تسييس قضية الحجاب   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ نبيل شبيب

لا خلاف بين العلماء المسلمين المعتبرين منذ نزول الوحي بآيات فرض الحجاب إلى اليوم على أنه فريضة إسلامية وجزء لا يتجزأ من منهج الإسلام في تكوين المجتمع بدءا بخلية الأسرة، ولا يشذ عن ذلك إلا من شذ عن المنهج العلمي في محاولات تأويل لا تستند إلى علم أصول الفقه وقواعده التشريعية، ولا إلى اللغة العربية ومدلول الكلمات، ولا إلى استيعاب أحداث السيرة الأولى التي كانت الصيغة التطبيقية المباشرة للأحكام، إنما هي محاولات سجلت الإخفاق على أصحابها، ولم تنشر من الأصداء بين الغالبية العظمى للمسلمين إلا في حدود الرفض والاستنكار.

عندما اختفى الحجاب نسبيا من "الشارع الإسلامي" قبل عقود لم يكن ذلك نتيجة "فهم جديد" للدين الإسلامي، إنما كان اختفاؤه مرافقا لتغييب النسبة العظمى من مظاهر تطبيق الإسلام في الحياة والحكم، عندما حاول فريق من أهل البلدان الإسلامية، من مسلمين وغير مسلمين، تصوير المخرج من التقهقر في الميادين العلمية والتقنية، وكأنه لا يتحقق دون الاستعاضة عن القيم الإنسانية التي رسخها الإسلام حضاريا وثقافيا على مستوى المسلمين وعلى المستوى البشري، بمنظومة مستوردة حافلة بالخلل، أوصلت الغرب في هذه الأثناء إلى أوباء اجتماعية خطيرة، وتركت بصماتها في تناقض كبير خطير، بين ما فتحه التقدم من آفاق وما آل إليه وضع الإنسان الفرد وكيان الأسرة المستهدف والعلاقات الاجتماعية المنهارة.


لم يكن اختفاء الحجاب في الماضي موقفا سياسيا من جانب المسلمات، بل كان خطوة سياسية من جانب من تخلى عن الإسلام منهجا للحياة والحكم، كما أن انتشاره من جديد لا يمثل موقفا سياسيا
إن تغييب "الحجاب" في بلادنا كان مواكبا لما كان يوصف بالغزو الغربي، فكريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا، فكان جزءا من حصيلة مسيرة انهزامية، بحجة الانفتاح على حضارة غربية انحرفت بها –للأسف- آلة المصالح الأنانية من وراء تطور مادي وتقني كبير، حتى فقد ضوابط القيم الضامنة للحقوق والحريات والعدالة.

بتعبير آخر.. لم يكن اختفاء الحجاب في الماضي موقفا سياسيا من جانب "المسلمات" في المجتمع الإسلامي، بل كان خطوة سياسية من جانب من تخلى عن الإسلام منهجا للحياة والحكم، كذلك فإن انتشاره من جديد لا يمثل موقفا سياسيا من جانب المسلمات، بل يمكن هنا تسجيل ظاهرتين بالغتي الأهمية:
1- كانت المحافظة على الحجاب في عقود التغريب والانحلال متركزة على نساء لم يخضن غمار الحياة السياسية أصلا، إلى درجة أسهمت في انتشار الاعتقاد بمصداقية مقولة إن الالتزام بالإسلام يحرم المرأة من التحرك في الميدان السياسي.
2- وكان انتشار الحجاب مجدّدا في الحقبة الراهنة، يتركز على فتيات مسلمات بأعداد كبيرة في المدارس والجامعات أولا، أي خارج نطاق المعترك السياسي، بل في حقبة تحريم ممارسة السياسة على الغالبية من الشعوب، وليس على الطلبة والطالبات فقط.

لئن كان انتشار الحجاب في المدارس والجامعات حديثا يعبر عن موقف ما، فهو التعبير المباشر عن حقيقة أن ارتفاع مستوى ثقافة المرأة المسلمة يقترن بازدياد استعدادها للالتزام بأحكام الإسلام، بما يحقق لها الخير في الدنيا والآخرة.

إن المتشددين من دعاة العلمانية في البلدان العربية والإسلامية في مطلع القرن الميلادي العشرين ومن خلفهم هم الذين جعلوا من الدعوة إلى نزع الحجاب "قضية سياسية" وأرادوها مدخلا إلى نشر الأفكار والسلوكيات المتغربة المستوردة، وجعلوا من عنوان "تحرير المرأة" شعارا يستغلونه في دعواتهم السياسية.

صحيح أن فريقا من الدعاة والحركيين الإسلاميين وفريقا من العلماء المسلمين عموما، سقط –إذا صح التعبير- في الفخ المتمثل في الدعوة إلى تحرير المرأة باسم علمانية غربية، فكان جوابهم معمما أكثر مما ينبغي، وظهروا في موضع رفض "تحرير" المرأة بحد ذاته، وليس رفض "تحريرها على الطريقة العلمانية الغربية" على وجه التخصيص!

ولكن هذا بالذات يستدعي أيضا القول إن من حمل هذه الأفكار لم يكن من وراء "تسييس" قضية الحجاب إذن، بل على النقيض من ذلك، كان هذا الفريق –وفق ذلك المنظور- يسهم في "إخراج المرأة وحجابها" من ساحة القضايا السياسية التي طرحت على شكل صراع بين التيارين الإسلامي والعلماني.

رغم ذلك ينبغي التساؤل ببساطة عما يجعل الحديث عن قضية الحجاب من زاوية سياسية أمرا مرفوضا! أو بتعبير آخر ينبغي السؤال: هل "تسييس" قضيّة الحجاب بحد ذاته جريمة؟.. هل هو خروج عن قواعد اللعبة السياسية؟.. هل هو خطأ يجب التخلص منه أو ينبغي اتخاذ موقف دفاعي بصدده، بعد أن أصبح الحديث عن الموضوع يدور وكأنّه –بالبداهة- تهمة حتمية موجهة إلى التيار الإسلامي على وجه التخصيص؟..

إن كل مجلة من المجلات، وفيلم من الأفلام، ومقال من المقالات، وجمعية من الجمعيات، وحزب من الأحزاب، وغير ذلك من ألوان الفعاليات، التي ظهرت في حقبة السيطرة العلمانية شبه المطلقة على صناعة القرار في البلدان الإسلامية، هو في واقعه جزء من "سياسة" اتبتعها الدولة، واتبعتها الاتجاهات المهيمنة على الدولة، وعلى وجه التحديد التيارات الأصولية العلمانية التي كان بأيديها وحدها صناعة القرار في مختلف الميادين، وفي غالبية بلاد المسلمين عبر عقود عديدة.. وهذه "السياسة" هي التي ركزت بالوسائل السياسية، وعبر القرار السياسي، على دعم كل عمل من شأنه الدفع في اتجاه التخلي عن الحجاب، وما يعنيه بالمنظور الإسلامي في حياة المسلمة وفي العلاقات الاجتماعية، ودفع المجتمع نساء ورجالا دفعا للتحرك في طريق الانحلال والإباحية، والجهر بالموبقات الأخلاقية على اختلاف أنواعها.


الذين مارسوا "تسييس قضية الحجاب" هم الذين حاربوه في الماضي بمختلف الوسائل المقبولة تجاوزا وغير المقبولة، المشروعة وفق قوانين مفروضة فرضا وغير المشروعة بمختلف المقاييس
هذا –وليس الإقبال على الحجاب- هو ما أصبح جزءا أساسيا من سياسة متبعة، ومخططات سياسية يجري تنفيذها، وإجراءات عملية بلغت –كما هو معروف- مستوى فرضها بملاحقة النفر "القليل نسبيا" من الدعاة والكتاب الذين واجهوا ذلك علنا، وبلغت تلك الملاحقة مستوى معروفا من قمع الحريات واضطهاد حقوق الإنسان، رجلا كان أم امرأة دون تمييز.

ألا يصح إذن القول الآن: لينظر من يشاء إلى مسألة الدعوة إلى الحجاب، باعتبارها جزءا من الدعوة إلى الإسلام الشامل المتكامل المتوازن كما أنزله الله تعالى، والرجوع إليه في الحياة والحكم، وليقل إنها بذلك جزء من دعوة سياسية. علام يعتبر ذلك إذا صدر عن الإسلاميين "اتهاما" يجب الدفاع عنه، وإذا صدر نقيضه عن سواهم، على صعيد القضية نفسها، أمرا طبيعيا لا غبار عليه وحقا سياسيا لا نقاش حوله؟.

إن الذين مارسوا "تسييس قضية الحجاب" هم الذين حاربوه في الماضي بمختلف الوسائل المقبولة تجاوزا وغير المقبولة، المشروعة وفق قوانين مفروضة فرضا وغير المشروعة بمختلف المقاييس، وإن الذين مارسوا "تسييس قضية الحجاب" حديثا، كما هو معروف عن تركيا وتونس وسواهما في البلدان العربية، والآن في فرنسا نفسها من بين الدول الغربية التي تزعم "تحرير المرأة" أكثر من سواها، هم أيضا أولئك الذين يجعلون من قضية الحجاب قضية سياسية، وهم يرفضون للمرأة المسلمة أن تتخذ قرارها بنفسها، وأن تجعل من التزام فريضة الحجاب وسيلة من وسائل تمكين نفسها من التحرك في المجتمع، تلميذة أو معلمة في مدرسة، وباحثة أو أديبة، وخريجة جامعية تمارس مهنة من المهن أو سياسية ناشطة. وجميع ذلك هو –كما يزعمون- في محور دعوات "تحرير المرأة"، فما أشد تناقضهم مع أنفسهم، وهم يرفضون للمرأة ذلك كله.. بذريعة حجابها؟..

أليس في ذلك ما يكشف مجددا عما سبق وثبت في الواقع العملي، من أن دعوات تحرير المرأة في البلدان العربية والإسلامية وفق ما نقل عن الغرب، لم يكن محورها الحقيقي هو العلم والعمل والوصول إلى مواقع توجيه المجتمع، بل هو امتهان المرأة نفسها، حتى أصبحت في الغرب -راضية أم كارهة- ونتيجة ما اقتنعت به من قيم صنعتها الحياة المادية، أو نتيجة اضطرارها للتحرك بموجب ما تفرضه الضغوط الاجتماعية القائمة على المصلحة المادية أولا.. أصبحت تشغل زهاء 90% في عالم الصناعة والتجارة الإباحية، ولكنها –بعد أكثر من 150 عاما مضت على دعوات "التحرير"- لم تصل ولا إلى زهاء 9% من مناصب الإدارة والتوجيه في المؤسسات الحزبية والسياسية والاقتصادية والمالية وغيرها!

إن جوهر كلمة الحرية لا ينفصل عن حرية الإرادة، وإن من أبسط الحقوق والحريات البشرية أن يكون الفرد، رجلا أم امرأة، قادرا على اختيار ما يريد من طعام ومشرب وملبس، وفق اقتناعاته الذاتية، بعيدا عما انتشر من أسباب الضغوط والإكراه والتزييف. وإذا كان لارتداء الحجاب مغزى سياسي، فهو أنه من صميم حقوق المرأة، ومن أشكال التعبير المباشرة عن حريتها، ومشكلة الذين يحاربونه أنهم وضعوا الحرب عليه في قالب سياسي، وأرادوا أن يوظفوا دعوتهم تلك لتكون سلاحا في أيديهم، فإذا بها تنقلب عليهم، فهم المطالَبون بمراجعة أنفسهم ومواقفهم، وبمواجهة حقائق التغيرات الاجتماعية التاريخية الجارية، التي ستصل إلى غايتها، بغض النظر عما يصنعون.

وفي فرنسا بالذات لا يمكن اعتبار حظر الحجاب في المدارس الرسمية مجرد إجراء قانوني، كما لا يمكن اعتباره أيضا خطوة سياسية تجاه "مجموعة معزولة" من المسلمين يعيشون في بلد غربي، بل يمكن القول إن هذه الخطوة تعطي مؤشرات لها دلالاتها العميقة المغزى، في مقدّمتها أن المطلوب في المرحلة القادمة، وفق منظور فريق لا بأس به من صانعي القرار في الغرب، هو عزل المسلمين في دوله بدلا من دمجهم، وهذا ما يعنيه التخيير ما بين الالتزام بدينهم والذوبان بدلا من الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها.

قد كان للاندماج وهو يخطو خطواته الأولى تأثير يخالف –على ما يبدو- ما كان ينتظره الدعاة إليه سابقا من الأصوليين العلمانيين، وعلى وجه التحديد أصبح تأثير الفرد المسلم داخل المجتمع الغربي فعالا على أكثر من صعيد، ومن ذلك ازدياد استعداد عامة الغربيين للتعرف على حقيقة الإسلام بعيدا عن الأحكام المسبقة والصور المشوهة التي صنعتها وسائل التربية والتعليم والإعلام في مرحلة سابقة، وهو ما أسهم في ارتفاع نسبة المدافعين عن القضايا الإسلامية الساخنة بالمقارنة مع ما كان عليه الوضع قبل جيل واحد.


يمثل "حظر الحجاب" في المدارس الرسمية، خطوة في اتجاه العودة بالأسرة المسلمة في أوروبا إلى حياة الجهل والعزلة كما كانت في المرحلة الأولى من انتشار المسلمين في القارة الأوروبية
ويضاف إلى ذلك في فرنسا –وبعض البلدان الأوروبية الأخرى- أن حملات التخويف الصادرة عن أقصى اليمين الفرنسي وأوساط أخرى من ارتفاع نسبة المسلمين، وارتفاع مستوى تأثيرهم الفكري والثقافي داخل أوروبا، قد وجدت على ما يبدو أصداءها المباشرة لدى أحزاب اليمين واليسار التقليدية.

ومن هنا يمكن أن يمثل "حظر الحجاب" في المدارس الرسمية، وبالتالي دفع عدد كبير من المسلمات المحجبات إلى التخلي عن حقوقهن في التعلم، خطوة في اتجاه العودة بالأسرة الإسلامية في أوروبا إلى حياة الجهل والعزلة كما كانت في المرحلة الأولى من انتشار المسلمين في القارة الأوروبية عقب الحرب العالمية الثانية، عندما كان حرص المسؤولين السياسيين والاقتصاديين كبيرا على جلب أعداد كبيرة من المسلمين للعمل، وبالتالي للإسهام في إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي، ولم يكن أحد يتخوف في تلك المرحلة من أن يصبح المسلمون جزءا من المجتمع الغربي نفسه، وأن يكون لهم قسط ما في صياغته المستقبلية.
ــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني مقيم بألمانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة