كيف عولم اليمين المحافظ أزمة أميركا؟   
الأربعاء 1427/8/27 هـ - الموافق 20/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:24 (مكة المكرمة)، 8:24 (غرينتش)


وائل مرزا

- ضياع البوصلة
- اللحظة المناسبة
الصحوة من الصدمة
- كبسولة الحادي عشر
- عولمة بعولمة

هل لاتزال أميركا ذلك البلد الذي عرفته البشرية قبل أحداث سبتمبر/ أيلول؟ وهل لا يزال العالم نفسه كما كان على حاله قبل ذلك التاريخ؟

لا، وبكل تأكيد، فخصوصية الواقعة تتمثل في أنها خلقت مناخا عالميا مختلفا أصبح يؤثر في كل تغيير آخر يفترض أن يكون طبيعيا في الحياة الإنسانية. بل إننا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن الإدارة الأميركية ومن ورائها التيار اليميني المتطرف في الولايات المتحدة سعت ولا تزال تسعى لأن تجعل هذا المناخ الإطار الذي يجب أن يسير تاريخ البشرية داخل حدوده.

وهذا هو التحدي الكبير الذي لا يواجهه العرب والمسلمون فقط، وإنما يواجهه العالم بأسره، بما في ذلك أميركا شعبا ومنظومة حياة.

"
أخطر ما فاتت رؤيته على المواطن الأميركي وعلى كثيرين غيره تمثل في التخطيط الإستراتيجي الحساس الذي كان يقوم به تيار اشتهر فيما بعد بالتيار اليميني المحافظ
"
ضياع البوصلة

ظهرت ملامح الأزمة في أميركا منذ عقود وتحدث عنها مفكرون من أمثال نعوم تشومسكي وإدوارد سعيد وهوارد زن وغيرهم، حين أشار هؤلاء إلى المفاصل الضعيفة في المنظومة السياسية التي تسمح لمجموعات مركزية بالتحكم في صناعة القرار من خلال قوة المال بالذات.

غير أن الرخاء النسبي الذي كانت تشهده الولايات المتحدة في تلك الفترة جعل رؤية هؤلاء صرخة في واد، ثم إن المواطن الأميركي، الذي ينظر إلى عالمه ويحكم عليه من خلال بضعة مؤشرات بسيطة لم يمتلك القدرة على التقاط الرسائل المعقدة التي تكمن في مثل تلك الرؤى المتقدمة.

لكن أخطر ما فاتت رؤيته على ذلك المواطن وعلى كثيرين غيره تمثل في التخطيط الإستراتيجي الحساس الذي كان يقوم به تيار اشتهر فيما بعد بالتيار اليميني المحافظ.

كانت نهاية التسعينيات لحظة نادرة في رحلة الحياة الأميركية، لحظة تقاربت فيها كثير من قيم اليمين واليسار الأساسية في أميركا، واختفت فيها إلى درجة معينة الفوارق الرئيسة بين برامج الحزبين الديمقراطي والجمهوري فيما يتعلق بجملة من القضايا الأساسية في الواقع الأميركي، حتى بات بعض الإعلاميين والمفكرين يتندرون قائلين بأن لدينا حزبا واحدا باسمين.

فقد تبنى الحزب الديمقراطي بقيادة كلينتون مجموعة من المبادئ التي تنسب إلى الجمهوريين مثل عمليات الخصخصة والسماح بالاندماج الاحتكاري الضخم وتخفيف دور الحكومة، بل وإزالة بعض برامج الضمانات الاجتماعية التي اشتهر بها الديمقراطيون.

في المقابل كان بعض القيادات الجمهورية تتحدث عن ضرورة إعادة النظر في موقف الجمهوريين السلبي تاريخيا من الضمانات الاجتماعية وعن ضرورة إخراج ما يسمى بنموذج (الرأسمالي الرحيم اجتماعيا) إلى الوجود.

أما في أوساط المجتمع الأميركي فقد كانت تلك الفترة من القرن الماضي ذروة تشكيل عقد اجتماعي جديد غير مكتوب، من تقاليده زيادة احترام الأقليات والاعتراف بدورها في البلاد، بل والقيام بمراجعات تاريخية أكاديمية وإعلامية وحقوقية لما واجهته تلك الأقليات في الماضي من مظالم واضطهاد.

كما عم في أميركا بشكل كاسح مصطلح (Politically Correct/صائب سياسيا)، وقد شاع استخدام هذا المصطلح في كل مجال لتأكيد وجود تقاليد وحدود وأعراف تحكم بشكل صارم كيفية تناول الحساسيات الإثنية والعرقية والدينية وتلك التي تتعلق بجنس الإنسان (Gender)، وتحدد أطر التعامل مع تلك الحساسيات في الخطاب السياسي والإعلامي والأكاديمي والفني والأدبي والثقافي العام داخل أميركا.

في خضم ذلك الحراك، كانت مجموعات اليمين المتطرف تنظر إلى ما يجري على أنه يمثل ضياع بوصلة أميركا الحقيقية، وكانت تشعر بشكل متزايد بأن البلاد فقدت رؤية إستراتيجية مركزية تعيد لها هويتها الأصيلة داخليا، وموقعها المركزي المهيمن في الساحة العالمية.

كانت هذه المجموعات تعتبر ما يجري في أميركا عملية تفكيك للبنى الأساسية للمنظومة الفلسفية التي كانت السبب وراء "عظمة" الولايات المتحدة محليا وفي الساحة الدولية، وكانت تنظر إلى التطورات التي تحدثنا عنها على أنها الدليل الأكيد على دخول البلاد مرحلة هلهلة واهتراء فوضوي عشوائي لا يبدو له ضابط.

تداخلت في المسألة بطبيعة الحال المصالح الشخصية ببعض القناعات الأيديولوجية المغرقة في لاهوتيتها، وكانت الخلاصة تتمثل لديهم في إعادة رسم تلك الرؤية الإستراتيجية المركزية التي تعيد أميركا إلى ما كانت عليه.

"
المحافظون الجدد أفلحوا، حتى الآن على الأقل، في أن يحشروا التاريخ البشري بأسره في كبسولة اسمها الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وتجري محاولة ربط غير مسبوقة لفعاليات الحياة الإنسانية بجانب من جوانب ذلك الحدث بأي شكل ممكن
"
اللحظة المناسبة

بدأت المجموعات المذكورة أولا رحلة بحث طويلة في أدبيات بعض المفكرين والفلاسفة المحافظين الأميركان التاريخيين مثل ريتشارد ويفر وفرانك ميير وفريدريك هايك ورسل كيرك وجيمس بيرنهام.

وشيئا فشيئا، ومن خلال قراءة انتقائية لأدبيات المحافظين التاريخية، تشكلت لدى مجموعات المحافظين الجدد تلك الرؤية المركزية الإستراتيجية التي يجب أن تعيد أميركا إلى ما يرون أنه المسار الصحيح.

وقد ظهرت الرؤية في وثائق عديدة كان أشهرها وأكثرها شمولا "مشروع القرن الأميركي الجديد" الذي صدر في يونيو/ حزيران 1997 وتحته توقيع شخصيات معبرة منها للمفارقة ديك تشيني ودونالد رمسفيلد وبول وولفويتز وزلماي خليل زاده.

رغم هذا، بقي المحافظون الجدد في انتظار لحظة تاريخية تسمح لهم بتنزيل رؤيتهم تلك على أرض الواقع، وكانت تلك اللحظة بطبيعة الحال لحظة انهيار برجي مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر/أيلول 2001.

لن ندخل هنا في جدل حول سؤال (من كان وراء ذلك الحدث المفصلي)، لأن هذا السؤال سيبقى مطروحا لعقود، لكن ما يهم هو ما ترتب عليه أولا، ثم موقفنا كعرب ومسلمين من كل ما جرى بعده، والمقصود هنا ليس الموقف الشعوري البحت، وإنما الموقف العملي الفاعل.

أما ما ترتب على أحداث سبتمبر/أيلول فإنه معروف على مستوى الوقائع والتفاصيل، غير أن ما يهمنا هو أن المحافظين الجدد أفلحوا، حتى الآن على الأقل، في أن يحشروا التاريخ البشري بأسره في كبسولة اسمها 11 سبتمبر/ أيلول.

وتجري محاولة ربط غير مسبوقة لفعاليات الحياة الإنسانية بجانب من جوانب ذلك الحدث بأي شكل ممكن.

ورغم أن هذا لم يحصل في تاريخ البشرية من قبل، فإن أميركا انساقت، ومعها العالم بأسره، في ذلك المسار.

حصل هذا بداية بشعارات الوحدة الوطنية داخل الولايات المتحدة، وبشعارات التعاطف والإنسانية في بقية أرجاء العالم، لكن ممارسات الإدارة الأميركية التي خرجت من قمقم تلك الرؤية الإستراتيجية المركزية المتطرفة لما يجب أن تكون عليه أميركا داخليا وخارجيا تجاوزت بسرعة كل الأعراف والقوانين والشرائع الدولية وكل مقتضيات العقل والمنطق.

الصحوة من الصدمة
كان أول من شعر بلسعة رد الفعل العرب والمسلمون، فتشكل تدريجيا الرأي العام العربي والإسلامي السائد راهنا، ثم أدرك العالم خارج أميركا أبعاد ما يجري على المستوى الإستراتيجي، فتشكل ما يمكن القول إنه موقف دولي يمتزج فيه الحذر بالمجاراة والترقب.

الحذر من باب إدراك الخطورة الحقيقية للتوجهات الإستراتيجية للإدارة الأميركية، والمجاراة من باب إدراك حساسية مواجهة الوحش الهائج والقوي في الوقت نفسه، والترقب من باب انتظار المتغيرات التي يمكن أن تسمح بمزيد من المبادرة لتغيير هذا الواقع الصعب.

أما الداخل الأميركي فرغم وضعه المعقد ثقافيا واجتماعيا وأمنيا، بدأ يدرك أن الإدارة ومن ورائها مؤسسات اليمين المحافظ باتت تهدم تدريجيا كل عناصر ذلك العقد الاجتماعي الذي تحدثنا عنه، وأنها صارت تمارس عملية خرق منظمة لكل الأعراف والقواعد والقوانين التي ترى النخبة المثقفة بوعيها، وغالبية الشعب في أعماقه، أنها تشكل الرصيد المعرفي والفلسفي الذي يحفظ تماسك أميركا، خاصة في ظل التغييرات الديمغرافية الهائلة التي حصلت فيها، وما نتج وينتج عنها من تغيير ثقافي واجتماعي لا تنفع في التعامل معه أسس ومبادئ نظرية وفلسفية مستوردة انتقائيا من أحشاء بعض كتب التاريخ.

والحقيقة أن من يزور أميركا بعين المتابعة والتحليل في الآونة الأخيرة يمكن له أن يرى ما ليس له سوابق في إطار عمليات الهدم والاختراق التي نتحدث عنها.

من هنا، بدأت رحلة المراجعات داخل أميركا ثقافيا وإعلاميا وحقوقيا على استحياء بعد الأشهر الأولى من احتلال العراق، ثم تصاعدت ولا تزال بشكل منتظم يوجب الانتباه والدراسة، بغرض استصحاب الظاهرة في تشكيل الموقف العربي والإسلامي المطلوب.

"
فريق المحافظين الجدد وجد أن كبسولة الحادي عشر من سبتمبر هي الأسلوب الأمثل كي تصبح هيكلا يسير تاريخ البشرية داخل إطاره، ويجري فيه تدريجيا ترسيخ أركان الرؤية المركزية الإستراتيجية اليمينية على أرض الواقع داخل أميركا وفي أرجاء العالم بأسره
"
كبسولة الحادي عشر
في تقديم أحد تلك الكتب قال ناشر الكتاب "لا يشك أحد في أن الجمهوريين أنذال كاذبون فاسدون وغير مؤهلين للحكم، لكنهم دون شك يعرفون كيف يصلون إلى الناخب".

والحقيقة أن هذه الجملة تختصر جوهر التحدي الذي تواجهه أميركا، ويواجهه معها العالم بأسره شاء أو أبى.

ففي الأشهر الأخيرة، وفي جميع استطلاعات الرأي، تأخذ الإدارة والرئيس والحزب الجمهوري ما يسمى بعلامة رسوب (أقل من 50% وأحيانا أقل بكثير) عندما يسأل المواطن الأميركي عن رأيه في أداء الجهات السابقة فيما يتعلق بجميع الشؤون التي تهمه من الاقتصاد للتعليم للصحة لغير ذلك من القضايا.

ولكن تلك الجهات تأخذ علامة نجاح في شأن واحد ووحيد فقط هو الأمن القومي.

المفارقة هنا طبعا هي أن غالبية الأميركان يبدون عدم رضاهم عندما يسألون بشكل محدد عن أداء الإدارة في العراق مثلا، أو عن أحداث بعينها مثل فضيحة سجن أبو غريب!

لكن فهم تلك المفارقة يصبح ممكنا حين نتعرف أكثر على جوانب شخصية الفرد الأميركي، فهو يعلن رضاه بنسب تقترب من 60% عن أداء الرئيس وإدارته والحزب الجمهوري فيما يتعلق بالأمن القومي لأنه يشعر بأن هذه الجهات صارمة وقوية بشكل عام وضبابي.

ربما يصعب نقل المعنى دقيقا إلى اللغة العربية، لكن الإجابة التي تسمعها بشكل متكرر عندما تسأل كثيرا من الأميركان عن رأيهم في الجهات المذكورة أعلاه في إطار موضوع الأمن القومي هي التالية (they’re tough guys).

نحن هنا إذن بإزاء ظاهرة نفسية واجتماعية تنجح فيها شخصية "الكاوبوي" في فرض نفسها واستعادة أمجادها والإفادة من رصيدها الكامن في أعماق الأميركي خلال تاريخه القصير.

لهذا يؤكد جميع الإستراتيجيين أن الإدارة الأميركية ستظل تفعل المستحيل لكي يكون الأمن القومي المحور والموضوع ليس فقط للانتخابات النصفية القادمة في نوفمبر/ تشرين الثاني، وإنما الانتخابات الرئاسية بعد سنتين وكل انتخابات تليها!

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن فريق المحافظين الجدد وجد كما ذكرنا أن استخدام كبسولة الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول هي الأسلوب الأمثل لكي تصبح هيكلا يسير تاريخ البشرية داخل إطاره.

وبشكل يجري فيه تدريجيا ترسيخ أركان الرؤية المركزية الإستراتيجية اليمينية على أرض الواقع داخل أميركا وفي أرجاء العالم بأسره.

"
اليمين الأميركي عولم أزمة أميركا الحضارية، ولا يمكن مواجهة هذا التحدي إلا من خلال عولمة حضارية إنسانية لا يستطيع العرب والمسلمون إلا أن يكونوا في قلبها الفاعل على جميع المستويات
"
عولمة بعولمة

ولكن هل معنى هذا أن ذلك التصور صار بالضرورة قدرا لا يمكن للبشرية الفكاك منه؟ إطلاقا، بل وربما على العكس من ذلك، لأن التصور يحمل في أحشائه بذور دماره على المدى البعيد إذا استصحبنا في قراءتنا الإستراتيجية سنن وقوانين الاجتماع البشري على هذه الأرض.

لكن التحدي الذي يشكله هؤلاء في وجه البشرية جمعاء، بمن فيها العرب والمسلمون والشعب الأميركي نفسه، يبقى دون شك واحدا من أكبر التحديات التي واجهتها الإنسانية في تاريخها الطويل. والتعامل مع هذا التحدي المبني على التخطيط (وليس المؤامرة) يحتاج إلى تخطيط إستراتيجي مقابل يتجاوز الدائرة العربية والإسلامية، ويتجاوز كل ما يجري الحديث عنه من وسائل وأساليب تقليدية.

لا يمكن هنا بأي حال إغفال ضرورة حصول واستمرار المراجعات الكبرى لجميع مستويات وأنواع الخطاب الثقافي والسياسي والإعلامي السائدة داخليا في العالم العربي والإسلامي، لأن هذا العامل يعتبر شرطا لازما لا يمكن دون تحقيقه التقدم خطوة واحدة في مواجهة التحدي المذكور.

غير أن المطلوب أيضا هو بناء تحالفات حضارية كبرى لا تقف عند بعض التحالفات السياسية التي تهدف إلى تحقيق توازنات معينة آنية وعرضة للتغيير السريع مع أي تغيير في الظروف والمعطيات.

لقد عولم اليمين الأميركي أزمة أميركا الحضارية، ولا يمكن مواجهة هذا التحدي إلا من خلال عولمة حضارية إنسانية لا يستطيع العرب والمسلمون إلا أن يكونوا في قلبها الفاعل على جميع المستويات.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة