الشراكة الأوروبية السورية.. تحد أم ورقة مساومة؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ أكرم البني

كثف إعلان برشلونة لعام 1995 مفهوم الشراكة الأوروبية المتوسطية في خلق روابط ملزمة ودائمة بين دول البحر الأبيض المتوسط على أسس الحوار والتعاون وتحقيق السلام والازدهار، ووضع على عاتق المجموعة الأوروبية مهمة المبادرة لعقد اتفاقات شراكة مع الدول المتوسطية غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تشمل المجالات كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية.

الظروف التي ولد فيها مفهوم الشراكة والأهداف التي وضعها الاتحاد الأوروبي ارتبطت بالتغيرات النوعية التي شهدها العالم في العقد الأخير من القرن الماضي، كانهيار المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة وانفلات العولمة من عقالها، وظهور السوق الأوروبية المشتركة وما ترتب عليه من انبعاث روح جديدة من التنافس على المصالح ومناطق النفوذ بين أميركا والاتحاد الأوروبي، واحد من تجلياتها سعي هذا الأخير لاستعادة منطقة المتوسط إلى مجاله الإستراتيجي في سياق ما يبدو أنه إعادة تقسيم واقتسام للعالم، وصار من الممكن الحديث عن مشروع أوروبي ينمو ببطء في مواجهة الإستراتيجية الأميركية يطمح إلى تجاوز موقع الشريك الضعيف ويتطلع إلى الاستقلال والمساهمة الندِّية في بناء النظام العالمي الجديد.


استندت الجماعة الأوروبية في فكرة الشراكة المتوسطية إلى أنها تؤلف مع دول المنطقة مجالا جغرافيا سياسيا وحضاريا مشتركا وأن ثمة علاقات تاريخية وثيقة ومتميزة بينهما
استندت الجماعة الأوروبية في فكرة الشراكة إلى أنها تؤلف مع دول المتوسط مجالاً جغرافياً سياسياً وحضارياً مشتركاً وأن ثمة علاقات تاريخية وثيقة ومتميزة بينهما. فانطلاقاً من واقع القرب الجغرافي وكثافة العلاقات يغدو استقرار تلك البلدان وازدهارها أمراً حيوياً لأوروبا، في حين ينعكس تخلفها واضطرابها سلباً عليها ويفضي إلى واقع ربما يصعب تحمل نتائجه.

بالتالي هدفت الشراكة من بين ما هدفت، إلى إيقاف صيرورة تدهور أوضاع البلدان المتوسطية ومساعدتها على إجراء إصلاحات هيكلية في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تقليص حجم الهوة التكنولوجية وتحسين الاستثمارات وإعادة رسملة الشركات وتحديثها بالاعتماد على المعايير الدولية، بما يخفف من ضغط العمالة المهاجرة إلى أوروبا ويزيل خطر الامتداد الخارجي للتوترات الداخلية والحروب.

ولقاء ذلك يشترط الاتحاد الأوروبي تحرير التجارة وإلغاء التعريفات الجمركية على السلع المتبادلة يصل في عام 2010 إلى إقامة منطقة تجارة حرة واسعة في حوض المتوسط تزيد الطلب على الاستهلاك المدعوم بقدرة شرائية، ينشط اقتصاد أوروبا ويزيد صادراتها، ربطاً مع المساهمة في إرساء مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان كعناصر متممة، تشدد المجموعة الأوروبية عليها طالما تخدمها أو لنقل لا تتعارض مع مصالحها السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية.

في المقابل وجدت السلطات السورية في الشراكة الأوروبية خياراً مناسباً لتعويض خسارتها الحليف السوفياتي، فهي البديل الأقل سوءاً من زاوية الاشتراطات السياسية والاقتصادية مقارنة مع المشاريع التي عرضت عليها (مشروع صندوق النقد الدولي مثلاً). ويوماً بعد يوم تصبح هذه الشراكة أشبه بممر إجباري بالنسبة لسورية في مواجهة فشل خيارات التعاون العالمية والإقليمية الأخرى وخاصة منطقة التجارة العربية الحرة وفي ظل واقع اقتصادي متأزم ومتهالك هو في أمس الحاجة إلى عون خارجي كي يتمكن من ترميم نفسه.

وكان الرهان أن يستجر عقد الشراكة مزيداً من الاستثمارات الأوروبية والمساعدات العلمية والتقنية لتحسين أداء القطاعات الاقتصادية وتهيئتها للتوافق مع اشتراطات تحرير التجارة، خصوصاً وأن سورية تتميز بعلاقات تجارية واسعة وعميقة مع أوروبا فصادراتها إلى دول الاتحاد الأوروبي تصل إلى أكثر من 60% من إجمالي ما تصدر في حين أن وارداتها من أوروبا تبلغ أكثر من 30% من إجمالي ما تستورد.

خلافاً للرغبات تعثرت مسيرة المفاوضات، ولنقل راوحت في مكانها طويلاً دون أن تحرز أي تقدم منذ عام 1998 وبقيت سورية الدولة الوحيدة المنتمية لآلية برشلونة التي لم توقع إلى الآن على اتفاقية الشراكة بسبب شدة تباين شروط الطرفين وصعوبة التوصل إلى قواسم مشتركة، وما كان لهذه المفاوضات أن تتقدم اليوم لو ما انصاع الطرف الضعيف لشروط الأقوى واستعجل توقيع الاتفاقية مشفوعاً برغبة في تقديم ما يلزم من تنازلات لحل معظم القضايا العالقة، كأنه يستجير بعد احتلال العراق وتصاعد الضغوط الأميركية بعلاقات وثيقة مع أوروبا كي يشعر ببعض القوة والآمان.

كان من المفروض في ضوء الإلحاح السوري أن تمهد الجولة الثانية عشرة من المفاوضات التي جرت مطلع شهر كانون الأول لتوقيع اتفاق الشراكة أواخر عام 2003، لكن يبدو أن السماء لا تزال ملبدة ببعض الغيوم وأن ثمة احتمال أن تؤجل مراسم التوقيع بسبب حاجة الطرفين إلى مزيد من الوقت للاتفاق حول عدد من القضايا لا تزال موضع خلاف، منها الاقتصادي المتعلق بدرجة تفكيك الرسوم الجمركية على تبادل المنتجات الزراعية والصناعية، ولا تزال الحكومة السورية تبدي تحفظاً على تحرير بعض السلع وأيضاً على الجدول الزمني لتخفيض التعريفات الجمركية تبدأ بنسبة 50% كمرحلة أولى قبل أن تصبح التجارة حرة تماماً بعد فترة انتقالية تمتد إلى عشر سنوات.

ومنها السياسي المتعلق بالإصلاحات الداخلية التي ترتبط أساساً بتنفيذ المشروع المقترح من لجنة خبراء فرنسيين يتضمن حزمة من الاشتراطات مثل فصل الحزب الحاكم عن الدولة والعمل على تقليص عدد الوزارات وتفعيل دورها ورفع الوصاية السياسية عن المسؤوليات الإدارية، هذا إضافة إلى ما أشيع عن مطالب خفية تتعلق بحقوق الإنسان وتوسيع هامش الحريات السياسية وحل مشكلتي المنفيين والمعتقلين السياسيين.

أن تكون المفاوضات غير متكافئة بين طرفين تختلف دوافعهما ولا يقفان على مستوى واحد من الوزن والقوة، هو أمر يفسر سبب ظهور تشدد أوروبي، بدا مفاجئاً للجميع، في مواجهة المرونة السورية اللافتة، أرجعه البعض إلى محاولة الاتحاد الأوروبي الإفادة إلى أقصى الحدود من الضعف السوري جراء الشرط الإقليمي الجديد وقد استشعر إلحاح السلطات السورية على شراكته واستعجالها توقيع الاتفاقية بغرض الاستناد إليها في ما يعترضها من ضغوط أميركية وتهديدات إسرائيلية.


الأوروبيون يعرفون جيداً كيف يخدمون مصالحهم وهم ليسوا من الضعف أو الغباء ليكونوا ورقة بيد طرف ما في خلافاته مع أميركا دون أن يقبضوا الثمن
لا شك في أن الأوروبيين يعرفون جيداً كيف يخدمون مصالحهم وهم ليسوا من الضعف أو الغباء ليكونوا ورقة بيد طرف ما في خلافاته مع أميركا دون أن يقبضوا الثمن، الذي يفترض أن يكون هذه المرة وافياً ومجزياً، خاصة في فرض شروطهم كاملة على الصعيد الاقتصادي، إن لجهة تنشيط صادراتهم أو لجهة توفير مناخ مناسب لاستثماراتهم عبر تحرير الاقتصاد السوري من ضوابطه السياسية وسائر أشكال الحماية ودفعه لاعتماد قواعد المنافسة العالمية ومعاييرها.

في المقابل يقف الطرف السوري في موقع لا يحسد عليه وقد تراجع وزنه التفاوضي الضعيف أصلاً بعد أن اتضحت خيوط اللعبة وفقد ورقة مساومة مهمة كان يمتلكها لتحصيل الكثير من المعونات والمنافع الاقتصادية لقاء منح الاتحاد الأوروبي أولوية على غيره من القوى الكبرى في العلاقات مع سورية، مثل تحديث التقانة وتحديث الصناعة وتنشيط الاستثمارات وتطوير تجارة الصادرات السورية ومثل التشدد في رفض بعض الاشتراطات الأوروبية على صعيد درجة تحرير التجارة وطابع الإصلاحات السياسية الداخلية. فهل نجح في ذلك؟

المقلق أن ما رشح من معلومات حتى الآن يشير إلى أن المفاوضات تمكنت من تجاوز أهم الخلافات بسبب موافقة سورية على أغلب الشروط الاقتصادية وتحديداً حول إلغاء تدريجي للتعريفة الجمركية على البضائع الأوروبية، وأيضاً، بسبب مرونة كبيرة أبداها الطرف الأوروبي في اشتراطاته بشأن الإصلاحات الداخلية وحقوق الإنسان تناغماً مع رغبة سورية تفضل عرض هذه القضية على شكل توصيات ينبغي إنجازها بالتدريج لا اشتراطات مفروضة للتنفيذ الفوري قبل توقيع الشراكة، الأمر الذي تمخض عن وعود سورية -قيل أنها جدية- بحل قضايا المنفيين والمعتقلين السياسيين وعن "موافقة مبدئية" على تشجيع الأعمال الهادفة إلى دعم المؤسسات الديمقراطية وتقوية حكم القانون والمجتمع المدني، وأيضاً العمل على تطوير شبكة علاقات تربط بين الجامعات والجماعات المحلية والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الثقافية مع مثيلاتها الأوروبية.

فعلى الرغم من أن مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية يدعو إلى مبادئ الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان التي تدين بها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإن هامش العلاقة بين المطالب السياسية والاشتراطات الاقتصادية هو هامش فضفاض وأن قواعد الشراكة والدعم الاقتصادي لا يتطلب إلزام الدول موضوع الشراكة، غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، باحترام هذه المبادئ.

من هذه الزاوية يظهر جلياً الأساس البراغماتي الذي يقوم عليه هذا المشروع وأن المحصلة النهائية لأرباح الأوروبيين تحتل المرتبة الأولى في حساباتهم، بدليل إنجاز غير نموذج للشراكة مع بلدان متوسطية تنازلت فيه المجموعة الأوروبية عن العديد من اشتراطاتها حول الحريات والديمقراطية لقاء ربح اقتصادي أو كسب نفوذ جديد، ما أدى إلى تراجع مصداقيتها في نظر شعوب المنطقة، والمرشحة اليوم لمزيد من التراجع إن لم تتقدم أوروبا من جديد لنصرة الحريات وحقوق الإنسان وتنتزع زمام المبادرة في مواجهة دعوات نشر الديمقراطية التي يتواتر إعلانها من واشنطن.

هل نستطيع القول -إذا صحت المعلومات المتسربة عن مجرى المفاوضات- بأن ثمة خيبة أمل مني بها أصحاب الهم الديمقراطي في سورية جراء اكتفاء الأوروبيين بتوصيات خجولة حول الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، وإهمال معالجة الأسباب الجذرية للتخلف والاضطراب لا سيما مشكلات ركود الاقتصاد والفساد وغياب الديمقراطية.

الغريب أن يشيح الأوروبيون بوجوههم عن النتائج المأساوية التي نجمت عن أساليب تنازع النفوذ في المنطقة عبر استمالة الأنظمة القائمة ومراعاة أوضاعها الخاصة والصمت عن انتهاكاتها للحريات وحقوق الإنسان، رغم أنهم خير من يعرف أن طبيعة هذه الأنظمة واستبدادها هي نقطة الضعف الرئيسة أمام تطور المجتمعات العربية وتحسين قدرتها على المنافسة والاندماج مع التكتلات العالمية، وأن غياب الديمقراطية هو العائق الأساسي أمام النمو الاقتصادي والتقاني والإداري وتالياً نمو السوق والقدرة الشرائية والنشاط الاستثماري، فالوضع السياسي القائم على القمع والإكراه وانعدام الضمانات القانونية واستمرار حضور حالة الطوارئ هو ما أفضى ويفضي ليس فقط إلى شيوع الفساد وتبديد الثروات وإنما إلى خسارة الاستثمارات الخارجية وهروب رؤوس الأموال المحلية لتبحث عن أماكن استثمار صحية خارج وطنها.


من المؤسف أن يتحول تحد إستراتيجي كمشروع الشراكة الأوروبية السورية إلى ورقة مساومة لإدارة الأزمات بدل أن يكون خيارا جديا لمعالجة مشكلات المجتمع البنيوية
من جديد تحضر لغة المصالح الضيقة كعامل رئيس في قراءة موضوع الشراكة لتفسير سلوك الأوروبيين وأيضاً سبب استجابة السلطات السورية لمعظم الاشتراطات في محاولة للاستقواء بأوروبا على الضغوط الأميركية، وما يترتب على ذلك من ضرورة إجراء تغيرات واسعة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي تمليها مصالح طرف خارجي لا مصالح الداخل، تنعكس سلباً على مجتمع لم تجر تهيئته بصورة كافية للتكيف مع هذه المتغيرات واستيعاب نتائجها، إن لجهة الأضرار الناجمة عن إخضاع التبادل التجاري للشروط الأوروبية على السلع والبضائع السورية وأغلبها من حاصلات زراعية وسلع صناعية تقليدية غير قادرة على المنافسة، أو لجهة الآثار التي ستخلفها على شروط حياة الناس وهم في الحصيلة النهائية أكبر الخاسرين، معيشياً وديمقراطياً.

يبدو مؤسفاً أن يتحول تحد إستراتيجي كمشروع الشراكة الأوروبية السورية إلى ورقة مساومة لإدارة الأزمات بدل أن يكون خياراً جدياً لمعالجة مشكلات المجتمع البنيوية وأمراضه المزمنة، والمؤسف أيضاً أن تتقن السلطات السورية أسلوب المناورة والمطاوعة حيناً والاستقواء بأوراق خارجية حيناً آخر في إصرار خطير على إهمال الوضع الداخلي ومشروع الإصلاح الديمقراطي المستحق، الخيار الوحيد الباقي والناجع في مواجهة تحدي الشراكة الأوروبية وأيضاً في مقاومة الضغوط والإملاءات الخارجية كافة والتصدي لما يعترض الوطن من تحديات ومخاطر.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة