تنظيم الدولة وإسرائيل وإستراتيجية محو التراث   
السبت 23/5/1436 هـ - الموافق 14/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 (مكة المكرمة)، 12:58 (غرينتش)
مروان بشارة

"كيف لنا أن ننتقد إسرائيل في الوقت الذي نتكلم فيه عن تدمير تنظيم الدولة مدينة الحضر.. أمر لا يصدق!"

هذا أحد التعليقات التي وردت حول مقابلتي التي تحدثت فيها عن التبعات التاريخية لتدمير مدينة الحضر الأثرية ومدينة نمرود وعدد من التماثيل التاريخية في شمال العراق على يد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية.

إنها وجهة نظر متوقعة من أي صهيوني، إلا أنها في الوقت نفسه تظهر إلى أي مدى قد يصل المرء في إنكاره ماضية، لدرجة أنه لا يرى أن الفظائع التي ترتكب في العراق وسوريا -على بشاعتها- ليست أمرا طارئا ولا استثناء.

وكما ذكرت في مقابلتي على شاشة الجزيرة، فتاريخيا هناك الكثير من القوى الغازية فعلت الشيء نفسه، وربما أسوأ، عندما تمكنت من الأرض التي أرادت غزوها، مثل اليابانيين في كوريا، والألمان في بولندا، والصرب في البوسنة، والإسرائيليين في فلسطين، وحتى الاحتلال الأوروبي في البلدان التي احتلها.

هذه الحقائق لا يمكن إنكارها، ويمكن ببحث بسيط التثبت من صحتها.

بعض المؤرخين التصحيحيين في إسرائيل كرسوا أبحاثهم لتصحيح رواية التاريخ، بكشف الزيف والحيف التاريخيين اللذين نتجا عن السياسة المتعنتة القائمة على الإجحاف، والتي اتبعها مؤسسو إسرائيل ضد أصحاب الأرض الأصليين، الشعب الفلسطيني

الاعتراف بالخطأ فضيلة، وهناك الكثير من الفوائد التي قد تعود على قوى وبلدان مثل الولايات المتحدة وإنجلترا وروسيا وتركيا والبرتغال وبلجيكا وهولندا، عندما تعترف بالجانب المظلم من تاريخها.

بعض الدول اعترفت بالآثام التي اقترفتها في الماضي، بينما لا يزال البعض الآخر غارقا في حالة من النكران، وهو ما ينطبق على إسرائيل وأصدقائها الصهاينة.

وللإنصاف، فإن بعض الإسرائيليين قد تقدموا خطوة في الاتجاه الصحيح في السنين الماضية، وتجرؤوا على ذكر التصفية العرقية والثقافية التي مورست في فلسطين.

هؤلاء الإسرائيليون الذين يعرفون باسم "المؤرخون التصحيحيون" يتحدون التيار الوطني التقليدي في إسرائيل، بإبراز سياسة طمس الحقائق التي تمارسها الدولة منذ عقود، والتي ضمنتها في المناهج المدرسية تحت اسم "التاريخ".

بعض أولئك المؤرخين كرسوا أبحاثهم لتصحيح رواية التاريخ، بكشف الزيف والحيف التاريخيين اللذين نتجا عن السياسة المتعنتة القائمة على الإجحاف، والتي اتبعها مؤسسو إسرائيل ضد أصحاب الأرض الأصليين، الشعب الفلسطيني.

من جهة أخرى، هناك من يعترف بارتكاب إسرائيل أعمال تصفية عرقية وثقافية ضد الفلسطينيين، ولكنهم في الوقت ذاته يبررون تلك الأفعال بأنها صراع من أجل البقاء كان على "الدولة العبرية" أن تخوضه، ويستندون في تبريرهم إلى نظرية تقول إن السبيل الوحيد الذي كان متاحا لتثبيت الدولة العبرية في ذلك الوقت، هو محو كل ما كان قبلها على الأرض التي قامت عليها، أي محو الفلسطينيين، وكل ما يتعلق بهم.

في كتابه "أرض الأنبياء: التاريخ المدفون للأرض المقدسة منذ عام 1948"، يقول ميرون بينفينستي عالم السياسة ونائب عمدة القدس الإسرائيلي سابقا: "إن مصير مواقع العبادة الإسلامية في دولة إسرائيل يمكن أن تكون مثالا ساطعا على مصادرة المنتصر مقدسات عدوه المهزوم، وتطويعها لخدمة أهدافه سواء الدينية أو غير الدينية، أو حتى لأغراض التدنيس إن تطلب الأمر. وإن كان موقع ما غير ذي فائدة بالنسبة لهم فيتعمدون إهماله وإبقاءه مهجورا لتتساقط أحجاره واحدة تلو الأخرى، ويذهبون إلى حد منع من يهمهم أمر الموقع من صيانته وإنقاذه من الضياع، خوفا أن يستخدم الموقع في مرحلة ما كحجة ليعود صاحب الأرض لأرضه".

ويستمر بينفينستي -الذي كان رئيسا لقسم التخطيط العمراني في مدينة القدس بين عامي 1971 و1978 في النهج النقدي نفسه تحت عنوان فرعي "تزوير انتماء القوة الغازية"، من أجل وضع قضية سلب الإسرائيليين الوطن الفلسطيني في سياق متين، من شأنه أن يتسبب في صدمة لأصدقاء إسرائيل.

كثير من السياسات التي صممت لمحو التاريخ الفلسطيني وتقديم واقع إسرائيلي جديد يعتمد على قراءات انتقائية وأحيانا أسطورية للتاريخ، تتماشى وسياسات التهجير وحرمان مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة

يقول بينفينستي في هذا الصدد: "ليس هناك جانب خيالي في حقيقة أن اليهود المنتصرين قد استولوا على مواقع عبادة إسلامية، الأمر الذي يبدو كأنه حدث من العصور الغابرة. لم يحدث منذ نهاية القرون الوسطى أن شهد العالم قيام الطرف المنتصر بمصادرة -بالجملة- مواقع العبادة العائدة لدين الطرف المهزوم. صحيح أن دور العبادة في بلدان عديدة قد تعرضت للتخريب في العصر الحديث نتيجة القصف، مثل الجوامع في سراييفو في تسعينيات القرن الماضي، وتفجير الكنائس إبان الثورة البلشفية في روسيا، وصولا إلى نهب الكنائس والأديرة أثناء الثورة الفرنسية. ولكن، لكي نجد حوادث مماثلة لتزوير هوية دور العبادة من قبل الغازي المنتصر، سيتحتم علينا العودة إلى تاريخ إسبانيا والإمبراطورية البيزنطية في منتصف وأواخر القرن الـ15".

كثير من السياسات التي صممت لمحو التاريخ الفلسطيني وتقديم واقع إسرائيلي جديد يعتمد على قراءات انتقائية وأحيانا أسطورية للتاريخ، تتماشى وسياسات التهجير وحرمان مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة.

كل ذلك مهد الطريق لتدمير مئات القرى والبلدات الفلسطينية والثقافة المرتبطة بها، ثم قامت إسرائيل بتشييد المئات من البلدات والقرى بدلا منها.

هذه الحقائق مزعجة ومخزية لأولئك الذين يتغنون بإسرائيل على أنها واحة المدنية، وأنها المدينة التي تجلس "في أعلى التلة" ويتحلق من حولها الهمج والقتلة الذين يريدون الانقضاض عليها.

ولسوء الحظ، فإن ما تقدم ليس تاريخا فحسب، بل إنه مأساة مستمرة منذ عقود. اليوم مثلا، قطاع غزة الذي يعد أكثر مخيمات اللاجئين كثافة بالسكان وأقدمها وأكثرها فقرا في العالم، نراه تحت الحصار الإسرائيلي بعد سقوط آلاف الضحايا الغزيين نتيجة العدوان الأخير الذي قام به الجيش الإسرائيلي على غزة الصيف الماضي.

الجديد في الأمر هو أن تنظيم الدولة يتصدر المشهد اليوم، وتراجع كل شيء آخر إلى ما خلف الستار، الأمر الذي يعطي من قام بكل ما سلف ذكره فرصة للتملص من الملاحقة الدولية.

في أيام قلائل، دمر تنظيم الدولة آثارا في العراق حفظها الإسلام 14 قرنا.

بشكل عام، أولئك الذين يرتكبون الفظائع نوعان: همجيون واستعراضيون، على طريقة العصور الوسطى أو بوسائل القتل والتدمير الحديثة.

الرؤية الدينية المتطرفة لتنظيم الدولة لا تختلف عن نظيراتها في أديان أخرى، تدعو لتدمير الماضي من أجل بناء مستقبل قائم على توحيد الله، وتنظيم الدولة يتبع خطوات الطوائف المسيحية واليهودية المتطرفة التي تعتنق رؤية دينية مشابهة تكفر كل من ليس على دينها وتشيطنه

يقوم تنظيم الدولة باستعراض أفعاله المشينة ويصورها ويبثها للعالم، الأمر الذي يعطي مجرمي الحرب الآخرين فرصة للاختباء وتغطية جرائمهم وتمويهها.

تنظيم الدولة يمارس ترويع الناس وتدمير إرثهم الحضاري بأساليب منها استخدام الجرافات لتجريف التماثيل التي لم يعد يعبدها أحد، في محاولة لمحو وتدمير التاريخ. إن هذا التنظيم حصيلة فشل متعدد الجوانب في حضارتنا، وهذا ينعكس في موقفها المعادي للتحضر.

ورغم الإستراتيجية الاستعراضية الخفية لتنظيم الدولة، فإن ذلك لا يعني أن ضحاياها هم أكثر تضررا أو أن أفعالها أكثر تدميرا من أنظمة مماثلة مثل النظام السوري برئاسة بشار الأسد وإسرائيل.

إن الرؤية الدينية المتطرفة لتنظيم الدولة لا تختلف عن نظيراتها في أديان أخرى والتي تدعو لتدمير الماضي من أجل بناء مستقبل قائم على توحيد الله. في الحقيقة إن تنظيم الدولة يتبع خطوات الطوائف المسيحية واليهودية المتطرفة التي تعتنق رؤية دينية مشابهة تكفر كل من ليس على دينها و"تشيطنه".

مثل المتطرفين اليهود والمسيحيين الأنجيليكانيين والمسيحيين الجدد (New Born Christians)، بعض معتقدات أولئك المتطرفين تنص على ضرورة تدمير كل ما هو موجود على ما يسمونه أرض الميعاد، تمهيدا لتجميع يهود العالم، وهو ما يعد إشارة إلى نزول المسيح، ومن ثم نهاية العالم.

إن الوضع السياسي الراهن في الشرق الأوسط الذي تحكمه حكومات معترف بها دوليا، مليء بممارسات تشبه تلك التي تقوم بها عصابات تنظيم الدولة، وإن هذه حقيقة تحمل في طياتها الكثير.

وفي هذا السياق، يمكننا القول إن تنظيم الدولة ما هو إلا واحد من أعراض مرض إقليمي يحتاج إلى علاج آني وجذري، ولكن الاعتماد على أسلوب القمع العسكري على النموذج الإسرائيلي والطائفية التي تدعمها إيران لن يؤدي إلى نتيجة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة