11 سبتمبر.. الذكرى والمدلول   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

-معالم حرب غير متوازية
-الديماغوجية السياسية وتسويق الرعب
-عقلية الحرب الباردة وميراثها
-الحاجة إلى الحقائق المجردة

مضى عام آخر.. وحلت الذكرى الثانية لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 على نيويورك وواشنطن. وقد سال حبر كثير في الحديث عن هذه الذكرى رثاء وشماتة، وخلَّدت الحكومة الأميركية وتنظيم القاعدة هذا الحدث الجلل بطريقتين متباينتين تباين الرؤية الكونية للطرفين.

ونحاول هنا فهم بعض آثار تلك الهجمات وأبعادها، لا بمنطق الرثاء أو الشماتة، بل بشيء من التحليل والتأمل.


هجمات 11 سبتمبر
انتفاضة ممتدة على مستوى دولي إذ أنها تسعى إلى البرهنة على أن آلة الحرب الأميركية الجبارة لن تضمن الأمن لأميركا ما دامت تتجاهل الأهداف السياسية التي يطالب بها تنظيم القاعدة

معالم حرب غير متوازية

حينما أطلقت السفن الحربية الأميركية عددا من صواريخ "كروز" في محاولة لاغتيال أسامة بن لادن عام 1998، كتب الصحفي الأميركي توماس فريدمان أن هذه أول مرة في التاريخ يتم فيها إطلاق هذه الأسلحة التي يقدر ثمن الصاروخ الواحد منها بمليون دولار من أجل اغتيال فرد، وما ذلك إلا لأن الفرد أصبح في وسعه إعلان الحرب على دولة، في عصر الشهادة والإنترنت الذي نعيش بدايته.

إن أول ما يستحق التأمل في هجمات 11 سبتمبر هو أنها دشنت عصرا جديدا من الحروب لم يعهده العالم من قبل، وهو الحروب غير المتوازية. فقد اعتاد الناس على حروب تقليدية بين جيشين نظاميين، أو حرب عصابات مسلحة تسندها قاعدة خلفية ضد جيش نظامي. وكل ذلك يدخل ضمن إطار الحرب المتوازية بمعنى من المعاني.

لكن طبيعة الحرب الجديدة غير المتوازية مختلفة. فهي تتأسس على قواعد أربع:

أولها: الاستعداد للموت بطيب خاطر في سبيل النكاية بالعدو المستهدف، وبناء الخطط العسكرية على أساس فدائي لا مجال فيه للردع ولا سبيل للتراجع.

وثانيها: مرونة البناء التنظيمي والقيادي، مما يسمح بقدر كبير من الانسيابية واللامركزية، والتنسيق بين عناصر التنظيم رغم وجودهم في بلاد شتى، وهو ما تتكفل به الإنترنت.

وثالثها: انعدام القاعدة الخلفية بمعناها اللوجستيكي، وعدم وجود أهداف حسية يستهدفها العدو في ردود أفعاله، فشعار "اضرب واهرب" في حرب العصابات، تحول هنا إلى "اضرب واغرب".

ورابعها: الحضور الإعلامي المكثف الذي يعطي للأعمال العسكرية معنى سياسيا، ويحافظ على تأجيج المعركة في النفوس كلما هدأت على الأرض.

ومن الواضح أن حرب تنظيم "القاعدة" ضد الولايات المتحدة تتصف بكل هذه الخصائص الأربع.

لقد كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل مرة واصفا حرب حزيران/ يونيو 1967 بأنها "كانت قتلا لا قتالا"، وهو محق في ذلك، فالمواجهة بين جيشين تفصل بينهما هوة تكنولوجية سحيقة تتحول إلى قتل لا إلى قتال.

لكن خطة الحرب غير المتوازية تسد الفجوة التكنولوجية، وتؤدي إلى نوع من "توازن الرعب"، رغم التفاوت الكبير في ميزان القوة العسكرية.

وقد ظهرت نواة هذا النمط الجديد من الحروب منتصف التسعينات على يد المقاومة الفلسطينية. فقد غيرت المقاومة الفلسطينية معالم الاستراتيجية الشرق أوسطية، حينما برهنت على قدرتها على تحييد الآلة العسكرية الإسرائيلية المتقدمة، وتحويلها إلى مخزون من السلاح الاستراتيجي الذي يضمن ردع الدول العربية (وهي ليست بحاجة إلى رادع بالمناسبة بعد أن ارتدعت من تلقاء نفسها) لكنه لا يضمن الأمن للمواطن الإسرائيلي داخل إسرائيل.

لذلك فليس من المغالاة القول إن هجمات 11 سبتمبر –في مظهرها الاستراتيجي– مجرد مظهر من مظاهر "الانتفاضة"، لكنها انتفاضة ممتدة على مستوى دولي. فهي تسعى إلى تحييد آلة الحرب الأميركية الجبارة، والبرهنة على أن هذه الآلة لن تضمن الأمن لأميركا، ما دامت تتجاهل الأهداف السياسية التي يطالب بها تنظيم القاعدة.


يبالغ العديد من قادة الدول العربية والإسلامية في تصوير "الخطر الإرهابي الداهم"، ويفتعلونه افتعالا، أملا في تحقيق مكاسب سياسية خارجية، إذ يستمدون شرعيتهم من الخارج أكثر مما يستمدونها من الداخل
الديماغوجية السياسية وتسويق الرعب

إن من أهم آثار هجمات 11 سبتمبر أنها فتحت الباب أمام السياسيين الفاقدين للشرعية أو للكفاءة لتسويق الرعب، والاستفادة سياسيا من ذلك، تغطية على قصورهم السياسي أو عدم شرعيتهم، وأوضح ما تظهر سياسة تسويق الرعب هذه على ألسنة القادة الأميركيين، خصوصا الرئيس الأميركي جورج بوش.

فمن الملاحظ لمن يتابعون خطابات بوش ونشاطاته أن هجمات 11 سبتمبر أصبحت أداة سياسية مفيدة له، وأنه واع لهذه الفائدة. فقد أغلقت تلك الهجمات ملف انتخاب الرئيس بوش وفوزه على خصمه "آل غور"، وهو فوز كانت تحيط به شكوك قانونية واعتراضات سياسية عديدة. كما منحته الهجمات رسالة وفكرة في سياساته الخارجية، وهو الذي كان يعتبره كثيرون عديم الخبرة بالعالم، ضعيف الاهتمام بالشؤون الخارجية. وأصبح موضوع الأمن –وإن شئت الخوف- أهم سبب في ارتفاع شعبية الرئيس بوش وحزبه الجمهوري. وقد تكرر ذكر هجمات 11 سبتمبر على لسان الرئيس بوش إلى حد جعل البعض يتهمونه بأنه يعاني من "حالة نفسية" خاصة.

مهما يكن فإن تلك الهجمات أصبحت مصدر شرعية بوش، بل هي التي "جعلت منه رئيسا" حسب تعبير البروفسور كريستوفر أرترتون عميد كلية التسيير السياسي بجامعة جورج واشنطن.

لكن الرئيس بوش ليس الوحيد الذي استفاد سياسيا من هجمات 11 سبتمبر، بل إن العديد من قادة الدول العربية والإسلامية الذين يعانون من انعدام الشرعية وعدم الفاعلية حاولوا الاستفادة من الهجمات بشكل ديماغوجي قصير النظر.

  • فمنهم من حاول الاستفادة منها من خلال إلصاق تهمة الإرهاب بخصومه السياسيين، وأغلبهم من الحركات السياسية السلمية رغم خلفيتهم الإسلامية.
  • ومنهم من حاولها من خلال استجداء حظ من المال الأميركي المخصص لمحاربة القاعدة، بعد أن نهب ثروات بلده وتركها أثرا بعد عين.
  • ومنهم من حاولها من خلال طلب الرضى الأميركي بعد أن حل عليه سخط أميركا في سالف الزمان، يوم كان يعد نفسه من أنصار الحرية والتحرر.

وإذا كان الرئيس بوش متهما من خصومه السياسيين بـ"تسويق الرعب" من أجل تحقيق مكاسب سياسية داخلية، فإن العديد من قادة الدول العربية والإسلامية يبالغون في تصوير "الخطر الإرهابي الداهم"، بل ويفتعلونه افتعالا، أملا في تحقيق مكاسب سياسية خارجية، إذ أنهم يستمدون شرعيتهم من الخارج أكثر مما يستمدونها من الداخل.

لكن هذه السياسة الانتهازية توشك أن تضر بمن اختطوها طريقا لدعم بقائهم، فافتعال معارك مع القوى السياسية المعارضة، وإلصاق تهمة الإرهاب بها بدون حق، قد تؤجج الوضع الداخلي بشكل ينسف الاستقرار الذي يطمح إليه القادة العرب، وما قصة المحاولة الانقلابية في موريتانيا منا ببعيد.

كما أن الأميركيين سيدركون في النهاية أن الأمر لا يعدو خدعة لتصفية حسابات سياسية داخلية، وأن لا شأن له بتأمين أرواح مواطنيهم.

والطريف أن ما يُتهم به الرئيس بوش داخليا من تسويق الرعب تدعيما لموقعه السياسي، هو نفسه ما يمارسه بعض قادة الدول العربية ضد الرئيس بوش وفريقه الحاكم: فبعض القادة العرب "يُرهبون" القادة الأميركيين أملا في قبولهم شركاء في الحرب على الإرهاب.


أتاحت الهجمات للولايات المتحدة إمكانية الخروج على الإجماع الدولي دون خوف، وانتهاك سيادة الأمم الأخرى دون عتاب
عقلية الحرب الباردة وميراثها

ومما سيضر بالموقف الأميركي مستقبلا أن القيادة الأميركية لم تستطع بعدُ التخلص من فكر الحرب الباردة. وعقلية الحرب الباردة تعتبر هجمات 11 سبتمبر فرصة لتوطيد النفوذ السياسي والاستراتيجي عبر العالم، والاستحواذ على منابع الطاقة العالمية. ولعل هذا بالضبط هو ما قصده الرئيس بوش حينما قال عن الهجمات "إنها فرصة"!!

ولا ريب أن الهجمات أتاحت فرصا للولايات المتحدة، منها إمكانية الخروج على الإجماع الدولي دون خوف، وانتهاك سيادة الأمم الأخرى دون عتاب. كما أن أوقات الأزمات عادة ما تدفع الشعب الأميركي إلى نوع من الجبرية الدينية، والانسياق الأعمى لما يقوله قادته، وتلك فرصة أخرى من فرص ما بعد 11 سبتمبر لا تقدر بثمن، إذا نظرنا إليها بمنطق الديماغوجية السياسية.

لكن هذه الفرص خداعة، لأنها تفتح الباب أمام مآزق مستقبلية يسهل الدخول إليها ويعسر الخروج منها. فإطلاق اليد دون رقيب على المستوى الدولي دفع الحلفاء التقليديين إلى إبعاد أنفسهم عن الولايات المتحدة خوفا من دفع ثمن سياساتها، وأدى إلى بذر بذرة نظام دولي معاد لأميركا بشكل عام. وقد رأينا معالم ذلك في الموقف الفرنسي والألماني خلال التحضير الأميركي لغزو العراق.

كما أن الانسياق الشعبي الناتج عن الرعب ليس موقفا يُعتد به على المدى البعيد. فماذا لو تطورت المقاومة العراقية إلى عمليات فدائية يسقط فيها عشرات الجنود الأميركيين في الهجوم الواحد؟

من الواضح أن هذا السيناريو وارد من الناحية العملية، وأنه سيُفقد القادة الأميركيين ثقة شعبهم، ولا يترك أمامهم خيارا سوى الانسحاب الذليل بعد ارتكاب مذابح في العراق، على نحو ما تفعل أي قوة استعمارية أزِف رحيلها.


بعض أوساط الفكر السياسي العربي أخذتها الهجمات على حين غِرة، ثم انطلقت الآلة الإعلامية الجبارة في الغرب، فحشرتها في زاوية الدفاع وردود الأفعال غير المتزنة
الحاجة إلى الحقائق المجردة
ومن الأمور التي تحتاج وقفة خاصة في ذكرى هجمات 11 سبتمبر تخلفُ بعض أوساط الفكر السياسي العربي في تشخيص هذا الحدث والتعاطي معه، وهو يشكل مفصلا من مفاصل التاريخ المعاصر، ويلقي بظلاله على المنطقة العربية أكثر من أي منطقة أخرى في العالم. ولعل أبلغ الأمثلة على هذا التخلف استمرار التشكيك في الفاعل الذي يقف وراء الهجمات، في الوقت الذي يتفاخر فيه الفاعل بفعله على الملأ، و"الاعتراف سيد الأدلة" كما يقال.

وحينما يرد هذا التشكيك على شاشة أعظم القنوات العربية حرية ومصداقية، ويجد أمثال الصحفي الفرنسي تيري ميسون فيها منبرا لتسويق "خديعته المرعبة" حول موضوع بهذه الجدية والأهمية، فإن ذلك يثير الأسى والسخرية في آن واحد.

ومما يزيد اللبس أن ترد الاستفتاءات حول الموضوع غامضة لا يستطيع "سيبويه" التمييز فيها بين مدلول "لا" ومدلول "نعم". وأشهد أني لم أستطع التمييز، بين ما تعنيه "لا" وما تعنيه "نعم" في استفتاء قناة الجزيرة الأخير حول من يقف خلف الهجمات، هل هي القاعدة أم هم الأميركيون أنفسهم، رغم تدريسي للنحو العربي عشر سنين، وولعي بمدلولات الألفاظ ومشتقاتها.

إن الاعتبار بأحداث 11 سبتمبر –وهي أحداث جديرة بالاعتبار– يستلزم التخلص من الخرافة السياسية التي تقول إن الحكومة الأميركية هي التي دبرت هجمات 11 سبتمبر، ويفرض التعلق بالحقائق المجردة، سواء أثارت تلك الحقائق الألم والإحراج، أو أثارت العز والافتخار. فالحقائق المجردة هي وحدها التي تعين على فهم مدلول هجمات 11 سبتمبر، وتمكِّن من استخلاص العبرة والخبرة منها للمستقبل الآتي.

وإذا كانت الحكومات المستبدة معذورة فيما تسعى إليه من تدليس وتلبيس حول هجمات 11 سبتمبر، حفاظا على بقائها، فهل يُعذر قادة الفكر والرأي وحملة الهم والقلم في قبول التدليس والتلبيس أو تسويقهما، وهم الذين يُؤمَّل فيهم حمل راية التنوير والتغيير!؟

من حق الصحفي الفرنسي تيري ميسون أن يعبر عن رؤيته، سواء كان مقتنعا بها أم لا، أما بث الانطباع بأن أربعة أخماس العرب يشاطرونه رؤيته الخرافية، فذلك أمر مثير للاستغراب حقا.

من الواضح أن بعض أوساط الفكر السياسي العربي أخذتها الهجمات على حين غِرة، ثم انطلقت الآلة الإعلامية الجبارة في الغرب، فحشرتها في زاوية الدفاع وردود الأفعال، ومن طبيعة ردة الفعل أنها غير عقلانية ولا متزنة.
فهل نحن بحاجة إلى العقل والاتزان في أي وقت مثل حاجتنا إليهما اليوم؟!
ــــــــــــــــــ
* كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة