كل الطرق تؤدي إلى الدولة الفلسطينية المؤقتة   
الخميس 12/12/1431 هـ - الموافق 18/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


من الصعب علينا إحصاء عدد المرات التي وقع فيها التصريح بحل الدولة المؤقتة من قبل مسؤولين إسرائيليين أو أميركيين، كما أن من الصعب إحصاء عدد المرات التي أعلن فيها مسؤولو السلطة الفلسطينية (هم أنفسهم مسؤولو المنظمة وحركة فتح) رفضهم لحل الدولة المؤقتة، متجاهلين حقيقة أنهم يكرسونه بهذا الشكل أو ذاك.

نتذكر ذلك بين يدي الحديث عن إمكانية تبني نتنياهو للمشروع بشكل واضح، وعرضه على الإدارة الأميركية، مع أن سلوك الرجل على الأرض هو تبنٍ عملي للمشروع من خلال برنامج السلام الاقتصادي الذي يمضي دون توقف منذ سنوات، وصار أكثر وضوحا منذ منتصف 2008، تحديدا بعد الحسم العسكري الذي أطلق يد محمود عباس في الضفة دون رقيب ولا حسيب.

"
من المؤكد أن مصطلح الدولة المؤقتة ليس جديدا بحال من الأحوال، وإن وقع تقديمه بعبارات مختلفة في مراحل مختلفة جاء من قبل عدد من المسؤولين الإسرائيليين، كان في مقدمتهم شارون صاحب براءة الاختراع للمصطلح  
"
من المؤكد أن المصطلح (الدولة المؤقتة) ليس جديدا بحال من الأحوال، وإن وقع تقديمه بعبارات مختلفة في مراحل مختلفة جاء من قبل عدد من المسؤولين الإسرائيليين، كان في مقدمتهم شارون الذي يمكن القول بكل بساطة إنه صاحب براءة الاختراع للمصطلح، أو للمشروع بتعبير أدق.

منذ كان في المعارضة، وتابع مفاوضات كامب ديفيد صيف العام 2000، بين إيهود باراك وياسر عرفات برعاية الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون، منذ ذلك الحين طرح شارون مشروعه الذي سماه الحل الانتقالي بعيد المدى، فيما حصل المشروع على دفعة استثنائية عندما فشلت تلك القمة واندلعت انتفاضة الأقصى (مؤخرا استخدم داني أيالون، مساعد وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي ذات المصطلح).

خلاصة رأي شارون هي أن الوضع الفلسطيني والعربي غير جاهز لمنح الطرف الإسرائيلي ما يريده من التسوية، وفي مقدمته بالطبع الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية (فضلا عن الغربية)، وقبل ذلك شطب حق العودة للاجئين (هذه القضية لم تكن معضلة في يوم من الأيام، ولم تكن هي التي أفشلت قمة كامب ديفيد، وحتى عرفات كان لديه الاستعداد للتخلي عنه، فضلا عن النص عليه في المبادرة العربية عبر الحديث عن حل متفق عليه)، إلى جانب الاعتراف ببقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية (هذه أيضا مررت فلسطينيا تحت مسمى تبادل الأراضي)، وكذلك استئجار مناطق الغور، والقبول بالسيادة المنقوصة.

لحل هذه المعضلة لا بد من حل مؤقت، حيث تنشأ دولة فلسطينية في حدود الجدار، بينما يكون بوسع قادتها أن يقولوا إنهم لم يتنازلوا عن الثوابت، ويكون بوسع الطرف الإسرائيلي التعويل على تحويل المؤقت إلى دائم (بعد تحويل النزاع إلى نزاع حدودي بين دولتين)، فضلا عن إمكانية نشوء وقائع شرق أوسطية جديدة تجعل من الدولة العبرية دولة ذات نفوذ إقليمي كبير لا يسمح لأحد بالتطاول عليها.

في التنظير أيضا جانب آخر تحدث عنه شارون في ذلك الوقت يتمثل في ضرورة أن يفحص الإسرائيليون نوايا عدوهم، وما إذا كان جادا في تحقيق السلام أم لا، ولعل ذلك هو ما دفعه إلى التخلص من رؤوس حماس الكبار، وليتبعهم بياسر عرفات الذي ثبت أنه غير مخلص للسلام ونبذ العنف.

على هذه الخلفية أسس شارون حزب كاديما تاركا الليكود لنتنياهو بعدما شرع هذا الأخير في المزايدة عليه، وما إن دخل الأول في غيبوبته حتى كان السيناريو التالي المعروف، والذي أدى إلى سيطرة الثاني (نتنياهو) على الحكومة بعد انتخابات جديدة، تاركا "كاديما" في المعارضة.

اللافت هنا أن المشروع الذي تأسس من أجله حزب كاديما أصبح مشروع الجميع، بمن في ذلك نتنياهو الذي أطلق عليه "السلام الاقتصادي"، فيما شرع شيمون بيريز وباراك في استخدام مصطلح الدولة المؤقتة في وصفه، والذي استخدمه نتنياهو بعد ذلك، وها هو يعرضه على الأميركان أيضا بعدما توفرت إشارات عديدة إلى دعمهم له خلال ولاية بوش الثانية، والآن خلال ولاية أوباما.

من الواضح هنا أن الدولة المؤقتة بمسمياتها المختلفة هي النتيجة شبه الوحيدة التي ستصل إليها المسيرة القائمة بصرف النظر عن الطريق الذي سيسلكه الطرفان. ونتذكر هنا أن خريطة الطريق تنص على الدولة المؤقتة في مرحلتها الثانية، وفي حال استمر الطرفان في سلوك طريقها، فإن النتيجة هي ذات النتيجة.

في حال بقي المسار السياسي القائم حاليا، والذي بدأ مع شارون، أعني نقل السلطات الأمنية تباعا إلى السلطة الفلسطينية من مدينة إلى مدينة، وصولا إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه في 28 سبتمبر/ أيلول عام 2000 (سيطرة السلطة أمنيا على مناطق أ –هذه تصنيفات أوسلو_ وسيطرة إدارية على مناطق ب) ثم التمدد باتجاه الجدار، إذا بقي المسار السياسي على هذا الحال فسنكون بإزاء دولة مؤقتة من دون توقف المفاوضات، وهو ذاته مشروع بناء المؤسسات أو "دولة الأمر الواقع" الذي يشتغل عليه سلام فياض بالتعاون مع مبعوث الرباعية توني بلير، فضلا عن جهود الجنرال دايتون وبعده الجنرال مايكل مولر الذي سيكمل مهمة تدريب قوات الشرطة الفلسطينية على القيام بمهماتها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية تباعا من المدن الفلسطينية.

"
يمكن للمفاوضات أن تتواصل من دون أن يقول قادة السلطة إنهم قبلوا الدولة المؤقتة، وهنا نتذكر أن تلك المفاوضات لم تتوقف طوال عقود، ويمكن أن تتواصل لعقود أخرى ما دام الطرف الفلسطيني قائما بمهماته الأمنية لصالح الاحتلال
"
بالطبع يمكن للمفاوضات أن تتواصل من دون أن يقول قادة السلطة إنهم قبلوا الدولة المؤقتة، وهنا نتذكر أن تلك المفاوضات لم تتوقف طوال عقود، ويمكن أن تتواصل لعقود أخرى ما دام الطرف الفلسطيني قائما بمهماته الأمنية لصالح الاحتلال، ويتحمل عنه العبء الاقتصادي (قال عنه محمود عباس إنه أرخص احتلال في العالم)، مع غياب العبء السياسي ما دامت الدولتان الجارتان تتفاوضان بهدوء من أجل حل مشاكلهما.

هناك احتمال آخر يفضي إلى ذات النتيجة، وهو أن يذهب الفلسطينيون إلى مجلس الأمن أو الأمم المتحدة من أجل الاعتراف بالدولة. وهنا نتذكر أن ثمة قرارات دولية تعترف بحدود الدولة أصلا، لكن الذي يقرر الوضع على الأرض هو منطق القوة، مع العلم أن السلطة هي التي اعترفت منذ أوسلو بأن الشرعية هي لنتائج المفاوضات وليس القرارات الدولية.

بالطبع ستكون الولايات المتحدة بالمرصاد (نفترض جدلا موافقة أعضاء مجلس الأمن الآخرين مع أنها غير مضمونة) لأي قرار ترفضه الدولة العبرية، لكنها قد تعترف بالقرار في حال صبّ في مصلحة الاحتلال.

وهنا يقترح المحلل السياسي الإسرائيلي المعروف "ألوف بن" في "هآرتس" 31/10/2010 أن يجري "قلب الطاولة في وجه الفلسطينيين"، ويتم ذلك برأيه من خلال القول لهم، حسنا "تريدون الذهاب إلى مجلس الأمن؟ تفضلوا، اذهبوا. بدلا من إدارة معركة صد دبلوماسية لمنع القرار، يمكن لنتنياهو أن يدخل في مفاوضات مع أوباما على طبيعته ومضمونه، وأن يصممه وفق صيغة أقل صعوبة لإسرائيل. أن يدخل فيه مثلا مطلب الاعتراف بدولة يهودية ورفض حق العودة، انتشار الجيش الإسرائيلي في غور الأردن وإدراج الكتل الاستيطانية في إسرائيل. إذا وافق الفلسطينيون، سيحقق نتنياهو التسوية التاريخية التي وعد بها؛ وإذا قالوا على طريقتهم "لا"، فسيخفّ الضغط الدولي على إسرائيل".

النتيجة من وراء ذلك هي تثبيت واقع الدولة المؤقتة أيضا، لأن قيادة السلطة ستفضل القول إنها لم تتنازل عن الثوابت، مع الإبقاء على الواقع القائم على ما هو عليه.

"اتفاق الإطار" الذي تتحدث عنه الدوائر الأميركية سيفضي بدوره إلى الدولة المؤقتة أيضا، فهم يتحدثون عن اتفاق يجري التوصل إليه خلال عام ثم يطبق خلال عشر سنوات، وهو اتفاق يشبه اتفاق أوسلو، وبالطبع بنصوص فضفاضة، لكن الخلاصة هي الاعتراف بالواقع القائم على الأرض، وتحويل النزاع إلى نزاع حدودي لا أكثر.

سيقال هنا إن المفاوضات ستبقى مستمرة وإن القيادة الفلسطينية لن تسلم بواقع الدولة المؤقتة في حدود الجدار، وستواصل النضال من أجل الحصول على الدولة بمواصفاتها المعروفة، لكن ما يعرفه العقلاء هو أن طرفا يفاوض دون أية أدوات ضغط لا يمكنه تحصيل شيء، فكيف إذا كان الوضع العربي قد دخل في مزاج تطبيع مع دولة العدو، وربما اختراقات واسعة أيضا؟!

"
من الصعب استبعاد صفقة نهائية يتورط في توقيعها القوم بعد وقت يطول أو يقصر، يجرب فيه الفلسطينيون العيش الهادئ في ظل دولة الجدار، وهو أمر يمكن أن يحدث في حال قدم الإسرائيليون بعض التنازلات في ملف القدس
"
والخلاصة أن كل الطرق تؤدي إلى الدولة المؤقتة، ولا قيمة تبعا لذلك لرفضها في المؤتمرات الصحفية والاحتفالات العامة، ما دامت تتأسس على الأرض بوعي وإدراك من الجميع، ولن يغير في الحقيقة ذلك التذكير الدائم بأن حماس قبلتها عبر ورقة لأحمد يوسف أنكرتها، بل واستنكرتها قيادة الحركة في الداخل والخارج.

من الصعب بالطبع استبعاد صفقة نهائية يتورط في توقيعها القوم بعد وقت يطول أو يقصر، يجرب فيه الفلسطينيون العيش الهادئ في ظل دولة الجدار، وهو أمر يمكن أن يحدث في حال قدم الإسرائيليون بعض التنازلات في ملف القدس.

ما يمكن أن يُفشل هذا المخطط برمته هو: أولا تحولات عربية وإقليمية لصالح تيار المقاومة والممانعة، وثانيا جرأة استثنائية من قبل قوى المقاومة الفلسطينية تدفعها إلى قلب الطاولة في وجه السلطة وقيادتها (حماس في مقدمة هذا الخيار في حال أثبتت أنها لن تقدم مسألة السيطرة على قطاع غزة على مصلحة القضية برمتها، وهي مؤهلة لذلك)، وثالثا استلام الشارع الفلسطيني لقيادة القاطرة وتفجيره لانتفاضة جديدة في وجه الاحتلال عنوانها رفض استمرار تهويد القدس والمقدسات (الأرجح أن يتواصل ذلك بوتيرة أكبر)، وفي وجه السلطة عنوانها رفض مقايضة التحرير والكرامة والمقدسات بأموال المانحين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة