إشارات الفيتو الروسي الصيني ودلالاته   
الثلاثاء 1435/8/6 هـ - الموافق 3/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:20 (مكة المكرمة)، 12:20 (غرينتش)
عمر كوش

تغطية الجرائم
الإفلات من العقاب
ما بعد الفيتو

شكل الفيتو الروسي الصيني المزدوج، الأول، في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2011 في مجلس الأمن الدولي ضد مشروع قرار غربي متعلق بالأزمة السورية محطة نوعية جديدة في العلاقات الدولية.

وترسخ التحالف الروسي الصيني عندما تكرر استخدامه للمرة الثانية في 4 فبراير/شباط 2012 في نفس موضوع الأزمة السورية.

وصار التنافس في مجلس الأمن الدولي تعبيرا عن مظهر من مظاهر تسجيل النقاط على الخصوم، وإفشال مشاريعهم، حيث حاولت الولايات المتحدة ومعها الدول الغربية إظهار كل من روسيا والصين، بوصفها البلدين اللذين يتحملان وزر إطالة أمد الأزمة في سوريا، ومسؤولية ما يرتكبه النظام فيها من جرائم ومجازر وتدمير وخراب، وبالتالي ظهر الساسة الروس والصينيون بوصفهم مسؤولين أخلاقيا وإنسانيا عن إراقة المزيد من الدماء السورية.

أولى الإشارات التي يرسلها الفيتو الروسي الصيني الجديد ضد مشروع القرار الفرنسي، هي عودة الانقسام بين دول مجلس الأمن الخمس، دائمة العضوية، بعدما بدا أن إجماعا حصل بينها بشأن السلاح الكيميائي السوري

غير أن الفيتو المزدوج، الصيني والروسي، تكرر للمرة الثالثة في 18/07/2012، ضد مشروع قرار يهدد بفرض عقوبات على النظام السوري في حال عدم توقفه عن استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين، ثم عاد ساسة روسيا والصين في 23/5/2014، واستخدموا الفيتو، للمرة الرابعة، ضد مشروع قرار، ينص على إحالة ملف الجرائم المرتكبة في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية.

تغطية الجرائم
لعل أولى الإشارات التي يرسلها الفيتو المزدوج، الروسي الصيني، ضد مشروع القرار الفرنسي، هي عودة الانقسام بين دول مجلس الأمن الخمس، دائمة العضوية، بعدما بدا أن إجماعا حصل بين هذه الدول على القرار 2118، الخاص بإزالة ترسانة النظام السوري من الأسلحة الكيميائية، الذي اتخذ في 27 سبتمبر/أيلول الماضي، والقرار 2139، الذي اتخذ في 22 فبراير/شباط 2014، لتخفيف المعاناة التي يعيشها الشعب السوري، ولفك الحصار المطبق، وغير الإنساني على كثير من المناطق السورية، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق المتضررة في سوريا.

غير أن الإشارة الأهم التي أراد الساسة الروس والصينيون إرسالها هي أنهم ما زالوا على مواقفهم الداعمة بلا حدود للنظام، وأنهم مستعدون لتغطية جميع الجرائم التي يرتكبها ضد غالبية السوريين منذ أكثر من ثلاث سنوات، بما فيها جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة، التي تتطلب المحاسبة حسب جميع مواثيق وأعراف القانون الدولي.

ويعلم الساسة الروس أن النظام السوري تمادى في ارتكابه مختلف الخروقات وأشكال الجرائم التي تمارس بحق سوريين كثر في المعتقلات والسجون، إلى جانب جرائم التعذيب، والاختفاء القَسري، والعنف الجنسي، والسجن التعسفي، والاضطهاد، وقد انتشرت عشرات آلاف الصور والفيديوهات التي تظهر التعذيب والقتل الممنهج الذي يرتكبه النظام بحق المعتقلين السوريين، لذلك أرادوا من خلال الفيتو تعطيل مفعول القانون الدولي في الأزمة السورية، وإفشاله في توفير الحماية للسوريين، وإنقاذهم من ممارسات ومخلفات الحرب المدمرة، التي يشنها النظام ضد الثوار وحاضنتهم الاجتماعية، منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ويتذرع الساسة الروس بالقول إنهم يستخدمون الفيتو، كي يمنعوا الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب من إيجاد أسباب وذرائع للتدخل العسكري في سوريا، رغم أن القاصي والداني يعلم أن ساسة الولايات المتحدة الأميركية يعلنون على الدوام أنه لا حل في سوريا سوى الحل السياسي، وأن بلادهم لن تتدخل عسكريا، وأنها تمتنع عن تزويد قوات المعارضة السورية بأسلحة نوعية، بل تمنع الدول الأخرى من تزويد المعارضة بهذه الأسلحة، رغم مطالبة رئيس الائتلاف الوطني السوري بالسلاح النوعي أثناء زيارته لكل من واشنطن ولندن وباريس.

في المقابل، حشد الساسة الروس والإيرانيون والصينيون كل طاقاتهم العسكرية والدبلوماسية والسياسية دعما للنظام السوري، ولم يتوقفوا يوما واحدا عن إرسال مختلف أنواع الأسلحة الفتاكة له، واستمروا في تنفيذ صفقات السلاح المبرمة، وتوفير الدعم والخبرات والخبراء الأمنيين والعسكريين، الأمر الذي وصل إلى درجة كبيرة من الدعم والإسناد، غير مسبوقة في علاقات هذه الدول بالنظام. وهو أمر شجع النظام على الإمعان في مواصلة حربه الشاملة ضد غالبية السوريين، وفي ارتكاب المجازر والجرائم ضد الإنسانية، وسوى ذلك كثير.

يتذرع الروس بالقول إنهم يستخدمون الفيتو، لمنع التدخل العسكري في سوريا، رغم أن القاصي والداني يعلم أن ساسة واشنطن يعلنون دائما أنه لا حل في سوريا سوى الحل السياسي
الإفلات من العقاب
لعل أخطر الإشارات أو الرسائل، التي يبعثها الفيتو المزدوج، الروسي الصيني، هي الإفلات من العقاب، حيث يدشن الساسة الروس والصينيون سابقة خطيرة من سياسة الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الإنسانية، بما يعني تغييب العقوبة، رغم أن خبراء وقضاة في الأمم المتحدة أقروا بارتكاب النظام جرائم عديدة، بما فيها جرائم إبادة بأسلحة كيميائية وأسلحة أخرى، مما شجع النظام على خرق جميع قواعد القانون الدولي، بالنظر إلى أن هناك من يتولى مسؤولية غياب حق، أو فعل يرتب المسؤولية الجنائية عليه، وكذلك تغييب المسؤولية المدنية والإدارية والأخلاقية، مما يجعل ساسة هذا النظام يفلتون من كل تحقيق يمكن أن يضعهم محط اتهام.

ويمكن اعتبار الإفلات من العقاب في سوريا، في حد ذاته، انتهاكا مضاعفا لحقوق السوريين، فهو يحرم الضحايا منهم، وأقاربهم، من الحق في إقرار الحقيقة، والاعتراف بها، والحق في إقرار العدالة، والحق في الإنصاف الفعال والتعويض، وهو يطيل أمد الأذى الذي لحق بغالبية السوريين.

والواقع هو أن الساسة الروس، أنفسهم، أفلتوا من العقاب عن جرائمهم في أفغانستان والشيشان وجورجيا وأوسيتيا الجنوبية، وغيرها. وما زالت صور قمعهم للمتظاهرين السلميين في ساحات وشوارع موسكو، وغيرها من المدن الروسية، ماثلة في الأذهان، وهم لا يفترقون عن أضرابهم في النظام السوري، خاصة في إنكار ما تسببوا به للضحايا، من خلال السعي إلى إنكار ارتكاباتهم وجرائمهم، وما يعني ذلك من انتهاك إضافي لكرامة الضحية وإنسانيتها.

غير أن ما هو مخاتل في التعامل الدولي مع الأزمة السورية، هو أن الساسة الروس والصينيين، يعرفون تماما معالم وحدود اللعبة، وعلى أساسها راحوا يتصلبون في مواقفهم حيال المسألة السورية، بناء على معرفتهم الحدود التي وضعها الغرب، حيث اختارت إدارة أوباما، صاحبة القوة العسكرية الكبرى، والأكثر مرونة في العالم، اللجوء إلى الحلول السياسية، عبر التفاوض مع الروس بيدين خاليتين، طيلة أكثر من ثلاث سنوات من عمر الأزمة السورية.

وكان من الممكن ألا تكتفي الإدارة الأميركية بصفقة نزع أسلحة النظام الكيميائية، وأن تعمل على محاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيميائي، في مجزرة غوطتي دمشق، وأن تعمل على دعوة المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق بجريمة الحرب التي ارتكبها النظام، أو أن تحث دول العالم على تشكيل محكمة لجرائم الحرب خاصة بسوريا، بعد ثبوت استخدام السلاح الكيميائي. وهو أمر لم تفعله إدارة باراك أوباما، مما أعطى للنظام السوري إشارة بأنه قد يفلت من العقاب، رغم جريمته المثبتة، في سابقة دولية خطيرة.

ما بعد الفيتو
السؤال الذي يطرح نفسه، في هذا السياق، هو: ماذا بعد الفيتو، الروسي الصيني، الرابع؟
من حيث الإمكان، هناك أكثر من طريقة لنصرة العدالة، ووضع حد للإفلات من العقاب، وإحالة المسؤولين السوريين إلى المحاكمة، حيث يمكن الاستناد إلى مبدأ "مسؤولية الحماية"، الذي يجيز التدخل العسكري الأجنبي في أية دولة، تحدث فيها جرائم إبادة جماعية، في عدم حماية الدولة المعنية لمواطنيها.
هناك أكثر من طريقة لوضع حد للإفلات من العقاب، وإحالة المسؤولين السوريين إلى المحاكمة، حيث يمكن الاستناد إلى مبدأ "مسؤولية الحماية"، الذي يجيز التدخل العسكري الأجنبي في أي دولة، تحدث فيها جرائم إبادة

وقد طرحه الأمين العام السابق، كوفي أنان، منعا لحدوث مجازر إبادة جماعية، كالتي حدثت في رواندا. كما أنه من الممكن تجاوز الفيتو الروسي والصيني المزدوج، من خلال اللجوء إلى تشكيل مجموعة من دول العالم تحالفا، على شاكلة "الاتحاد من أجل السلم"، الذي أصدرت الجمعية العامة الأمم المتحدة قرارا بخصوصه في أكتوبر/تشرين الأول 1950، حمل الرقم 377، وينص على ضرورة أن تتحمل الجمعية العامة للأمم المتحدة مسؤولياتها في حماية السلم والأمن الدوليين، حتى لو اقتضى الأمر استخدام القوة العسكرية.

ويمكن للولايات المتحدة وسائر دول الغرب أن تفعل هذا القرار في الحالة السورية، من خلال الدعوة إلى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورة غير عادية، لاتخاذ الخطوة المناسبة.

وفي هذا السياق، ثمة تحركات دولية، سواء على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة، من خلال السعي لتشكيل رافعة دولية، تدعم مبدأ المحاسبة، حيث تعد المجموعة العربية مشروع قرار، سيعرض على الجمعية العامة للأمم المتحدة يتعلق بالمحاسبة والشؤون الإنسانية، إضافة إلى مهزلة الانتخابات الرئاسية، التي ينفذها الأسد، ويتطلب هذا التحرك الحصول على دعم 64 دولة لمشروع القرار.

كما أن هناك تحركا، تقوده كل من أستراليا ولوكسمبورغ والأردن، يختص بالجانب الإنساني، ويهدف إلى صياغة مشروع قرار في مجلس الأمن، يدعو إلى تمكين منظمات الإغاثة الدولية من نقل المساعدات الإنسانية عبر نقاط حدودية مع تركيا والعراق، من دون العودة إلى الحكومة السورية، والأهم هو أن يندرج تحت الفصل السابع من ميثاق مجلس الأمن، الذي يجيز استخدام القوة العسكرية لتنفيذ القرار.

وهناك من يعول على أن روسيا والصين لا يمكنهما استخدام الفيتو من جديد، ضد قرار يتعلق بضرورة إدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق السورية المتضررة، لكنه تعويل لا يصمد أمام إصرار الساسة الروس على دعم النظام السوري في مجلس الأمن إلى النهاية، خاصة فيما يتعلق بمحاسبته على جرائمه وممارساته غير الإنسانية، والأمر مرهون بتوفر إرادة دولية حقيقية، تعمل على إيجاد السبل الكفيلة لإيقاف الحرب الشاملة، التي يشنها النظام ضد غالبية السوريين، لأنه في حال توفر مثل هذه الإرادة، لن يجدي النظام نفعا دعم الروس، ومعهم الصينيون والإيرانيون وأترابهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة