عن كل دماء الشعب الفلسطيني ومعاناته- التي تسعى جاهدة إلى إعادة تعريف الإرهاب لإدراج المقاومة الفلسطينية ضمن ممارساته التي يجب إعلان الحرب عليها، في وقت لم يجد العرب في معظمهم من سبل لمواجهة التطورات المتلاحقة والتحديات المتفاقمة على هذه الجبهة إلا السعي لجمع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، أو بذل الجهود من أجل إقناع الولايات المتحدة بالعمل على استئناف المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية، وفي الجهود الأكثر الإعلان عن استعداد العرب للاعتراف بدولة إسرائيل إذا انسحبت من الأراضي العربية المحتلة عام 67، وكأن الحل في استمرار التنازل!

أولاً: منطلقات ومحددات المبادرة

قدم القذافي لمبادرته ببعض المحددات والمنطلقات نذكر أهمها في النقاط التالية:

* المعركة مع الاستعمار

يجب الاعتراف بأن مناطق السلطة الحالية لا يمكن أن توفر إمكانية العيش لأكثر من سبعة ملايين لاجئ فلسطيني يملكون الحق في العودة
بدأ القذافي حديثه بالتأكيد على أن المشكلة الحقيقية ليست مع اليهود كأصحاب دين بل مع الاستعمار، وهي حقيقة تمثل أساسا في فهم طبيعة الصراع مع إسرائيل، فقد أكد مرارا ولا يزال الدكتور عبد الوهاب المسيري (الخبير في الشؤون الإسرائيلية) على تعريف إسرائيل بالدولة الوظيفية وقصد بها أن الغرب استخدم اليهود في تاريخهم الحديث كجماعة وظيفية تقوم بعملية المراباة لصالح الدولة، وبعد تطور النظام البنكي في الغرب في القرن التاسع عشر بدأ مفكروهم وساستهم بإعادة النظر في الفائض البشري اليهودي في مجتمعاتهم. وقد انعكست هذه المراجعة على هيئة أفكار إنجليزية وألمانية وروسية نادت بتأسيس دولة وظيفية لليهود بما يعرف بسلسلة الوعود البلفورية (وهي مجموعة من الوعود صدرت عن ساسة من عدة دول غربية). واختلف أصحاب تلك الدعوات في تحديد المكان إلى أن تم الاتفاق على فلسطين لاعتبارات دينية باعتبار أرض فلسطين أرض ميعاد لليهود والمسيحيين معا حسب مزاعم مراجع الديانتين، وأخرى قومية ترى في فلسطين أرض الآباء والأجداد.

وقد عزز من شعبية هذا الخيار بين صناع القرار في الغرب الرغبة في الاحتفاظ بوسيلة ردع إقليمية للمنطقة العربية والإسلامية باعتبارها وجودا حضاريا مغايرا للغرب، وهو ما يمكن أن تقوم به دولة لليهود في المنطقة، على غرار الدور الذي تقوم به تايوان وكوريا الجنوبية بالنسبة للصين الآن مع الاختلاف في كثير من التفصيلات.

* أهمية وجود إسرائيل أميركيا
ولفهم أهمية وجود إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة -باعتبارها القوة المحركة للغرب الآن- نذكر النقاط التالية:

  1. أميركا في غياب إسرائيل بحاجة إلى توفير قوات ردع عسكرية دائمة في البحر والبر تكلفها أضعاف تكلفة مساعدتها السنوية لإسرائيل التي تقدر في أعلى التقديرات بـ 19 مليارا.
  2. حاجة أميركا للتقنيات العسكرية العالية، وقوة الردع النووي لدى إسرائيل.
  3. الاستفادة من كم المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية عن دول المنطقة.


يرفض القذافي إمكانية الفصل بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي سواء من حيث التوزيع السكاني أو المصالح الاقتصادية، إذ يوجد الآن أكثر من مليون عربي (فلسطيني) يحمل الجنسية الإسرائيلية وهناك ما يقرب من هذا العدد من المستوطنين اليهود في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة
* الواقع الدولي والإقليمي

يرى القذافي بأن الإستراتيجيات الدولية والإقليمية تقوم الآن على عدم السماح بالحديث عن الوجود اليهودي في المنطقة، فدوليا لا خلاف على إعطاء اليهود حق العيش في فلسطين، وعربيا وافقت أغلب الدول العربية خاصة السعودية ومصر وسوريا منذ مؤتمر مدريد على أن تحقيق السلام بات هو الإستراتيجية العربية.
ولذا فقد اختار القذافي أن يؤسس لمبادرته بالاعتماد على الواقع المفروض -واقع السلام- فأعلن عدم معارضته للوجود اليهودي في فلسطين ولكن دون تخطي حق الفلسطينيين أنفسهم في العودة إلى أرضهم، والحياة عليها كمواطنين ذوي حقوق.

* حدود فلسطين
الحديث عن قيام دولة فلسطينية منذ مؤتمر مدريد أثر في تعريف فلسطين فاقتصر تحديدها جغرافيا على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 67، وهو ما رفضه القذافي باعتبار فلسطين الحقيقية هي ما احتل من الأرض منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948 وهو ما تخلت عنه الأدبيات العربية إلا لدى بعض التيارات الوطنية والإسلامية في فلسطين والمنطقتين العربية والإسلامية.

* التداخل الديمغرافي والاقتصادي
يرفض القذافي -بناء على ما هو موجود في الواقع داخل فلسطين المحتلة وما أصبح عرفا دوليا وإقليميا من اعتراف بالوجود اليهودي في فلسطين- إمكانية الفصل بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي سواء من حيث التوزيع السكاني أو المصالح الاقتصادية، إذ يوجد الآن أكثر من مليون عربي (فلسطيني) يحمل الجنسية الإسرائيلية هم من يعرفون في وسائل الإعلام بعرب إسرائيل، وهناك ما يقرب من 200 ألف من المستوطنين اليهود في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. كما أن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بشكل كبير على اليد العاملة الفلسطينية العابرة من الضفة والقطاع إلى داخل إسرائيل، وفي الوقت نفسه تمثل المناطق الفلسطينية سوقا مهما للمنتجات الإسرائيلية. ولذا نجد أن كلا من الاقتصادين الإسرائيلي والفلسطيني يتكبدان الخسائر من جراء الأوضاع الحالية في فلسطين. ويضيف القذافي أن مساحة فلسطين التاريخية لا تسمح بقيام دولتين مستقلتين.

القذافي أثناء إعلان مبادرة الكتاب الأبيض في اجتماعات مؤتمر الشعب الليبي بمناسبة ذكرى إعلان الجماهيرية
* إمكان قيام الدولة الفلسطينية
يلاحظ المتتبع للمسألة الفلسطينية أن سقف المفاوضات قد انحسر منذ مدة في مطلب وحيد هو إقامة الدولة الفلسطينية على ما يسمى الآن بأراضي السلطة الفلسطينية، وهو ما يؤيده العرب عدا القذافي الذي يعتقد أن ذلك خيانة للحقيقة التاريخية التي تحدد فلسطين في مساحة أكبر مما هو مقرر لها حاليا، كما يرفض ذلك بالنظر إلى التداخل الديمغرافي وعدم وحدة الإقليم الذي تفصل بينه أراض إسرائيلية. ويجب الاعتراف بأن مناطق السلطة الحالية لا يمكن أن توفر إمكانية العيش لأكثر من سبعة ملايين لاجئ فلسطيني يملكون الحق في العودة.

ويؤكد القذافي عدم إمكانية التعايش بين دولة إسرائيل التي يعتبرها الفلسطينيون محتلة وبين دولة فلسطينية تتزايد فيها المقاومة مما يعني زيادة المواجهات بينهما. وبالنظر لعدم التوازن العسكري والاقتصادي فسوف يخسر الفلسطينيون ويسهل على إسرائيل إعادة احتلال أراضي الدولة الفلسطينية.

ثانياً: أسس المبادرة

يعتقد القذافي أن إرساء السلام مع الإسرائيليين له بعدان، فلسطيني/إسرائيلي وآخر عربي/إسرائيلي ولا يمكن تحقيق سلام شامل وواقعي قبل تحقيق مطالب أساسية للجانبين العربي والفلسطيني.

* المستوى الفلسطيني/الإسرائيلي

يلاحظ أن القذافي بهذا الطرح يوافق كثيرا من المفكرين الفلسطينيين مثل عزمي ومروان بشارة وإدوارد سعيد الذين يطرحون فكرة إنشاء دولة ثنائية القومية شبيهة بما هو كائن في جنوب أفريقيا
يرى القذافي أن مسألة عودة سبعة ملايين لاجئ فلسطيني لأراضيهم حق لا يمكن التنازل عنه وهو ما يكفله القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة الخاصة بعودة اللاجئين الفلسطينيين، كما أن إخراج اليهود من فلسطين أمر بات شبه مستحيل، وهو ما دعاه إلى تأسيس مجتمع مغاير مؤسس على ثنائية القومية تتساوى فيه الحقوق والواجبات وتتداول السلطة فيه سلميا على أن تجرى أولى انتخاباته تحت إشراف دولي من الأمم المتحدة. ويلاحظ أن القذافي بهذا الطرح يوافق كثيرا من المفكرين الفلسطينيين مثل عزمي ومروان بشارة وإدوارد سعيد الذين يطرحون فكرة إنشاء دولة ثنائية القومية شبيهة بما هو كائن في جنوب أفريقيا، وهو أقرب الحلول إلى حقائق الواقع كما أنه يعلي من سقف المفاوض الفلسطيني والعربي.

* المستوى الإقليمي
إن أهم هاجس يخيف دول المنطقة -بما فيها إيران التي تعتبر إسرائيل تهديدا لأمنها القومي- هو امتلاك إسرائيل للسلاح النووي والبيولوجي والكيماوي (أسلحة الدمار الشامل) خاصة في ظل الإصرار الأميركي والغربي على عدم السماح لدول المنطقة بامتلاك تلك الأسلحة. وقد اقترح القذافي نزع السلاح النووي الإسرائيلي شرطا مسبقا لأي خطة سلام بين العرب وإسرائيل. ويعتبر هذا الشرط أساسا هاما لتأسيس استقرار سياسي وأمني في المنطقة وإلا فإن أي مشروع سلام لا يتضمنه سيؤدي إلى تقوية طرف على حساب آخر مما يجعل الاستقرار في المنطقة عرضة للتهديد.

* القدس.. لها وضع خاص
نظر القذافي إلى مدينة القدس باعتبارها مدينة دينية توجد فيها مقدسات للأديان السماوية الثلاثة، وبالتالي تعطى وضعا خاصا لا يمكّن أيا من أتباع تلك الديانات من السيطرة التامة عليها بل تدار بشكل خاص يليق بوضعها الديني الخاص بحيث يسمح للجميع بممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية.

ثالثاً: ملاحظات عامة


تتأسس مبادرة القذافي على قرارات واتفاقيات الشرعية الدولية، فمسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين تعتمد على قرار مجلس الأمن رقم 191 الذي ينص على حق العودة لهم، ويتلاقى طرح القذافي في مسألة مدينة القدس مع طرح تدويل المدينة الذي أكدته الأمم المتحدة في قرار التقسيم الشهير
* بين الواقعية والمبدئية
عكست مبادرة القذافي تطورا في منهج تفكيره وتناوله للقضايا القومية حيث انطلق من واقع السلام على اعتبار أن ميزان القوى القائم إقليميا ودوليا حدد السلام خيارا وحيدا لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما كان يرفضه القذافي قبل ذلك. غير أن مبادرته للسلام جاءت متوافقة مع أطروحته القومية المتعلقة بذلك الصراع وإن اختلفت وسائل التنفيذ، فلم يتنازل عن التعريف الحقيقي لفلسطين وأصر على ضرورة عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم. كما لم يتخل عن مسألة إيجاد ردع أمني عربي لم يعد من الممكن تحقيقه بامتلاك أسلحة الدمار الشامل فلا أقل من نزعه من إسرائيل.

* القذافي والجامعة العربية
رغم حدة خطابه تجاه العرب إبان إعلانه مبادرته فإن من المستبعد أن يُحوِّل القذافي هذا الغضب أو ما صدر عنه أثناء خطاباته إلى قرارات تنفذ ضد العرب، بل يعتقد كثير من المراقبين أن القذافي لن يصر على الانسحاب من الجامعة العربية كما لن يصر على عدم حضور ليبيا قمة بيروت العربية رغم الموقف المتشدد لبعض التيارات اللبنانية السياسية والدينية.

* المبادرة والشرعية الدولية
تتأسس مبادرة القذافي على قرارات واتفاقيات الشرعية الدولية، فمسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين تعتمد على قرار مجلس الأمن رقم 191 الذي ينص على حقهم في العودة، ويتلاقى طرح القذافي في مسألة مدينة القدس مع طرح تدويل المدينة الذي أكدته الأمم المتحدة في قرار التقسيم الشهير. كما أن نزع أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية تتماشى مع الاتفاقيات الدولية في هذا الصدد مثل
اتفاقية منع إجراء التجارب النووية ومعاهدة عدم نشر أسلحة الدمار الشامل وقرار محكمة العدل الدولية الصادر سنة 1996 القاضي بإزالة جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل من العالم.

* المبادرة والمسائل العالقة
إن تبني مبادرة القذافي تمكن من معالجة كثير من القضايا العالقة، فلو تصورنا انتهاء الأزمة بقبول المبادرة فإن قضايا مثل المستوطنات والمياه وكثير من المسائل الاقتصادية المطروحة بين لجان المفاوضات الفلسطينية والإسرائيلية تنتهي إذ لا يكون لها حاجة في ظل الدولة الواحدة.

* مثال واقعي
تتميز مبادرة القذافي بوجود تطبيق واقعي لها في جمهورية جنوب أفريقيا التي لم يكن يتصور الكثيرون إمكانية إنهاء الصراع فيها لتصبح دولة ثنائية القومية تتساوى فيها حقوق البيض والسود. كما أدى نزع سلاح الدمار الشامل الذي كان مملوكا من قبل حكومة الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا إلى استقرار في العلاقات الإقليمية للمنطقة.

_______________
* كاتب وباحث ليبي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة