ودارت الأيام   
الثلاثاء 1436/11/18 هـ - الموافق 1/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:22 (مكة المكرمة)، 14:22 (غرينتش)
توجان فيصل


قبل أكثر من ثلاثة عقود جرى تداول نكتة تقول إن أستاذا طلب من طلبته كتابة بحث عن "الفيل", فكتب الطالب البريطاني عن "أهمية الفيل للكومونويلث", بينما كتب الفرنسي عن "الحياة العاطفية للفيل"، وصولا للطالب الفلسطيني الذي كتب عن "الفيل والقضية الفلسطينية".


والنكتة موحية في جانبها الذي يظهر أن العالم حينها لم يكن يعرف بما يكفي "حقائق" المعاناة اليومية لأجيال شعب بات كله بلا وطن ويلاحقه المحتل في أرضه وفي أمكنة لجوئه عبر المجازر الدورية كمجزرتي صبرا وشاتيلا, وقانا, واجتياح الضفة الغربية عام 2002, والعدوان المتكرر على أهل غزة، بينما القتل الذي يمارسه المستوطنون اليهود للمساهمة في "التصفية", وليس فقط للترويع والتهجير يجري دوما.

في ظل حال كهذه تغيب فيه الحقوق والأمان لا يمكن النظر للقضية الفلسطينية بوصفها "هوسا" للفلسطينيين, بل يتجلى "الهوس" في أبشع صوره لدى الصهاينة.

والآن تغيرت الحال لعوامل عدة، أهمها النقلة المعرفية التي حققتها ثورة الاتصالات, ونهاية احتكار السلطة في أميركا من قبل لوبي أنجلو ساكسوني مالي كنسي متطرف, بفوز أوباما بالرئاسة مرتين (فوز ساعد فيه توظيفه الإنترنت)، والتغيير الجلي الذي أحدثه أوباما في السياسة الأميركية، وأنتج تغيير النظرة لإسرائيل من كونها ذراعا عسكرية سياسية استخباراتية لأميركا والغرب في المنطقة, لبيان حالها الحقيقي كعبء على أميركا والغرب.

الآن تغير الحال فلسطينيا وإسرائيليا لعوامل عدة، أهمها النقلة المعرفية التي حققتها ثورة الاتصالات, ونهاية احتكار السلطة في أميركا من قبل لوبي أنجلو ساكسوني مالي كنسي متطرف, بفوز أوباما بالرئاسة مرتين

فالشعوب الغربية اليوم صحت بفعل الإنترنت, وألزمت حكوماتها بمطالب الحملة الشعبية العالمية المسماة "BDS" (تشير حروفها إلى كلمات "المقاطعة" لمنتجات المستوطنات, و"سحب الاستثمار" الغربي في إسرائيل من كل ما له علاقة بالاستيطان أو يوظف في قمع الفلسطينيين, و"فرض العقوبات" على إسرائيل).

وباتت إسرائيل تتوسل المعلومة الاستخباراتية من أميركا, في حين يتجاهلها وزير خارجية أميركا الذي كانت تفننت في إهانته أثناء سعيه المتزامن لمناقشة الاتفاق سرا مع إيران للتوصل لحل للقضية الفلسطينية يؤهل إسرائيل للعودة لقبول دولي بها.

لهذا كله وغيره, نستطيع أن نقول الآن "دارت الأيام" بالتفافة عالمية متناسقة, كما الأوركسترا عند عزف سمفونية, وأصبحت إسرائيل اللحن النشاز الذي يَزج "هوَسَهُ", بمناسبة وبغير مناسبة, "فيلا" يستدعي استياء شعبيا ورسميا، كما حدث في فرنسا حين زج نتنياهو بنفسه في مسيرة "شارلي إيبدو" رغم سجله الدموي, وخاطب يهود فرنسا كأنهم رعيته، ومثلما فعل في خطابه في الكونغرس محاولا القفز على رئيس الولايات المتحدة.

وإذا كان الاستياء الغربي من نتنياهو تسرب من قبل في تسجيل غير مقصود لحوار بين أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون, حيث نعتاه بالكذاب، وتشاكا من اضطرارهما لتحمل التعامل معه؛ فإن محاولة نتنياهو الفجة فرض أجندته على أميركا أتاحت لأوباما رفض التعامل معه علنا, واضطر أكبر تنظيم يضم اليهود الأميركيين لإعلان أن مواطنتهم وولاءهم لأميركا أولا.

وأحدث دلائل ذلك "الهوس" تبدت في زيارة نتنياهو لقبرص لبحث التعاون الاقتصادي في استخراج وتسويق الغاز والنفط في حوض المتوسط، لكن نتنياهو حاول جرّ قبرص لجانبه في عدائه للاتفاق النووي الغربي مع إيران, بزعمه أن إيران وحزب الله "ينظمان شبكة إرهابية تغطي القارات الخمس وكل دول أوروبا تقريبا", وأن قبرص وإسرائيل تواجهان خطرا مزدوجا، يتمثل في إيران وتنظيم "الدولة الإسلامية". مع أن الأخير يهدد كامل العالم الإسلامي وغير الإسلامي, ووحدها إسرائيل خارج ذلك التهديد!

ولكن رد الرئيس القبرصي جاء مؤكدا صراحة اختلاف رؤية وموقف قبرص من الاتفاقية، وبما يشبه "التربيت على الكتف"، حيث قال إنه يأمل أن يساعد الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى على خلق حالة استقرار في المنطقة، و"معالجة المخاوف الأمنية لإسرائيل".

و"لمخاوف" إسرائيل وجهان: أحدهما فقط "هوس", كونه يهدف ليس فقط لاستمرار السيطرة الصهيونية, ليس فقط على أرض فلسطين ومحيطها, بل وعلى إرادة الدول الغربية إلى حد خوض تلك الدول حروبا لصالح إسرائيل: "إقليمية" كما تيسر لها في حربي الخليج الأولى والثانية, و"عالمية" و"نووية" (كما ستصبح أية مواجهة عسكرية مع إيران حسب توقعات وتحذيرات خبراء عسكريين).

أما المخاوف الإسرائيلية "الواقعية" فهي من أن تؤدي سياسات نتنياهو واليمين المتطرف لزوال إسرائيل. والمتخوفون من هذا ينقسمون لفريقين: فريق يخشى زوال فرصتها في أن تصبح "دولة يهودية"، وهؤلاء يريدون دعم العالم مخطط "يهودية إسرائيل"، مما يعني إبعاد كل أهل البلاد العرب, مسلمين ومسيحيين. وهذا الفريق يهاجم نتنياهو الآن بوصفه أخطر عدو "للصهيونية" كونه أفقدها حلفاءها.

والفريق الثاني يخشى زوال إسرائيل نهائيا كدولة لليهود فيها أي وجود يزيد عن كونهم جالية كما كانوا سابقا. ولتلافي هذا يسعى هؤلاء -بعكس الفريق الأول- لتحويل إسرائيل لدولة مدنية لكل سكانها.

مصادر الدعم الدولي لإسرائيل التي مكنت من إقامة واستمرار وجودها كدولة لنحو سبعين عاما تجف باطراد، أما السبعون عاما فهي فترة قصيرة في مقياس "التاريخ", وهشة في مقياس "الجغرافيا" التي قامت وسطها إسرائيل

الأخيرون كانوا يرون الخطر مؤجلا ومرتبطا بالتغير الديموغرافي لصالح غلبة المكون العربي, وبخاصة في حال لم تنسحب إسرائيل من أجزاء من الضفة منها المستوطنات الصغيرة, لتحشر في ما تبقى منها كل فلسطينيي الضفة وحفنة ممن سيقال إن عودته, للضفة فقط, تفي "بحق العودة".

ولكن مخاوف هؤلاء الآن هي من أن يؤدي "هوس" نتنياهو ويمينه المتطرف لإقدامهم على خطوة عسكرية متسرعة بظن أن الغرب سيكمل معركتهم القديمة، وهو ما لن تتم مجازفة لا أميركا ولا أوروبا به, ولذا ستترك إسرائيل وحدها على أرض إقليم لم يعد من قسموا ورسموا دُوَله ونصبوا أنظمته يعرفون حقيقة ما يجري فيه منذ ثورات الربيع العربي التي ثبت أنها لم تنته بل تنتعش وتنتشر.

وفي الوقت نفسه تظهر في هذا الإقليم حالات عجائبية تشطب -بطريقتها غير المتوقعة وغير المفهومة للغرب خاصة- خطوط سايكس بيكو وكل ما هدفت إليه أميركا وحلفاؤها في حربيها الكبيرتين على العراق, وفي حربها الطويلة السابقة في أفغانستان.

فبمقارنة ما أرادته أميركا وحلفاؤها من تلك الحروب وما نتج من نقائض في المنطقة -على تناقضه البيني أحيانا مما يزيد من ضبابية المشهد- أصبح وجود جندي أميركي أو أوروبي واحد على أرض معركة في المنطقة مما لا تستطيع بلاده المجازفة به وتحمل نتائجه، ومثله وجود أي سلاح غربي متطور مما أسس لتفوق الغرب العسكري, كونه لم يعد يعرف بيد من سيقع. أي أن إسرائيل ستُترك لأطياف أهل منطقة تماهت الحدود فيها بين دول بجيوش نظامية وتنظيمات مسلحة, وصولا لمواطنين بسلاح شخصي يباع علانية في أسواقها، وأقل ما يمكن قوله عن كل هؤلاء إنه ليس بينهم محب لإسرائيل.

مصادر الدعم الدولي (بدءا بالجيوش وانتهاء بحماية شرسة لأساطير وأكاذيب بررت قيام إسرائيل وتسترت على جرائمها) التي مكنت من إقامة واستمرار وجود "إسرائيل" كدولة لما يقارب السبعين عاما, تجف باطراد، والسبعون عاما فترة قصيرة في مقياس "التاريخ", وهشة في مقياس "الجغرافيا" التي قامت إسرائيل وسطها, وتعزز هشاشتها فروق ثقافية وحضارية باتت تتعمق في المنطقة بدل أن تخف وتزول.

والسبب في تعمق تلك الفروق هو "إسرائيل" ذاتها والصهيونية العالمية؛ فحيثيات قيام "إسرائيل" كدولة، لا مثيل لها لا في العصر الحديث ولا في التاريخ كله. وآخر مثال لقيام دولة لمهاجرين على أرض غيرهم كانت في الأميركيتين قبل نحو قرنين ونصف القرن, وفي أستراليا التي جاء استقلالها عن بريطانيا متأخرا في القرن العشرين.

ولكن قبل أربعة قرون حين نزل الأوروبيون في الأميركتين وأستراليا, لم يكن يُعرف وجود لهذه القارات على خارطة العالم، وسكانها الأصليون كانوا قبائل بدائية متنقلة في الأغلب, ومفهوم ملكية الأرض غير وارد في دياناتهم وأعرافهم، بينما كانت أوروبا الأكثر تقدما في كافة مجالات العلوم, والأنظمة الإقطاعية الملكية فيها نمت بما فاض عن المساحة التي تتنازع عليها في أوروبا، فتوجهت للتوسع بغزو العالم بتطوير وسائل مواصلاتها وأسلحتها, مستعيدة تجربة الإمبراطورية الرومانية.

قبل أربعة قرون كان مقبولا أن تطغى أمة على أمم أخرى وتبيد أغلبها وتفرض ثقافتها وحضارتها وديانتها على من تبقي منها، بل كانت الشعوب الأوروبية والنخب ترى فرض الثقافة والديانة المستعمِرة نوعا من الخدمة الدنيوية الحضارية, وتأهيلا "لخلاص أرواح" من تفرض عليهم ديانة المستعمر (المسيحية) تقيهم عقاب الآخرة وتدخلهم الجنة.

ونتيجة تغير حال وأعراف الطرفين مع تغير العالم كله, زالت الفروق الثقافية الأصل في الدول التي أقامها غزاة مستوطنون, وزالت الفروق في الحقوق, وما بقي من فروق في منظومة المزايا في طريقه للزوال، فالكل مواطن بهوية وطنية جديدة.

قبل أربعة قرون كان مقبولا أن تطغى أمة على أمم أخرى وتبيد أغلبها وتفرض ثقافتها وحضارتها وديانتها على من تبقي منها، بل كانت الشعوب الأوروبية والنخب ترى فرض الثقافة والديانة المستعمِرة نوعا من الخدمة الدنيوية الحضارية

ولكن بعكس هذا تماما كان قيام إسرائيل وسيرها على امتداد أقل من سبعين عاما؛ فهي قامت على استحضار أساطير تعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام (توراتية), راكم عليها كهنة يهود أساطير مستجدة (التلمود: الميشناه والجمارا), وزاد على هؤلاء تجار وساسة ورجال مال أساطير جديدة (كالهولوكوست), وتم منع علماء التاريخ والأنثربولوجيا والآثار من البحث في الحقائق أو نشر الحقائق الثابتة تحت طائلة عقوبات قوانين "مناهضة السامية"، ومؤخرا فقط خُرق المنع بباحثين يهود -جلهم إسرائيليون- دحضوا تلك الأساطير, وعلى كتبهم اعتمدت مقالاتي السابقة في هذا الشأن.

هذا السير بعكس التاريخ وإقامة دولة "دينية" في أرض آخرين بزعم استعادة "دولة", هو ما أدى إلى أن تقوم في إيران أول "جمهورية إسلامية" بعد ربع قرن فقط من قيام إسرائيل.

ولكن في حين تراجعت الجمهورية الإسلامية عن تشددها, ظلت المنطقة العربية أسيرة التضاد الذي فرضه التصدي للدولة "العبرية اليهودية" على شعوبها العربية المسلمة التي كانت خرجت لتوها من ثورة على الاستعمار التركي رغم وحدة الدين. فظهرت تيارات إسلامية سنية متطرفة استدعت فقها متطرفا مما سمي عصور الانحطاط في تاريخ العرب والمسلمين، فوصلنا للقاعدة, ثم داعش (تنظيم الدولة الإسلامية). ويصعب على أي عاقل أن يدين داعش وممارساتها ويرفض إسباغ أية شرعية على وجودها, في حين يغض الطرف عن ممارسات إسرائيل المستندة أيضا إلى فتاوى دينية لكهنوت متطرف.

ونذكّر أنه في فترة وجيزة قبل الظهور القوي داعش, جرى اختطاف وتعذيب وحرق الفتى الفلسطيني المسلم محمد أبو خضير "حيا"، ولم يستنكر نتنياهو وحكومته ذلك, بل كالعادة, وفّر لقاتليه رعاية خاصة بزعم أنهم "مجانين". والآن فقط يصف نتنياهو حرق طفل رضيع بإشعال مستوطنين النار في بيته بأنه "عمل إرهابي"، وأن حكومته تعارض "أعمالا مروعة وسافلة" كهذه.

حرق أبو خضير بعد التمتع بتعذيبه كان أكثر ترويعا وسفالة، وقبلها قائمة طويلة لجرائم قتل وحرق أطفال قام مستوطنون بإلقاء قنابل النابلم في بيوتهم، ولم يستتبع تلك الجرائم أي رد فعل من الحكومة الأميركية أو من إسرائيل، الفارق بين موقف إسرائيل من سلاسل الجرائم تلك وجريمة حرق الرضيع الأخيرة هو فقط كون الأيام دارت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة