الأردن وتقرير فولكر   
الثلاثاء 1426/9/23 هـ - الموافق 25/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:13 (مكة المكرمة)، 10:13 (غرينتش)


توجان فيصل

ما ورد في "تقرير فولكر" قد يكون أحدث صدمة عند العديدين, ولكنه لم يصدمني شخصياً, لأنه صادف أنني من المطلعين على هذا وأكثر, وهو لم يصدم الحكومة الأردنية السابقة على الأقل لأنني وضعتها في صورته قبل نحو سنتين, بل وقدمت لرئيسها نسخة أصلية من ملف قضية تهريب غير تلك الواردة في التقرير, ضمن تجاوزات أخرى مما يمس هيبة الدولة بقدر ما يتكشف أن من بين أقطابها "مهربين".. مرفقة بمقترح يضمن أن لا تجد "الدولة" نفسها في هذا الوضع الحرج والدقيق عندما تبدأ هذه التجاوزات بالتكشف.

ولا أستطيع أن أقول إن كان الأمر قد صدم الملك حينها أو إن كان وصل إليه, فدولة الرئيس آثر الحل الدبلوماسي على السياسي, وبدأ يعرض علي -لحظتها دون أن يعطي نفسه فرصة لمشاورة الملك فيما اقترحته- صفقة "لطي صفحة الماضي"!! ولكن هذا الماضي ليس ملكنا وحدنا لنطويه, وها هي أشباح هذا الماضي عادت لتطارد من ظنوا أنهم "دفنوه معاً"!!

فالتقرير الذي كشف التهريب جاء من لجنة التحقيق التي شكلها مجلس الأمن للتدقيق في إدارة برنامج "النفط مقابل الغذاء", وأوكلت رئاستها للرئيس السابق للاحتياطي الاتحادي الأميركي بول فولكر.

"
أميركا حاولت أن تثني فولكر عن متابعة عمليات التهريب تلك ووضعت ما استطاعت من عراقيل أمامه, ولكن دون جدوى، ما يؤكد ارتداد السحر على الساحر حتى في داخل بيته
"
والأرجح أن أعضاء مجلس الأمن أرادوا الإيقاع بكوفي أنان أو بحلفاء العراق والمعارضين لغزوه تحت مزاعم أنهم استفادوا من صفقات البرنامج.

ولكن ما لم يخطر للمجلس على بال هو أن السيد فولكر سيبحث فيما هو أبعد من الصفقات المراقبة من الأمم المتحدة, ليكشف ما جرى تحت سمع وبصر أميركا وبريطانيا وفرنسا وبتواطؤ معها, وبالذات الأسطول الأميركي الذي كان قد توطن في الخليج العربي على حساب نفط العراق باسم "مراقبة تنفيذ" الحصار, فيما هو يعد لغزو العراق!!

والدليل هو أن أميركا حاولت أن تثني فولكر عن متابعة عمليات التهريب تلك زاعمة أنها لا تقع ضمن صلاحيات لجنته, ووضعت ما استطاعت من عراقيل أمامه ولكن دون جدوى، ما يؤكد ارتداد السحر على الساحر حتى في داخل بيته, ويدعو حملة مباخره لأن يتلمسوا رؤوسهم!!

وبداية, يجب التفريق بين ما فعله العراق وما فعله الآخرون هنا، فالعراق اضطر للجوء إلى التهريب لكسر الحصار غير المشروع. وكل المعنيين يعرفون أن ما سمي ببرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء ما كان يمكن أن يلبي جزءاً من حاجة العراق لهاتين الضرورتين, ناهيك عن بقية احتياجاته الإنسانية الأساسية.

وما كان يزعم أنه مردود النفط المبيع ضمن البرنامج كانت تقتطع منه مبالغ ضخمة باسم تعويضات المتضررين وكلفة برامج المراقبة والتفتيش. وكل هذه نفقات بولغ فيها بشكل رهيب, حسبما كشف تقرير دولي سابق!!

وما بقي كان يوضع في حساب دول غربية بدون فوائد, وبانتظار لجنة تسيطر عليها أميركا وبريطانيا لتقرر ما يمر وما لا يمر من مستوردات, بل وتحدد أسعاره!! والنتيجة أنه بالإضافة إلى كون ما يصل كان منقوص المكونات بحيث استحالت الاستفادة من الكثير منه كالأدوية والمعدات الطبية أو معدات صيانة المنشآت العامة, فإن السعر الحقيقي الذي كان يصل العراق عينا كبضاعة, كان لا يصل ثلث ثمن بيع النفط المعلن!!

والزعم بأن من احتكروا التهريب -وهو بالاتجاهين محتكر لفئة متنفذة من أقارب وشركاء رجال الحكومات المتورطة- كانوا يساعدون الشعب العراقي، زعم مردود.

فلو كان هذا هو الهدف لما تم شراء كل النفط المهرب أرضاً وبحراً بسعر سبعة دولارات فقط, بل لدفع للعراق سعر السوق المحدد من لجان الأمم المتحدة, أو على الأقل الـ21 دولاراً التي هي السعر التفضيلي الذي كان العراق يبيعنا به النصف الثاني من حاجتنا بعد أن يهبنا النصف الأول مجاناً!! وحتى سعر السوق كان يكفي محتكري التهريب لتحقيق ربح معقول بزيادة بضعة سنتات عمولة لكل برميل.

فإذا كانت أميركا وحلفاؤها يزعمون أن هذه التجارة التي خص بها العراق حلفاءه أو استثنى منها جزئياً أعداءه أثرت كل حلفاء العراق في العالم, أما كان يكفي مثلها لتلك الحلقة الضيقة من المهربين؟

"
أغلبية ساحقة من الوطنيين في العراق سيطالبون اليوم أو غداَ برد الثروة المنهوبة تحت الحصار بذريعة الحصار وبالذرائع التي تلت كإعادة الإعمار دون إعادة حتى الماء والكهرباء والوقود لأبناء هذا البلد النفطي الغني
"
ثم إن أي جرم له محدداته من خارج الفعل ذاته، فالتاجر أو الناقل الصغير الذي يهرب مادة استهلاكية ينتهي في الأغلب بتوفير تلك السلعة لصغار المستهلكين بسعر منافس, ما يعيد قيمة الجمارك إلى دورة الاقتصاد الوطني, وربما بقدر من العدالة التي غابت عن قوانين الضريبة غير العادلة, كتلك التي صاغتها ذات الحكومات المعنية بتقرير فولكر لصالحها هي وعلى حساب صغار المنتجين والمستهلكين وحتى صغار التجار, ما دفع إلى تنشيط عمليات التهريب الصغيرة تلك!!

ولكن النفط الذي هرب من العراق لم يوفر بسعر أقل لصغار المستهلكين, كما لم تدخل فروق أسعاره موازنة الأردن!! بل إن هذا التهريب قد يكون أحد الوسائل التي مهدت بها أميركا لاحتلال العراق, ما أدى إلى مضاعفة فاتورة النفط مراراً وتحقق فواتير أخرى عديدة على الشعب الأردني, لم يقبض هو بضاعتها!!

فالسؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تترك أميركا رجال حكومات في دولة مجاورة للعراق لها أهمية إستراتيجية خاصة من حيث علاقاتها التاريخية, السياسية والاقتصادية معه, يهربون النفط تحت رعاية أسطولها, في صفقات خاصة تعلم أين يذهب كل جزء من ريعها لآخر سنت, بما فيه ما يذهب للدولة التي تحاصرها أو حتى لنظام الحكم فيه كما زعمت هي؟

ولماذا بالذات تركت العراق يستصلح منصة تحميل النفط في "كور العمايا" المجاور للمنصة التي تحمّل النفط المصرح به من الأمم المتحدة, وتحت بصر أسطولها في الخليج ودونما حاجة إلى مراقبة الأقمار الصناعية التي ترصد ما يجري في كل إنش من المواقع الإستراتيجية في العراق؟

ولماذا فتحت هذه المنصة للتهريب بكثافة استحقت اسم "أكبر صفقة تهريب منفردة في تاريخ البرنامج" حسب تقرير فولكر، خلال الأشهر القليلة السابقة لغزوها للعراق, وكانت تعرف هي وحدها موقعه الوشيك؟

ماذا كانت تتوقع بالمقابل ممن تعمدت وضعهم هكذا تحت جناحها ورحمتها شخصياً, إذ سمحت لهم بالتهريب مجازفة بالتورط في المزيد من المؤامرات وخرق الشرعية الدولية والأكاذيب التي ستواجه بها داخلياً وعالمياً حين يتكشف الأمر لا محالة؟ المثل الأميركي يقول إنه "لا توجد وجبة مجانية"!

لسنا وحدنا من يملك العقل والمنطق الاستدلالي في العالم, وبين أكثر من خمسة ملايين أردني و20 مليون عراقي يوجد ملايين يملكونه.. وهم أيضاً -مقابل نفر في الحكومات المنصّبة من قبل الاحتلال في العراق والمستفيدة من صفقاته- توجد بينهم أغلبية ساحقة من الوطنيين في العراق الذين سيطالبون, اليوم أوغداَ, برد الثروة المنهوبة تحت الحصار وبذريعة الحصار وبالذرائع التي تلت كإعادة الإعمار دون إعادة حتى الماء والكهرباء والوقود لأبناء هذا البلد النفطي الغني!

وما لا نريده هو أن تأخذ المطالبة الشعبية المقموعة أشكالاً سلبية تؤثر في علاقة الشعبين الأردني والعراقي, وأيضاً على علاقة "الدولتين" الشقيقتين الأكثر ديمومة من أية حكومة عابرة تنصب دونما شرعية هنا أو هناك, ومن أية قوة محتلة وحتى من إمبراطوريات العالم التي مرت كلها علينا..

والتاريخ يشهد بهذا, ولكن التاريخ القريب يشهد أيضاً كيف انعكست أفعال حكوماتنا تلك في العراق حنقاً على "الدولة" الأردنية, حيث رفعت شعارات مسيئة للملك شخصياً, تجاوزها هو مبدياً تفهمه لدوافعها.

"
الحل الوحيد أن نبدأ نحن بفرز الطالح من الصالح بيننا, وتقديم فاسدينا إلى قضاء مدني عادل مستقل وجعلهم هم يسددون فواتيرهم المالية وغيرها, قبل أن نضطر لتسليمهم إلى غيرنا حيث لا ندري كم ومن سيجرون معهم
"
ولكن إساءات "حكومية" جديدة تكشفت الآن, ونحن نعرف هنا في الأردن كم بالغت الحكومات مؤخراً في الاختباء وراء مؤسسة العرش وحصانة الملك, مع ازدياد فداحة ما تتعدى عليه من حقوق لتحقيق مصالحها بحيث باتت هيبة الدولة تستدعي أن يرسم العرش خطوطه الفاصلة مع هذه الحكومات, والبدء من جديد مع حكومات وطنية مهيبة لم تتلوث بممارسات أصبحت على لسان العالم كله.. فالأردن "الدولة" ليس من هرّب ونهب, والأردن الوطن لن يكون وكراً للمهربين!!

أما الشعب الأردني فلم يتم -رغم حجم الفوضى في العراق- إيذاء أي مواطن أردني فيه ولو عمل مع شركات التحالف واكتفي برده إلى أهله، أي أن الشعب الأردني لم يحسب على حكوماته, وثبت أن وشائج الأخوة إلى حد الإيثار الذي أثار دهشة العالم ما زالت قائمة بين الشعبين الأردني والعراقي..

نرفض بيع المواقف ونؤثر عليه الجوع ونقتسم لقمة الجياع مع من باعوا من أجلنا القدر، وتلك قاعدة شعبية نادرة يمكن البناء عليها بأمتن من أي تحالفات أخرى عابرة تقفز إليها حكومات عابرة!!

والحل الوحيد هو أن نبدأ نحن بفرز الطالح من الصالح بيننا, وتقديم فاسدينا إلى قضاء مدني عادل مستقل وجعلهم هم يسددون فواتيرهم المالية وغيرها, قبل أن نضطر لتسليمهم إلى غيرنا حيث لا ندري كم ومن سيجرون معهم.

وفي ما يجري إلى جوارنا في سوريا ولبنان مثال آخر وعبرة لمن يراهن على أميركا ولمن يترك أطماع متنفذيه تطغى ولو للحظة على مبادئ أخوة الدم وحسن الجوار.

أفلا تصل الرسالة الواضحة: ساعة الحساب حلت والكل -شعوباً وحكومات, عوالم أولى وثالثة- يفتح المحاضر ويعد المقاصل.. وعهود الفرار ولت فكل يد عازمة طائلة بطريقتها.. وحتى الغطاء الأميركي بدأ يتقلص بحيث قد يغطي أو لا يغطي رؤوس هذه الإدارة بعد سقوطها المحتوم..

فمن هم الذين يتوهمون أن ما يطال حكومة أميركا وما يطال الأمين العام للأمم المتحدة, ناهيك عن أسماء أصغر تبدأ من رأس دولة وتنتهي بسائق شاحنة, لن يطالهم؟؟ يخطئ من يربط رأسه بالرؤوس التي بات عليها ثمن من أكثر من جهة محقة!
_________
كاتبة أردنية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة