الردة عن المدنية   
الخميس 1431/8/4 هـ - الموافق 15/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:47 (مكة المكرمة)، 11:47 (غرينتش)
عبدالعزيز الحيص


 
 
أحد القراء في صحيفة محلية يشتكي من أن القيم المدنية الحديثة قد أفسدت الناس, وخربت طباعهم. كثير غيره يحملون صورة سلبية عن المدنية. هذا الانطباع السلبي قد يحمل الكثيرين على الارتداد معنويا ونفسيا إلى نقيض المدنية, حتى لو كانت حياتهم مدنية في كامل وجوهها. ويساهم في ذلك الانطباع السائد والمخلخل للعقول في أن الشر والسوء يزدادا بتقدم الزمان.

نقلة الحاضرة
"
الخسارة الحقيقية تكون في عدم القدرة على تمثل وامتصاص المنجزات الفكرية للحالة المدنية. فالنقلة المدنية تضمر حسا فكريا يمكن أن يعاد استلهامه وتمثله مع تجدد الزمان
"
الحواضر المدنية أحدثت نقلة كبيرة في العالم, وتغيرت معها حياة الناس إلى الأفضل. ومن ذلك حظهم في المعرفة والوعي والعناية الطبية.

على سبيل المثال, يذكر المؤرخ أرنولد توينبي أنه حتى القرن العشرين, كان الأطفال في العالم يموتون بعد الولادة بنسبة جسيمة كالتي للأرانب. وفي دراسة لمانويل آيزنر أستاذ علم الجريمة في "جامعة كامبردج", كان معدل جرائم القتل في أوروبا في العصور الوسطى مائة حالة لكل مائة ألف نسمة من السكان (حين كان أكثر من ثلاثة أرباع سكانها يعيشون في الريف), وفي عصرنا الحديث تقلصت النسبة إلى حالة واحدة لكل مائة ألف نسمة (أكثر من ثلاثة أرباع السكان يعيشون في المدن).

نحن نتوجس ونمانع رغم أن من جوائز المدنية ما أتانا اليوم غنيمة جاهزة لم نتعب في تحصيلها. علي سبيل المثال, حين اخترعت "الطابعة" في القرن الخامس عشر في أوروبا، استغرق الأمر قرابة ثلاثة قرون حتى دخلت أول طابعة إلى البلاد العربية. بينما (الإنترنت) دخلت إلى البلدان العربية -تقريبا- في نفس السنوات التي انتشرت فيها في البلدان الغربية.

وعلى العموم, الخسارة "الحقيقية" تكون في عدم القدرة على تمثل وامتصاص المنجزات الفكرية للحالة المدنية، فالنقلة المدنية تضمر حسا فكريا يمكن أن يعاد استلهامه وتمثله مع تجدد الزمان.

الردة عن المدنية
على الساحة اليوم هناك ارتداد إلى كيانات تقليدية سابقة، تغني عن المواطنة والمؤسسات المدنية الحديثة. هذا الارتداد له مظاهر شتى... يجمعها أمر واحد، وهو أن الفرد, الذي هو "وحدة المجتمع", هو كائن لا مرئي, وكيان لا يقف بنفسه في مجتمع اليوم.

العولمة ومظاهر التقنية الحديثة قامت بعملية تفجير وإحياء نشط للكيانات التقليدية القديمة، التي أخذت تعود على صور أكثر حدة، تبعات هذا الأمر مثلت إشغالا منهكا للحيز الاجتماعي. من مظاهر ذلك أننا نشاهد اليوم إغلاق مكتب قناة فضائية بسبب العنصرية القبلية, وأيضا, إغلاق مواقع إلكترونية بسبب الاحتراب الطائفي.

هذا الارتداد إلى الكيانات التقليدية يغني عن الاحتياج ومن ثم التفعيل للمؤسسات المدنية, وهو ما يضعف وجود الدولة الحديثة ومفهومها. يرى محمد جابر الأنصاري أن تفتيت مفهوم الدولة القطرية الحديثة -إن تم- فإنما هو لصالح إعادة التكتلات التقليدية السابقة من طائفية وقبلية وجهوية.

يرى بعض الباحثين أن ميزة المواطنة كهوية تتمثل في كونها تختصر الكثير وتساعد عبر مركزيتها على احتواء شبكة متنوعة وواسعة من الأفراد, وتأسيس علاقة قانونية متميزة فيما بينهم. الدولة بمفهومها المدني الحديث هي الحاضن والمجال الحيوي لكثير من التشعبات والاختلافات والتفاعلات التي تتم داخل نطاق القطر الواحد.

"
الأوطان العربية بتشكلها القطري الحديث قد مر عليها على الأقل أكثر من نصف قرن, وهذا ما يؤكد أهمية تفعيل ارتكاز الدولة على جسد مجتمع أهلي ومدني, لكن ما نجده اليوم هو ارتداد وتقصير في النزوع إلى الممارسة المدنية
"
كدلالة على أهميتها نجد أن عالم الاجتماع السياسي الفرنسي بيير بورديو, وهو من قام بنقد وتفكيك مؤسسات الدولة (من خلال عمله الطويل في نقد آليات الهيمنة), قد عاد وانتقد مسألة نقض مفهوم الدولة, باعتبار أن بقاء بنية الدولة ووجودها هو عامل جوهري للتضامن والربط الاجتماعي.

الأوطان العربية بتشكلها القطري الحديث قد مر عليها على الأقل أكثر من نصف قرن. وهذا ما يؤكد أهمية تفعيل هذا الوجود عبر ارتكاز الدولة على جسد مجتمع أهلي ومدني متفاعل. لكن ما نجده اليوم هو ارتداد وتقصير في النزوع إلى الممارسة المدنية, وهو ما يستند إلى ضعف في الرفد الثقافي والمؤسسي.

هناك مصالح وطبقات وكيانات تستفيد من الهيكلية السابقة ومن رسوم الكيانات التقليدية، هذا الرفض على مستوى المصدرية والنخبوية أنتج رفضا وتشويها ثقافيا واسعا للممارسات المدنية الحديثة. ومن ذلك تقديم المفهوم المدني على أنه مفهوم تغريبي, وتقديم المجتمع المدني كضد للمجتمع الديني.

الإسلام باني المدائن
بنى الإسلام حضارته التي تأسست على المدنية، لدى الكيان الإسلامي مهمة أصيلة تتمثل في خلق الحواضر المدنية والتشجيع على النقلة الحياتية المرتبطة بها، فمنذ وقت مبكر قدم الإسلام النصوص والثقافة التي حرضت على عدم الارتداد إلى "التعرب" مرة أخرى. وفي كتابه (التأزم السياسي عند العرب) يتقصى محمد جابر الأنصاري النصوص والآثار الشرعية التي دعت إلى ذلك, مثل حديث "من بدا جفا" الذي أورده الإمام أحمد. وقد وردت كلمة "الأعراب" عشر مرات في القرآن الكريم, وفي تسعة مواضع من هذه العشرة كان الذكر على سبيل اللوم والتأنيب.

الإسلام هو باني الحواضر المدنية. منذ البداية عمد الإسلام إلى تمصير الأمصار, وتمدين المدن. كان هذا من أوامر الخليفة عمر بن الخطاب في الأيام الأولى للفتوح. فكان أن نشأت البصرة, والكوفة, ثم الفسطاط والقيروان.. والمدن القديمة أيضا, لم تملك إلا أن لبست لبوس هذه الحضارة, وتطورت على نهجها, مثل الإسكندرية ودمشق والقدس وأنطاكية وسمرقند.

ووجدت كلاما لباحث غربي يخبر فيه أن ظهور المدينة الغربية لم يكن إلا نتاجا وأثرا لبروز وظهور المدينة الإسلامية. فمنذ القرن العاشر الميلادي لم يكن في أوروبا سوى جثث المدن الرومانية القديمة, التي لم يكن فيها سوى قلة من السكان يحيطون برئيس عسكري أو ديني.

العدد الهائل من السكان الذين كانت تعج بهم الحواضر الإسلامية مثل دمشق والفسطاط وتونس وبغداد وقرطبة, كان لديه احتياج إلى من يصنع له, ويوفر له بعض المواد الأولية. لذا واستجابة لهذا الطلب وهذا النداء أخذت تنشأ وتتطور في أوروبا مدن "جنينية". هذه الظاهرة تنامت حتى القرن الثاني عشر, حين غيّر هذا التجمع فعليا البنية الاقتصادية والاجتماعية في الغرب, ومهد لظهور نهضة ثقافية.

"
كانت المدينة علامة بارزة في الجسد الإسلامي, وهذه النقلة المدنية لم تتجسد فقط عبر حضور مادي, بل هدفت أيضا إلى نقلة متجددة للثقافة والوعي
"
لقد كانت المدينة علامة بارزة في الجسد الإسلامي، هذه النقلة المدنية لم تتجسد فقط عبر حضور مادي, بل هدفت أيضا إلى نقلة متجددة للثقافة والوعي. إن تبديل اسم "يثرب" إلى "مدينة النبي" لم يكن مجرد تبديل اسم بآخر. نحن نعرف أن الإسلام مرسل إلى الناس على اختلاف أحوالهم وأماكنهم. وهو حين يعمل على نقل الناس من بيئة إلى أخرى, فهذا يعني أن البيئة الجديدة تمثل فرصة أفضل لمصالح الناس, من خلال المساعدة على توليد سلوك تنظيمي جديد, وتوفير أوضاع أخلاقية وذهنية مناسبة.. يصح القول إذن إن النقلة المدنية هي نقلة ثقافة ووعي تتجدد مع تجدد الظروف والأحوال. فلكل زمان قفزاته التي يحتاجها.

مجتمع المزايا والمسؤوليات
نهى الإسلام عن التعرب لأن الإنسان قد يعود إلى اللامبالاة بالقيم المدنية التي عرفها, وربما ترفع عن الخضوع لها ولشروطها، لذا المجتمع المدني ليس مجتمع مزايا بل ومسؤوليات أيضا، أذكر عبارة قديمة لابن خلدون حين كان في معرض انتقاد لما كانت عليه طباع بعض العرب المتأثرين بالبداوة حيال بعض الحواضر.. يقول" ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب مخاطر ويفرون إلى منتجعهم بالقفر..." (المقدمة, ص151).

استوقفتني عبارة "يفرون إلى منتجعهم بالقفر", فهذا مما يذكر بالارتداد. مثل الذي نشاهده اليوم حين نجد من يمارس المدنية ويستفيد من مزاياها, لكن في نفس الوقت يريد التخفف والتنصل من مسؤولياتها وواجباتها. أحدهم يريد فقط البحث عن الامتيازات, ولا تجد منه سوى التنكر والهروب حين تضعه أمام اعتبارات مهمة, لا ينفك عنها المجتمع المدني, من مثل: الوطنية والمساواة والعدالة الاجتماعية وكفل الحريات والتعددية أو إقرار بعض التنظيمات المدنية المستجدة (كقانون تحديد سن أدنى لزواج الفتاة).

القيم المدنية هي قيم تعارض الأهواء الخاصة والمتحيزة, لأنها تفترض العمل في سبيل مصالح عمومية ومشتركة داخل حقل المواطنة. الترابط المدني في ظل الدولة هو عقد اجتماعي يمارس أفضل سبل التسوية لمجموع أفراد الوطن. لذا قال روسو "يكون العقد حين تسكت الأهواء". وابن خلدون حين أوضح أن العرب هم أبعد الناس عن بناء الدولة والوفاء بمتطلباتها, فذلك لأنهم "قلما تجتمع أهواؤهم".

"
العالم اليوم عالم معرفة وثورة رقمية وأدمغة ذكية, ويعاد تشكيله على صورة غير مسبوقة, ولا يمكن أن يتم ذلك من غير إعادة تشكيل للمعرفة والتنظيم الاجتماعي والمؤسساتي للمحيط الذي يتواجد فيه الناس
"
إذا ظل العرب محتفظين بمكوناتهم القديمة, فهذا هو التحدي الذي ينتظر الدولة القطرية الحديثة, وبالخصوص في دول الخليج. فلو قدر لهذه الأوطان أن تتحول, وأن تنقل ثقلها من تمركزه الشديد على كيان الدولة إلى الكيان المدني, فالأمر المهم يتمثل في أن يترافق معها نقلة ثقافة ووعي. عبر خفض وترشيد الأصوات التقليدية, والأساليب الماضية لعهد ما قبل الدولة. فلا يعقل لمجتمع يريد تحقيق هذه النقلة أن يكون لديه علاقات قوة ومغالبة تتحفز عبر التضامن القرابي, أو أن يتم بين أفراده محاكمات على أساس عقدي أو طائفي!

العالم اليوم عالم معرفة, وثورة رقمية, وأدمغة ذكية, ويعاد تشكيله على صورة غير مسبوقة... ولا يمكن أن يتم ذلك من غير إعادة تشكيل للمعرفة والتنظيم الاجتماعي والمؤسساتي للمحيط الذي يتواجد فيه الناس.

المجتمع المدني.. نقد النقد
لا يمكن لمفهوم المجتمع المدني أن يمارس النفاذ والحضور على مستوى الممارسة الاجتماعية ما لم يتجذر ويحصل على زخم دعم واهتمام شعبي.. هذا شرط سابق للحصول على فرص دعم وانفراج رسمي أو تنظيمي حياله.

إحدى الكوابح عندنا تجاه هذا المفهوم وانتشاره هي أنه يتعرض للتشويه, فهو من ضمن حزمة مفاهيم تتعرض للتشويه باعتبارها تغريبية ومخالفة, من مثل: الحرية والعقلانية وحقوق الإنسان وغيرها. بينما الحاجة إلى الآليات المدنية الحديثة تكون بسبب أنها عملية وتمثل حلا أفضل من سواها.

يوجد تأييد ثقافي لهذه النقطة، المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري قد انتقد في كتابه (نقد الحاجة إلى الإصلاح, ص173) مفهوم المجتمع المدني من ناحية أنه "مفهوم أوروبي" قدمت إليه أوروبا عبر مرورها بالمجتمع الصناعي التجاري. ولا أعرف حقيقة لم نحن ملزمون بنقل رسم هذا المفهوم وفحواه الغربيين حين نكون بصدد استخدامه في عالمنا العربي!!. أليس في هذا مخالفة للميل الثقافي إلى مبدأ "تبيئة المفهوم"، وهو ما دعا له الجابري نفسه.

المجتمع المدني له بعد تاريخي ومبادئ نظرية موجودة في تاريخنا الإسلامي, ولدينا قدرة تأسيسية حياله, باعتبار التاريخ الاجتماعي والثقافي لدينا, الذي باين بين اجتماع "الحاضرة" واجتماع "التعرب". إضافة إلى أن المفهوم المدني هو مفهوم مطرد, من الممكن تمثله بتجدد.

أيضا هناك عدد من المختصين ممن انتقدوا مفهوم المجتمع المدني، باعتبار أن بنية المدينة العربية تكون بنية متريفة, مما يصعب العمل المدني فيها, لذا فضلوا استخدام مفهوم "المجتمع الأهلي" عوضا عنه. وهذا القول بمنزلة إعلان استقالة للمدينة, وسحب لها من دورها. ونقل لها من حيز التأثير إلى حيز التأثر.

"
لا يمكن لمفهوم المجتمع المدني أن يمارس النفاذ والحضور على مستوى الممارسة الاجتماعية ما لم يتجذر ويحصل على زخم دعم واهتمام شعبي
"
صحيح أن الزيادة في المدن العربية تكون تريفا لا نموا ذاتيا. ولكن تجاه ذلك يكون واجب المدنية, فهذا هو دورها ودور مؤسساتها وناشطيها.. أن يلونوا الأمور بلونها, لا أن يراقبوها وهي تستلب وتفقد روحها. والذين يرون أن التريف عقبة خاصة بالمدينة العربية, لهم أن يعرفوا أن غرامشي قد كتب عن عقبة التريف تجاه المدنية الأوروبية في وقت مبكر من القرن العشرين (أنطونيو بوزوليني: غرامشي, ص171).

ويوجد أيضا من يحتج على المجتمع المدني وكياناته الحديثة باعتبار أن الكيانات الموجودة لدينا مسبقا هي كيانات مناسبة, داعمة للأفراد, وذات أساسيات أخلاقية مهمة. وهذا كلام صحيح, لكن الفرق الذي يجعلنا نهدف للمؤسسة المدنية الحديثة هو فرق في الهيكل والتنظيم وفي البنية الداخلية لكل كيان. المشكلة تكمن في الدخول إلى نظام مدني حديث عبر مكون قديم, كمن يذهب لينتخب عبر مكون القبيلة.

المجتمع المدني وتقوية الداخل
الاحتفاء بالمدينة لا يعني أنها تخلو من العلل, كالترفه الزائد, أو تحولها إلى ميدان خادم لكيانات مؤسسية كبرى, أو نخبويات معينة. لكن هذه العلل مثل سابقاتها تؤكد أهمية العمل المدني الحديث, باعتبار أنها تجابه من خلاله.

الدول العربية تحتاج إلى تقوية نسيجها من الداخل، وذلك عبر مؤسسات مجتمع مدني توجد نفسها عبر حضور ثقافي تمارس من خلاله الضغط والمراقبة والتمثيل. لقد وفدت إلينا "منظمة التجارة العالمية" تلك التي تسميها مجلة "الإيكونوميست": الحكومة الإمبريالية للعالم التي لم ينتخبها أحد.. وأمام تبعاتها قد نتناثر أفرادا معزولين, فلا درع ولا وجاء.

لذا يحتاج الأفراد إلى حماية مصالحهم الاقتصادية, وإلى صقل قدرتهم على التجمع والعمل.. فمن دون ذلك يخسرون القدرة على المشاركة والتفاعل, ولا يبقى لديهم سوى انتظار مفاهيم "فوقية" للإصلاح والعمل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة