المواقف الدولية المستجدة خلال الحرب   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: منير شفيق*

كثيرون رفضوا أن يروا تناقضا عميقاً أو أزمة حادة في علاقات أميركا بفرنسا وألمانيا وروسيا والصين وذلك بالرغم من أن كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة وصف الأزمة في زيارته لبروكسيل في 3/4/2003 بالعميقة والشديدة فهؤلاء يصرون على أن الخلافات التي شهدها مجلس الأمن شكلية أو ثانوية ومن ثم لا جديد فيها وسيبقى طابعها الغالب ضمن إطار التحالف الغربي كما كان من قبل وثمة بعض آخر أعاد تلك الأزمة إلى أسباب تتعلق بتطلع فرنسا لإثبات وجودها ( التهمة الأميركية المبتذلة) مع الاستهزاء بقدرتها بسبب عدم التكافؤ بينها وبين أميركا ومن ثم فإن الخلافات التي برزت مؤخرا مجرد فقاعات سرعان ما تتلاشى مع انطلاق أول صاروخ باتجاه بغداد.

هؤلاء وأولاء فهموا الانعطافة التي حدثت في الموقف الفرنسي والروسي والألماني في أوائل الأسبوع الأول من شهر نيسان/ أبريل الجاري أو مع نهايات الأسبوع الثاني على الحرب بأنها تأكيد لرأيهم الذي اعتبر ما حدث من تباعد في المواقف مع الموقف الأميركي البريطاني ما هو إلا سحابة صيف أو خلاف شكلي أو فقاعة.


التحرك بما يشبه المحور لا تقبل به أميركا التي تريد أن تستفرد بكل دولة من دول العالم على حدة
عندما أكدت كل من فرنسا وألمانيا وروسيا أنها تريد نهاية سريعة للحرب في مصلحة أميركا وأنها لا تقف في الحرب بعد أن اندلعت ضد أميركا، أو حين قال رؤساء أو وزراء خارجية روسيا وفرنسا وألمانيا أنهم "لا يسمحون بهزيمة أميركا أو بخروجها مأزومة من الحرب" فسر أولئك الكثيرون الأمر بأنه عودة صاغرة إلى الحظيرة الأميركية وهذا يعني برأيهم أن التأزم السابق في العلاقات لم ينبع من أسباب حقيقية وجوهرية استدعته، فاستجاب استجابة مدروسة ومسؤولة ولم يكن منها مفر ومن ثم فإن دخول أميركا في الحرب تضمن في ما تضمن تحدياً لفرنسا وألمانيا وروسيا والصين حتى قبل أن يكون تحديا للعراق أو العرب والمسلمين أو الرأي العام العالمي، ومع ذلك قالوا لا بد له من أن يجب ما قبله فوراً لتعود المياه إلى مجاريها تأكيداً على أن ما جرى قبل الحرب مجرد خلال شكلي لا أكثر ولا أقل.

وجهة النظر الأخرى وعساها الأكثر انطباقاً مع المواقع ترى أن اختلاف المواقف حول الحرب قبل اندلاعها نبع من أسباب قوية داعية له عبرت عن نفسها من خلال المسألة العراقية ولم تزُل مع اندلاع الحرب، فإشكالية الحرب (العدوان) على العراق لم تكن القضية بالرغم من أهميتها بحد ذاتها سواء أكان من جانب أميركا أم من جانب فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، ومن ثم فإن اندلاع الحرب يعزز أسباب الخلاف ولا يلغيها بل سيفاقمها بعد انتهاء الحرب ولن تعود العلاقات إلى سابق عهدها إلا بحدوث متغيرات تمس أسباب الخلاف.


يجب ألا يفهم تجنب الوصول إلى مواجهة في الحرب حتى ولو سياسية بأنه يعني الاتفاق والتوافق وعودة المياه إلى مجاريها فقد يكون الآتي أعظم
ولهذا فإن قراءة التغير الذي حدث في مواقف فرنسا على الخصوص
ومثلها روسيا وألمانيا كما دلل اللقاء الثلاثي لوزراء الخارجية في باريس في 4/4/2003 أي قراءة عبارة "لا نسمح بهزيمة أميركا أو بخروجها من الحرب مأزومة أو عدم الوقوف ضدها في الحرب" لا يعني تأييدا لها في حربها ولا تخليا عن المعارضة السابقة للحرب، وإنما يدل على عدم الرغبة في تصعيد التناقضات الجادة والخطرة، فتنتقل في حالة الحرب إلى مستوى الوقوف في الخندق المقابل فلا فرنسا أو روسيا أو ألمانيا أو الصين تريد أن تدفع بتناقضاتها مع أميركا بالرغم من الإدارة الحالية إلى مستوى القطيعة والحرب سواء أكانت الحرب الاقتصادية أم العسكرية أم العودة إلى نوع من الحرب الباردة، ولهذا يجب ألا يفهم تجنب الوصول إلى مواجهة في الحرب حتى ولو سياسية بأنه يعني الاتفاق والتوافق وعودة المياه إلى مجاريها فقد يكون الآتي اعظم.

النقطة الثانية في قراءة هذا المتغير الذي فرضته الحرب والتي تعزز الملحوظة السابقة أعلاه هي التأكيد على العودة الفورية إلى مجلس الأمن وذلك من أجل إيجاد مخرج أو من أجل الإشراف على عراق ما بعد الحرب وهو موقف لا يختلف ولا قيد أنملة عن الموقف السابق قبل الحرب، بل هو في مرحلة ما بعد الحرب بالضرورة أشد تعبيرا عن التناقض مع أميركا، لأن هذه الأخيرة لم تدخل الحرب أو تخاطر بما خاطرت لكي تأتي فرنسا وألمانيا ( أوروبا عموماً ) وروسيا والصين وآخرين لتشركهم في غنيمتها هذا إذا لم تستبعد حتى بريطانيا عن المشاركة فيها بعد أن يجد الجد ويأتي أوان الحصاد.


لا تستطيع فرنسا أو ألمانيا أو روسيا أو الصين أو حتى بريطانيا بالرغم من تهالكها على التحالف مع أميركا كما والأغلبية العظمى من دول العالم.. أن تتحول إلى توابع تؤمر فتطيع
ثم هنالك ثلاثة أبعاد يتضمنها الموقف الأخير الذي هو في نهاية المطاف إن لم يكن من الآن استمرار وتصعيد لمواقف ما قبل الحرب، ولكن قبل تعدادها، يجب أن نتذكر بداية أو مرة أخرى، أن الحرص على العراق ونظامه لم يكن لهما أدنى مكان في ما نشب من خلافات حول الحرب على العراق وإنما كانت إشكالات في ما بين الدول الكبرى نفسها.

  • البعد الأول يتمثل في تزامن المواقف الفرنسية المستجدة في أثناء الحرب مع تقارب فرنسي بريطاني عبرت عنه المكالمة الهاتفية بين توني بلير وجاك شيراك وقد قيل إنها كانت ودية إذ تقدم كل طرف منها خطوة نحو الآخر ( خطوة بلير أكبر ) من خلال الالتقاء على العودة إلى مجلس الأمن بعد انتهاء الحرب وذلك في ظل تنامي خلافات بريطانية أميركية حول دور مجلس الأمن وخريطة الطريق وما تحضر له الإدارة الأميركية والدول العبرية منن فتح لجبهة جديدة ضد سوريا وإيران ودول عربية أخرى في المنطقة بعد الانتهاء من الحرب، الأمر الذي يشكل ( هذا الخلاف) إغراء شديداً لفرنسا وألمانيا لاستعادة بريطانيا ولو نسبيا لتعزيز الوحدة الأوروبية المتصدعة ولإبعادها خطوة ما قد تكون مهمة جداً عن الموقف الأميركي، ومن هنا تنكشف سذاجة القراءة التي هللت للتراجع الفرنسي.. وهكذا تكون التبسطية المخلة التي قرأت بعينيها تناقضات ما قبل الحرب قد جرت إلى تبسيطية أشد في قراءة مستجدات الحرب وما سيكون بعدها.
  • البعد الثاني يتجسد في محافظة الموقف الفرنسي على التنسيق الثلاثي الروسي الألماني الفرنسي السابق لاندلاع الحرب، طبعا روسيا وألمانيا ليستا أقل حرصاً عليه، وهذا بجوهره وفي حد ذاته خطير جدا من وجهة نظر أميركا حتى لو كان مؤيدا لها، فالتحرك بما يشبه المحور لا تقبل به أميركا التي تريد أن تستفرد بكل دولة من دول العالم على حدة، وبهذه القراءة توجه ضربة أخرى لتلك التبسطية في قراءة المتغيرات.
  • البعد الثالث يتجلى في التأكيد الروسي الفرنسي الألماني والمؤيد صينيا على العودة إلى مجلس الأمن بانسجام مع بريطانيا، الأمر الذي قد يعزز ما أخذ يظهر من عودة الخلافات داخل الإدارة الأميركية وفي الأوساط العليا الأميركية خارجها كما مع الجيش حول التحالف الأطلسي ومجلس الأمن.. فكولن باول عاد كما يبدو وبعد تراجع وضعه في خندق الصقور إلى أخذ موقف إيجابي في موضوع التحالف الأطلسي (أساسا مع فرنسا وألمانيا) أو في موضوع دور مجلس الأمن من دون تطابق مع موقف فرنسا وروسيا وألمانيا، فهذا البعد يتجه لمناصرة طرف ضد طرف داخل الإدارة الأميركية وخارجها في الولايات المتحدة ( يقال إن الجيش والسي أي أيه أقرب إلى مواقف كولن باول)، وبالطبع هذا لا يؤتي ثماره إن لم تتقدم الأطرف التي تريد الإفادة من التناقضات خطوة تبدو تراجعية.

وبالمناسبة عندما تقول فرنسا وروسيا إنهما لا تسمحان بهزيمة أميركا، فعلى المرء أن يتصور رد فعل صقور البيت الأبيض ووزارة الدفاع لا رد فعله هو فقط، صحيح أن هذه الجملة تبدو في أحد وجهيها مفيدة لأميركا ولكن وجهها الآخر يوصي بأن هزيمتها واردة بما يقتضي مد يد العون لإنقاذ الحليف من هزيمة محتملة وقد سمح بالتفكير فيها ما حدث من فشل لخطة الحرب السريعة الخاطئة النظيفة أمام مقاومة عراقية في البصرة والفاو وأم قصر والناصرية إلى جانب امتصاص بغداد لتكتيك الصدمة والترويع، ولهذا لا عجب حين لم يستقبل التصريح المذكور بالترحاب من قبل الإدارة الأميركية وإنما بتقطيب الحاجبين والآن نمر سريعا بالأسباب التي وراء تفجر الخلافات لأن إدراكها والتأكد من وجاهتها يحولان دون التسطيحية في التقليل من شأن الخلافات والتناقضات الأزمة في علاقات أميركا بفرنسا وألمانيا وروسيا والعين ودول أخرى كثيرة بل يسمحان بإمساك معيار دقيق لفهم مختلف المواقف وللتوقع المستقبلي.


اختلاف المواقف حول الحرب قبل اندلاعها نبع من أسباب قوية داعية له عبرت عن نفسها من خلال المسألة العراقية ولم تزل مع اندلاع الحرب، فإشكالية الحرب (العدوان) على العراق لم تكن القضية بالرغم من أهميتها بحد ذاتها سواء أكان من جانب أميركا أم من جانب فرنسا وألمانيا وروسيا والصين
المشكل يجب أن يرى في استراتيجية الفريق المتطرف المهمين في الإدارة الأميركية وهي استراتيجية تسعى من خلال القوة إلى أن تفرض على العالم نظام القطبية العسكرية الواحدية بمدى دكتاتورية عسكرية أميركية تؤدي بالضرورة إلى دكتاتورية سياسية واقتصادية وقد اتخذت من الحرب التي تستهدف احتلال العراق مدخلا إلى ذلك فضلا عن الهدف الإسرائيلي من ورائها.

ولهذا لا تستطيع فرنسا أو ألمانيا أو روسيا أو الصين أو حتى بريطانيا بالرغم من تهالكها على التحالف مع أميركا كما والأغلبية العظمى من دول العالم.. أن تتحول إلى توابع تؤمر فتطيع.. أي لن تستطيع والحالة هذه أن تحافظ على مكانتها الدولية ومصالحا العليا العالمية وأمنها القومي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي الداخلي.. ومن هنا نشأت الأزمة الحادة والجادة في معارضة الحرب على العراق وستتفاقم إلى ما هو أشد إذا لم يحدث تراجع أو تغيير في موقف الإدارة الأميركية بالعودة إلى معادلة العلاقات السابقة، كما تجلت في حلف الأطلسي وفي مجلس الأمن، والعلاقات الثنائية خلال مرحلة الحرب الباردة، وحتى مجيء إدارة جورج دبليو بوش، أما الخضوع الفرنسي والألماني والروسي والصيني فلا يعني غير الدمار متعدد الأوجه لكل منها، ولهذا لا مجال لخيار غير التدافع والتعارض وإذا اقتضى الأمر أكثر من ذلك.

_______________
*كتب ومفكر ومحلل فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة