متى ينقلب الفلسطينيون على اللعبة التفاوضية المذلة؟   
الاثنين 10/11/1431 هـ - الموافق 18/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:42 (مكة المكرمة)، 13:42 (غرينتش)
ماجد كيالي


باتت التجربة التفاوضية الفلسطينية بحاجة ماسة إلى مراجعة جادة وحاسمة تتأسس على الصراحة والمسؤولية والمصلحة الوطنية، بحيث يكون ثمة ما بعدها، فلم يعد من المقبول استمرار الحال على هذا المنوال.

وسبب هذه المراجعة لا يرتبط فقط بإصرار إسرائيل على الاستمرار في الاستيطان، ولا يتعلق بهشاشة الضغوط الدولية المبذولة عليها فحسب، وإنما يتعلق، أيضا، بعدم جدوى هذه المفاوضات، التي لم تستطع إنجاز مرحلة الحل الانتقالي المؤقت (ومدته خمسة أعوام)، بعد مرور 17 عاما.

"
سبب مراجعة العملية التفاوضية لا يرتبط فقط بإصرار إسرائيل على الاستمرار بالاستيطان، ولا يتعلق بهشاشة الضغوط الدولية المبذولة عليها فحسب، وإنما يتعلق أيضا بعدم جدوى هذه المفاوضات
"
وتأسيسا على ذلك، فكم سبعة عشر عاما يا ترى سيحتاج الأمر للتوصل إلى حلول بشأن كل واحدة من القضايا المطروحة على مفاوضات المرحلة الأخيرة، أو النهائية، والمتعلقة بتقرير مستقبل اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية؟! وهل سيتطلب الأمر قرنا من الزمن مثلا؟!

ثم ما الذي سيتبقى للفلسطينيين من أراض ومن حقوق بعد هذا الزمن، في ظل استمرار المعادلات السياسية السائدة المتعلقة بالتحول من حل انتقالي إلى آخر، ومن اتفاقات مؤقتة إلى أخرى، ومن دولة فلسطينية إلى دولة بحدود مؤقتة، إلى درجة أن المحلل الإسرائيلي عكيفا الدار عبر عن سخريته من ذلك بتأكيده أن "لا شيء أكثر ديمومة عند إسرائيل من المؤقت" (هآرتس، 29/9).

السبب الثاني لهذه المراجعة يرتبط بانهيار المراهنة الفلسطينية على الضغط الدولي (لا سيما الأميركي) على إسرائيل، فقد تراجعت إدارة أوباما عن كلامها بعدم شرعية المستوطنات، وضغطت على الفلسطينيين لاستئناف المفاوضات المباشرة، وها هي تغدق من الوعود على إسرائيل أكثر من أية إدارة أميركية سابقة، مقابل مجرد تجميد الأنشطة الاستيطانية لمدة شهرين آخرين فقط، مع منحها علاوات أمنية وسياسية غير مسبوقة، من ضمنها إبقاء سيطرتها الأمنية في منطقة غور الأردن (!)، مما أدهش حتى شخصية كبيرة في الكونغرس الأميركي علقت على ذلك قائلة: "إذا كان هذا ما يبدي الرئيس الأميركي استعداده لإعطائه لإسرائيل مقابل تجميد للبناء في المناطق لستين يوما، فما الذي سيتعهد بإعطائه مقابل اتفاق سلام شامل؟" (أليكس فيشمان، يديعوت أحرونوت، 1/10).

السبب الثالث لهذه المراجعة ينبثق من واقع أن المفاوضات، بالطريقة المبتذلة والمذلة التي جرت فيها، أدت إلى تبديد حقوق الفلسطينيين. فهذه المفاوضات جرت وكأنها بين الإسرائيليين أنفسهم، فإسرائيل هي التي تحدد إطارها الزمني وموضوعاتها وأولوياتها وشروطها.

والطرف الفلسطيني فقط يضطر، كل فترة، للخضوع للإملاءات الإسرائيلية بالنظر إلى أنه لا يملك لا موازين القوى ولا المعطيات العربية والدولية لفرض ما يريده على إسرائيل،  مما يعني أن ما يجري هو مجرد عملية مفاوضات مزيفة وغير حقيقية، وهي عملية تلاعب وتملص وعلاقات عامة من قبل إسرائيل لا أكثر.

ونتيجة ذلك، مثلا، فقد تم تضييع قضية حق العودة للاجئين سلفا وفقط لمراعاة حساسية إسرائيل، بطريقة أو بأخرى، بتوقيع أو من دونه، وبغض النظر عن كل التصريحات الفارغة، ذلك أن الفلسطينيين ليسوا من السذاجة للإصغاء لادعاءات القيادة بأنها إنما تفاوض لتحصيل الدولة (في الضفة والقطاع) وحق العودة للاجئين في آن واحد، فهذه الادعاءات إنما هي للتورية على الحقائق وللاستهلاك السياسي لا أكثر من ذلك.

فأين هي موازين القوى التي ستمكن هذه القيادة من حمل إسرائيل على قبول حق العودة للاجئين؟ وهل ثمة معطيات دولية ضاغطة على إسرائيل لدفعها إلى ذلك؟ أم أن الأمر مرهون فقط بشطارة المفاوضين على طاولة المفاوضات؟

وإذا تفحصنا الوضع عن كثب نجد أن هذه المفاوضات ليس فقط تسببت في إضعاف، أو تبديد، موقف الفلسطينيين بشأن حق العودة، وإنما هذا الأمر بات يشمل قضيتي الاستيطان والحدود أيضا (وفي هاتين القضيتين تدخل قضية القدس بالطبع).

وشاهدنا على ذلك أن "شطارة" القيادة السائدة و"فهلوة" مفاوضيها تكاد أن تفضي إلى تحويل الأنشطة الاستيطانية من كونها أنشطة غير مشروعة، جملة وتفصيلا، إلى أنشطة مشروعة، بواقع أن الرئيس الأميركي باراك أوباما بات يناشد إسرائيل مجرد استئناف تجميد هذه الأنشطة لمدة شهرين فقط، مع تعهدات منه بعدم الضغط بعدها على إسرائيل بأي شيء يتعلق بهذا الأمر.

"
المشكلة أن القيادة الفلسطينية استفاقت قبل عامين فقط، أي بعد 15 عاما من المفاوضات، على وقع تآكل الأراضي الفلسطينية بسبب استفحال الاستيطان، في حين أن الخطيئة الأساسية كانت في توقيعها اتفاق أوسلو (1993) دون الحسم في هذه المسألة المصيرية
"
وكان حريّ بهذه القيادة، بدلا من طرح مبدأ تجميد الأنشطة الاستيطانية شرطا لاستئناف المفاوضات، التمسك بموقفها بتحديد هدف المفاوضات، وهو إنهاء احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين وفقا لقرار الأمم المتحدة 194، بدون مواربات وتسويفات.

المشكلة أن هذه القيادة استفاقت قبل عامين فقط، أي بعد 15 عاما من المفاوضات، على وقع تآكل الأراضي الفلسطينية بسبب استفحال الاستيطان، في حين أن الخطيئة الأساسية كانت في توقيعها اتفاق أوسلو (1993) دون الحسم في هذه المسألة المصيرية.

ففي هذا الاتفاق تم تأجيل البت بقضية الاستيطان، وليس ذلك فحسب وإنما تم أيضا الرضوخ لاعتبارات إسرائيل بتقسيم أراضي الضفة إلى ثلاثة أقسام: "أ" وتتضمن المدن التي تخضع للسلطة، و"ب" وتضم القرى وتخضع لسيطرة مشتركة، و"ج" وهي الأكبر وتبقى خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. والأخطر من ذلك أن هذه القيادة تجاهلت أن هذا الاتفاق لم يحدد مآل المفاوضات، ولم يعرّف مكانة إسرائيل بتوصيفها دولة محتلة في الضفة والقطاع، وأنه لم يستند إلى مرجعة قانونية ودولية واضحة، بل استند إلى طاولة المفاوضات وحدها.

ومن عجائب هذه المفاوضات أيضا أنها تأسست، بالنسبة لإسرائيل، على البدء من نقطة النهاية، أي بانتهاج الفلسطينيين (والعرب عموما) طريق السلام، قبل استعادة أراضيهم ونيل حقوقهم، ودون تحديد مآلات هذه العملية بالنسبة لهم.

وفي هذه المفاوضات أصبحت إسرائيل (الدولة المحتلة) هي التي تطالب الفلسطينيين -العزل من السلاح والخاضعين لسيطرتها الأمنية والحياتية- بتقديم ضمانات لأمنها (وهي الدولة المدججة بالسلاح)، وإثبات حسن سلوكهم، حاضرا ومستقبلا، لتعزيز ثقتها بهم، بل إنها باتت تطالب، أيضا، بالجوائز عن احتلالها المديد للضفة والقطاع بتطبيع علاقاتها مع الدول العربية، وبعطاءات أمنية ومالية وتكنولوجية من الدول الغربية، لمجرد إبداء انسحابها من بعض الأراضي المحتلة!

اللافت أن تلك القيادة، التي وقعت الاتفاق المذكور، لم تقم بأية مراجعة لهذا الاتفاق المجحف والمذل، ولم تحاسب نفسها على الكوارث التي تسببت فيها، بل إنها ظلت تواصل مسيرة المفاوضات، وبنفس القضايا وبالمفاوضين أنفسهم!

ربما أن المراجعة الوحيدة، التي يمكن التنويه إليها، تمت في أواخر عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، بعد فشل مفاوضات كامب دفيد 2 (يوليو/تموز 2000)، وتمثلت في اندلاع الانتفاضة الثانية والتوجه نحو استئناف خط المقاومة المسلحة، في معادلة جديدة قوامها المزاوجة بين المفاوضة والمقاومة.

وبغض النظر عن مآل هذه التجربة، التي أجهضت بحكم الطريقة المزاجية وغير الرشيدة التي أديرت بها، وبسبب ضعف الاحتضان العربي والدولي لها (لا سيما في مناخات الحرب الدولية على الإرهاب)، وأيضا بسبب ضراوة ردة الفعل الإسرائيلية عليها، فإن هذه المراجعة ظلت قاصرة لأنها لم تكن جدية ولم تنطو على تحمل المسؤولية، ولا على تفحص إمكان انتهاج خيارات بديلة بمعنى الكلمة.

والمشكلة الأكبر أن تداعيات تلك "المراجعة"، الجزئية والقاصرة، أدت إلى تعزيز ارتهان القيادة السائدة لخياري المفاوضات والتسوية، وتحول الحركة الوطنية إلى نوع من سلطة (في الضفة وقطاع غزة) ولو تحت سيطرة الاحتلال.

"
إذا كانت القيادة الفلسطينية لا تمتلك موازين القوى لدفع إسرائيل نحو القبول بالحقوق الوطنية الفلسطينية، فما الذي يتبقى إذن للفلسطينيين في المفاوضات غير مسايرة إسرائيل في لعبتها، والمزيد من إذلالها لهم؟
"
السؤال الآن برسم القيادة الفلسطينية، فإذا كانت هذه القيادة لا تمتلك موازين القوى لدفع إسرائيل نحو القبول بالحقوق الوطنية الفلسطينية (ولو بالمعنى النسبي)، وإذا كان ليس ثمة في المعطيات العربية والدولية (كما تبين) ما يفيد بإمكان تعضيد جهد الفلسطينيين في الضغط للدرجة اللازمة على إسرائيل في هذا الاتجاه، فما الذي يتبقى إذن للفلسطينيين في المفاوضات غير مسايرة إسرائيل في لعبتها، والمزيد من إذلالها لهم؟

ثم ألم يكن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان غاية في الصراحة (كما في الوقاحة) بتصريحه علنا، من على منبر الأمم المتحدة، بأن "أية تسوية انتقالية مع الفلسطينيين بحاجة إلى عقود من الزمن"؟! وألم يؤكد ذلك، أيضا رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بانتقاله من شروطه القديمة المتعلقة بالتبادلية والتدرجية، إلى شروط أخرى تتعلق باعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، وضمان أمنها، واعتبار أن مجرد قيام دويلة فلسطينية هو بمثابة نهاية للصراع في المنطقة، وبتكرار مطالبته ببدء المفاوضات مع الفلسطينيين من نقطة الصفر، علما أن ثمة مئات من الجولات التفاوضية بين الجانبين، وثمة أوراقا مكدسة تملأ رفوف مكتبة كاملة، تتضمن نصوص الاتفاقيات المعقودة (السياسية والأمنية والاقتصادية)، فضلا عن التفاهمات والمذكرات وأوراق العمل؟

فوق كل ذلك ثمة مشكلة بشأن كيفية صنع القرارات وانتهاج الخيارات في الساحة الفلسطينية، حيث تجري هذه الأمور المصيرية في أطر ضيقة ومحدودة، فقط، إذ ليس ثمة نقاش جدي في الأطر السياسية الفلسطينية الشرعية لهذه المفاوضات ومجرياتها، وحتى إن هذه الأطر باتت جد هامشية وضعيفة ومنقسمة، وحتى على الصعيد الشعبي ليس ثمة مكاشفة من القيادة بشأن المفاوضات ومداولاتها.

طبعا، ثمة من يطرح: ولكن ما البديل؟ وهذا سؤال مشروع حقا، ولكن ينبغي معه التنبه إلى حقيقة أن هذا الوضع الذي لا يبدو أن ثمة فيه بديلا متوفرا، أو ممكنا، ولا يبدو أن ثمة فيه حوامل سياسية ومجتمعية لأي بديل آخر، هو نتاج الواقع الراهن، ونتاج القيادات السائدة ذاتها.

فقد نتج عن الارتهان لخيار المفاوضات، في الساحة الفلسطينية، تبلور نوع من قوى أو جماعات متنفذة، باتت لها مصلحة في استمرار هذا الخيار، ولو بأي ثمن، سواء توصلت المفاوضات إلى نتيجة أم لا.

كما نتج عنه ترهل بنى حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وخبو روحها النضالية، لا سيما مع حال الاختلاف والاقتتال والانقسام التي أحاقت بها، وبنتيجة تحول هذه الحركة (بفصيليها الأساسيين: فتح وحماس) عن طابعها كحركة تحرر إلى نوع من سلطة (في الضفة وغزة).

وبديهي أن كل هذه الوقائع استنزفت قوى الفلسطينيين، وخلقت مناخات الإحباط بينهم، وزادت غربتهم عن حركتهم الوطنية، كما أنها أضعفت من وحدتهم كشعب، في كافة مجالات تواجدهم، بحكم غياب المرجعية السياسية والكيانية الواحدة.

مع ذلك فإن ضعف إمكان التحول إلى خيارات بديلة لا يعني البتة أن البديل القائم والمتمثل في استمرار خيار التفاوض هو الأنسب للفلسطينيين، بل إن هذا البديل هو بمثابة كارثة حقيقية مستمرة، كونه يجري في ظل اختلافات الفلسطينيين وانقساماتهم، وترهل حركتهم الوطنية، وتهمش قدرتهم على المشاركة السياسية، وكونه يجري في ظل هذا التراجع والتمزق على الصعيد العربي، وفي ظل معطيات دولية مناسبة.

"
ضعف إمكان التحول إلى خيارات بديلة لا يعني البتة أن البديل القائم والمتمثل في استمرار خيار التفاوض هو الأنسب للفلسطينيين، بل إن هذا البديل هو بمثابة كارثة حقيقية مستمرة
"
أما حجة أن وقف المفاوضات من قبل الفلسطينيين سيؤدي إلى استفحال أنشطة الاستيطان وإلى تقويض كيانهم السياسي ووقف دعم الدول المانحة لهم، فهي مجرد ادعاءات وتبريرات، لأن الأنشطة الاستيطانية لم تتوقف يوما في ظل المفاوضات، بل إنها زادت، وإسرائيل ستستمر بهذا الأمر طالما هي سلطة احتلال وبالوتائر التي ستحتاجها، لأن وقف الاستيطان يحتاج إلى مقاومة شعبية وإلى موقف دولي فاعل، لا إلى ارتهانات سياسية مجانية.

أما بالنسبة لموضوع الكيان الفلسطيني ودعم الدول المانحة (ماليا) له، فهذا آخر ما يمكن أن تقدم عليه الدول الغربية المعنية، لأنها أصلا بحاجة لهذا الكيان وهي لن تسمح بانهياره، مهما كان موقف السلطة من العملية التفاوضية.

على ذلك فإن وقف المفاوضات يمكن أن يحرر الفلسطينيين من هذه العملية المذلة، التي لا تليق بشعب فلسطين، كما يمكن أن يستنهض قواه المجتمعية، وأن يسهل إعادة الثقة والوحدة بين أطراف حركته الوطنية، وأن يعيد لها حيويتها النضالية.

باختصار فإن الخيار المطلوب هو إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، وإعادة بناء مجالها الاجتماعي، وعند ذلك، أو بعد ذلك، يأتي حديث الخيارات السياسية الأخرى أو البديلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة