أبو مازن والمفاوضات السرية.. وصل مع التاريخ   
الأحد 1429/3/2 هـ - الموافق 9/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)
توجان فيصل


سُربت للصحف مؤخراً أخبار عن اقتراح لأولمرت بأن تتحول المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى مباحثات سرية, وجرى تبرير ذلك بأنه لتحاشي غضبة شركاء أولمرت من المتطرفين في الحكومة, وبالتالي انسحابهم منها, مما قد يسقط حكومة التحالف الهش, ويؤدي إلى مجيء من هو أكثر تطرفاً من أولمرت للحكم, وفي مقدمتهم نتنياهو وباراك.

وهذا التخويف للعرب والفلسطينيين الذي تهدف له هذه الأخبار, ليس من باب جس النبض العربي والفلسطيني فيما يتعلق بقبول الأخيرين بالعودة إلى نهج المفاوضات السرية بعيداً عن رقابة ومشاركة الشعب الفلسطيني صاحب كل الحقوق المتفاوض عليها, وهو النهج الذي اتبع في أوسلو وغيرها وكان أهم ما ساعد إسرائيل على الحصول على تنازلات رهيبة من الجانب الفلسطيني.

"
إسرائيل تأمل أن تخرج من المفاوضات السرية الجديدة بتنازلات فلسطينية جديدة لا تقل مفاجأة عن سابقاتها, وفي ظلال هزيمة عسكرية لا تزال ساخنة لا يجد أولمرت مصدر انتصارات جديدة سوى هذه السلطة وأبو مازن الذي أعد لدور كهذا تحديداً وسبق أن أوفى الدور حقه
"
فمع أن تلك السرية كانت ومازالت أهم مكونات هجوم معارضي تلك التسوية على نصوصها وعلى شخوص من قاموا بها بدءاّ بعرفات وأبو مازن وغيرهما ممن حاولوا اختصار (وليس فقط احتكار) التمثيل للشعب الفلسطيني في شخوصهم, وليس انتهاء بعبد ربه (الذي لم يجد وسيلة للتذكير بنفسه بعد ظهوره المخزي على المسرح في جنيف سوى ملاحقة الأضواء المسلطة لحظياً على مسرح كوسوفو).. إلا أن النبض الشعبي الفلسطيني والعربي الذي تحلل منه مفاوضو "السلطة" ليس ما يشغل بال إسرائيل حتماً.

إسرائيل يشغلها نبض شارعها, بمن فيهم حلفاؤها من المتطرفين الذين تأمل أن تعود لهم من جولة المفاوضات السرية الجديدة بتنازلات جديدة لا تقل مفاجأة عن سابقاتها, وفي ظلال هزيمة عسكرية لا تزال ساخنة لا يجد أولمرت مصدر انتصارات جديدة سوى هذه السلطة وأبو مازن الذي أعد لدور كهذا تحديداً, وسبق أن أوفى الدور حقه.

وكي لا يقال إننا نتجنى على أبو مازن وإننا لا نعطي "سلامه" فرصة, نعيد القارئ إلى ما قبل أكثر من عقد حين كان أبو مازن "الرجل الثاني" في السلطة, وبالذات إلى بداية مشروع الاستيطان في أبو غنيم.

عندها جرى تزويق انسحاب أبو مازن من الفريق المفاوض, وتولت الصحافة الموظفة للتزويق (ومعها قدر غير قليل من الصحافة الحسنة النية ولكن السيئة الاطلاع, والقطاعات الشعبية المتشبثة بأي قشة في خضم الاجتياح الاستيطاني الهادف لتهويد القدس تمهيداً لتحقيق الإعلان السابق لها "عاصمة أبدية موحدة" لدولة إسرائيل), وتولت تلك الصحافة الترويج لمزاعم أبو مازن أن استقالته من الوفد المفاوض هي انتصار منه لعروبة القدس!.

ونتوقف هنا لحظة لنؤكد على مقولة الأستاذ محمد حسنين هيكل في برنامجه "تجربة حياة" إن العرب لا يعتبرون من التاريخ ولا يؤمنون بتواصله وبالتالي لا يستحضرون دروسه وعبره عند الأزمات وعند ضرورة اتخاذ المواقف.

وهذا بالضبط ما لمسناه من الشارع العربي حينها, فخرجنا عن السرب المغرد لأبومازن وكتبنا قائلين إننا "لا نريد أن ندخل في النوايا ولا أن نتكلم بعقلية المؤامرات ولا أن نقع في تحليل سابق لأوانه بعض الشيء في عملية صناعة القيادات للعرب والبحث عن البدائل وتوزيع الأدوار من قبل إسرائيل وأميركا.

ولكننا, في هذه المرحلة ولحين استجلاء حقائق أوضح, نريد أن نتوقف فقط عند استقالة أبو مازن وما إذا كانت عودته تؤمل بحقوق أفضل أو برنامج تفاوضي يرقى إلى الحد الأدنى من المطالب والحقوق الفلسطينية, وفي القدس خاصة".

وقلنا إننا "مع ترحيبنا بعودة الرجل إلا أننا لا نريد أن يعود ببرنامجه السابق. بل نأمل أن تكون استقالته ليست فقط من الفريق المفاوض والسلطة, بل من نهج كان هو أحد أهم وأخطر مهندسيه, وهو نهج تفريطي في مجمله وتفاصيله".

والآن, وبعد تجلّي, وليس حتى استجلاء, الحقائق على الأرض, ثبت أن المؤامرة التي أودت بعرفات ونصبت أبو مازن لم تكن متخيلة, بل هي من صلب صناعة القيادات البديلة وتوزيع الأدوار من قبل أميركا وإسرائيل.. وأن التفريط الذي جلبه نهج أبو مازن, مع أو من وراء ظهر عرفات, ليس في عروبة القدس وحدها, بل في كامل الحقوق الفلسطينية.

ولربط القارئ (وحتى الكاتب والمحلل العربي) بتاريخه وتاريخ الأحداث التي شهدنا جميعاً تبلورها ومع ذلك بقي بيننا من يقدم, متعمداً أو عن جهل, شهادة زور عليها, عدنا في مقالتنا تلك إلى نهج وبرنامج عباس السابق والمتمثل في الاتفاق الذي كان منكباً على عقده سراَ مع يوسي بيلين (والأخير استساغ الأمر فدخل على اتفاقية سرية منفردة ثانية مع أبو مازن, ثم ذهب بعبد ربه إلى جنيف, ولا ندري بمن يذهب الآن وإلى أين).

"
في حين كان الشارع العربي والفلسطيني الغاضب منشغلاً في مهاجمة اتفاقية أوسلو,  فإن "وثيقة أبو مازن/بيلين" لم تقف عند ترجمة أوسلو إلى تفاصيلها المقيتة بل زادت عليها, وبوضوح يمنع أي لبس في تفسير أوسلو بغير ما أرادت إسرائيل
"
في حين كان الشارع العربي والفلسطيني الغاضب منشغلاً في مهاجمة اتفاقية أوسلو التي فوجئ بها.. ورغم الهجوم الشعبي العارم الذي كان يصل حتماً إلى المتسللين ثانية من وراء الشعب الفلسطيني, فإن "وثيقة أبو مازن/بيلين" لم تقف عند ترجمة اتفاقية أوسلو إلى تفاصيلها المقيتة بل زادت عليها, وبوضوح يمنع أي لبس مزعوم أو حتى تفسير مشروع لأوسلو ذاتها بغير ما أرادته إسرائيل.

ولأننا كنا حينها بصدد الحديث عن أبو مازن ودوره في موضوع القدس بالذات ومدى ارتباط نهجه, واستقالته من الوفد المفاوض, بالمطالب والحقوق الفلسطينية المشروعة والمعلنة بشأن القدس (وهو ما نحن بصدده الآن أيضاً في مقالتنا هذه) فقد توقفنا حينها فقط عند بند القدس في اتفاقية أبو مازن/بيلين الأولى, مؤجلين البحث في غيرها من البنود, رغم أنها وثيقة الصلة بالعاصمة والدولة والسيادة, لمقالات أخرى.

تنص وثيقة أبو مازن/بيلين صراحة على أن مدينة "أورشليم", التي تعني القدس الكبرى وليس فقط المدينة المقدسة (كما عرفنا حينها واتضح بما لا يقبل الشك خلال السنوات التي مرت على مقالتنا تلك وعلى الوثيقة), هي العاصمة الأبدية للكيان الصهيوني.

ولتحقيق هذا تقبل الوثيقة بتحريف تاريخي وجغرافي غير مسبوق وغير منطقي حين تطلق اسم "القدس" في المقابل على مجمع قرى أبو ديس والعيزرية وسلوان, وتقول إن هذه "القدس" -أي هذه القرى التي يعرفها كل العرب باعتبارها قرى خارج القدس- هي عاصمة الدولة الفلسطينية التي ستقوم ذات يوم, وبعد "اختبار نوايا" للفلسطينيين يصل في حده الأدنى إلى عشرة أعوام وفي حده الأقصى إلى عشرين عاماً.

أي أن إسرائيل, وبتصريح وتوقيع من أبو مازن, ما زالت تملك الآن في عام 2008, ما لا يقل عن ست سنوات أخرى لاختبار نوايا الفلسطينيين!! وبالمقابل لا حديث في الوثيقة عن "نوايا" إسرائيل التي نعرفها جميعاً, والتي لم تشتر من أبو مازن مهلة عشرة إلى عشرين عاما إلا لتتفرغ لتنفيذها.

ولأن الجانب الإسرائيلي يعرف أن الفلسطينيين سيعارضون ما خططته للقدس, فقد احتاطت الوثيقة لذلك بإبعاد فكرة القدس المدينة عن أي تفاوض جار أو سيجري بأن وضعت بديلا هو مدينة "رام الله" شمال القدس.

وما بين أبو ديس ورام الله تصبح المفاوضة والمفاضلة حين يحين وقت التنفيذ, بينما يتلهى الفلسطينيون وسلطتهم برام الله (وهو ما حدث طوال العقد والنيف التي تلت مقالتنا تلك) حتى يستقر لليهود إكمال تهويد القدس على مدى عشرين عاماً.

وأقصى ما أعطي للفلسطينيين من مقدساتهم في القدس, حسب هذه الوثيقة, هو قبول رفع العلم الفلسطيني أو الأردني على تلك المقدسات.. وقد نبهنا في مقالتنا تلك إلى أن إيراد "العلم الأردني" هنا له دلالات على عدم جدية إسرائيل حتى في إعطاء الفلسطينيين أي استحقاق ولو كان دينيا ومعنويا في القدس.

وأضيف لهذا أن يكون لتلك المقدسات, عند التسوية النهائية, وضع شبيه بوضع الفاتيكان مع الالتزام "بمصالح جميع الأطراف ذات العلاقة".

ولفت نظر القراء في مقالتي تلك إلى أن كلمة "شبيه" هنا تمهد لاستثمارات وتوصيفات لتلك الوثيقة لا حد لها, وإلى أن "المصالح" الإسرائيلية بالذات ستربط بما يسمى أمن إسرائيل تحديداً, وهذا الأمن الإسرائيلي كان قد أصبح (وأصبح أكثر الآن) مبررا لأعمال عدوانية إسرائيلية مقبولا لدى أميركا, ومؤيداً أو مسكوتاً عنه عالمياً إلى حد بعيد.

وآخر ما نتوقف عنده في تناولنا لوثيقة أبو مازن/بيلين الأولى تلك, هو القليل جدا مما يكمل صورة الاستيطان في القدس التي كانت المؤشر في الحدثين: انسحاب أبو مازن قبل عقد ونيف من الفريق المفاوض وعودته شبه المحسومة للتفاوض السري الآن.. تاركين كماً كبيراً مفصلاً مما تم الاتفاق عليه في تلك الوثيقة بشأن "المستوطنات" في الأراضي المحتلة عموماً أو تحديدا مما قد يذهل القارئ لو عاد إليه (ونعد بأن نعود به إليه في مقالات لاحقة).

وهذا "القليل" من الكثير الذي قبل به أبو مازن هو أن "يحظر" على السلطة الفلسطينية اتخاذ أي إجراء من طرف واحد يحول دون تطور المستوطنات (بعمومها) ديموغرافياً أو عمرانياً طوال فترة اختبار النوايا!.

"
إسرائيل عملت بذكاء على تحويل رجال السلطة الفلسطينية إلى "رجال أعمال", وهذا أنهى الموقف من وجهة نظر إسرائيل لأن رجال الأعمال يبحثون عن مصالحهم الشخصية لا عن قضايا وطنهم, "بعد أن يصابوا بالتحلل المعياري" وفقاً لنظريات علماء الاجتماع
"
بقي أن نختم ببعض ما "تجلى لنا" على امتداد العقد والنيف التي انقضت على تأشيرنا ذاك على ماضي ونهج أبو مازن وعلاقة كل ذلك بالقدس, وبالحقوق الفلسطينية التي عادت لتطل علينا الآن من جديد ومن ذات باب القدس والاستيطان فيها وتهويدها.

وأوله ما تجلى بعد فترة وجيزة من بداية الاستيطان في أبو غنيم, هو أن السيد أحمد قريع, رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض الآن ورئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق (ذات المنصب الذي تولاه أبو مازن أيضاً بعد فرض استحداثه على عرفات من قبل أميركا وتوسعة صلاحياته على حساب صلاحيات عرفات رئيس السلطة), كان المزود الرئيس, عبر مصنع أقامه في الضفة المحتلة, للخلطة الإسمنتية اللازمة لبناء مستوطنة أبو غنيم في أواسط التسعينيات.

وآخر ما تجلى لنا أن أبو مازن يفاوض أولمرت حالياً على ترخيص شركة اتصالات يملك ابنه جزءاً كبيراً من أسهمها!.

في محاضرة عن القضية الفلسطينية ألقاها قبل بضعة أشهر السيد عدنان أبو عودة, قال إن إسرائيل عملت بذكاء على تحويل رجال السلطة الفلسطينية إلى "رجال أعمال", وإن هذا "أنهى الموقف" من وجهة نظر إسرائيل لأن رجال الأعمال يبحثون عن مصالحهم الشخصية لا عن قضايا وطنهم, "بعد أن يصابوا بالتحلل المعياري" وفقاً لنظريات علماء الاجتماع.

والسؤال هو: هل رجال السلطة الفلسطينية وحدهم من حولتهم إسرائيل إلى "رجال أعمال", أم أنها أمّنت "إنهاء الموقف" العربي من القضية الفلسطينية بطابور أطول من "حكام تاجروا"؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة