ألوان القصف على جبهة الإعلام   
الجمعة 29/9/1435 هـ - الموافق 25/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:48 (مكة المكرمة)، 9:48 (غرينتش)
حسام شاكر


التسلح بالدعايات
استنفار منظومة التشويه
جديد المقولات الدعائية
زعزعة الجبهة الداخلية

عندما تُلقي طائرات الاحتلال بأطنان المتفجرات على الفلسطينيين في غزة فإن ألوانا من القصف تفعل فعلها على جبهة الإعلام، وقد جهّز الاحتلال ذرائعه الدعائية قبل أن يدفع بآلته الحربية لخوض العدوان.

التسلح بالدعايات
تتبنى الدعاية الإسرائيلية تكتيكات عدة في مواسم العدوان الحربي، منها ما يقوم على صياغة الذرائع. ويتم وفق هذا الأسلوب تحديد قائمة من الحجج لينطلق بها المنحازون إلى الاحتلال في مرافعاتهم الإعلامية.

تتسلح دعاية الاحتلال بمقولات منسوجة بعناية هدفها قذف الكرة إلى الملعب الآخر، فتصوغ قائمة من الذرائع المدروسة. لقد تمّ تبرير كل جولة من جولات العدوان والتصعيد خلال السنوات السبع الماضية، بزعم أنها "عملية عسكرية تأتي ردّا على إطلاق الصواريخ، فلا توجد دولة في العالم تقبل بأن يتم قصف مواطنيها صباح مساء".

ويتردد القول إن "إسرائيل انسحبت من غزة، لكن حماس ردت على ذلك بإطلاق الصواريخ على إسرائيل.. ماذا تستطيع إسرائيل أن تفعل؟!".

مقولات الاحتلال تُمعِن في إلصاق نعت الإرهاب بالمقاومة الفلسطينية، بعدما اعتمدت لفظة مخرِّبين عقودا متلاحقة. ولمفردات كهذه مغزاها الذي ينزع صفة التحرر الوطني عن الكفاح المسلح، بما يترتب على ذلك من تبعات

تدّعي أبواق الاحتلال أنها "عملية عسكرية ضد إرهاب حماس وليست ضد الفلسطينيين"، فهي تركّز في المقولات الدعائية جميعا على توجيه الهجوم اللفظي على طرف فلسطيني محدد، بيد أن العدوان يجري عمليا على الشعب الفلسطيني ككل.

وتسويغا لاستهداف المدنيين دأبت دعاية التضليل على القول إن "الجيش الإسرائيلي يحرص على سلامة المدنيين الفلسطينيين، وهو الجيش الوحيد في العالم الذي يُحذِّر السكان قبل القصف". وما يلفت الانتباه هو تراجُع هذه الرواية بالذات في عدوان 2014 لأنه جاء سافرا في قصف منازل وأحياء سكنية بالكامل دون إنذارات مسبقة.

وتُمعِن مقولات الاحتلال في إلصاق نعت "الإرهاب" بالمقاومة الفلسطينية، بعدما اعتمدت لفظة "مخرِّبين" عقودا متلاحقة. ولمفردات كهذه مغزاها الذي ينزع صفة التحرر الوطني عن الكفاح المسلح، بما يترتب على ذلك من تبعات.

ويتمسّح متحدثو الاحتلال بعبارات "الأسف لسقوط مدنيين فلسطينيين" كلما اقترفت قواتهم المجازر، قبل أن تأتي الذريعة الجاهزة بأن المقاومين "يتحصنون بين السكان ويتخذونهم دروعا بشرية". ولا تكفّ دعاية العدوان عن استدعاء المقولة ذاتها بأن "سكان غزة رهائن"، لتبرِّر المجازر وتشغل متحدثي المقاومة بالرد على الاتهامات.

وتُسلِّم أبواق الاحتلال ضمنا بعجزها في جولة 2014 عن التعمية على جرائم الحرب التي تقترفها في الميدان، بالقول إن "حماس تقوم بدعاية لتكسب التعاطف وتشوِّه إسرائيل". جاء هذا مثلا بعد قصف الأطفال من آل بكر على شاطئ بحر غزة وبعد مجازر الشجاعية يوم 22 يوليو/تموز الجاري.

أما قصف المساجد والمدارس والمشافي فتسوِّغه دعاية الاحتلال بذرائع محددة، زاعمة تحولها إلى مستودعات للسلاح، أو إلى "أوكار لاختباء" قادة المقاومة فيها، أو اتخاذها مواقع لإطلاق صواريخ صوب أهداف إسرائيلية. وغالبا ما يجري التلويح المُسبَق بهذه الادعاءات لتهيئة جماهير العالم لجرائم الحرب القادمة، ولتبرير أي قصف ينتهك الحرمات.

تعتمد دعاية الاحتلال تكتيكات أخرى، منها ترتيب الأولويات في التناول الإعلامي، عبر إثارة مسائل وطرح نقاط بطريقة مثيرة لتتصدّر جدول الأعمال الإعلامية.

ولم يخرج تعامل حكومة نتنياهو مع المبادرة المصرية (2014) عن هذا الأسلوب، فجاء تلقّفها الفوري للطرح المصري محاولة للإمساك بزمام الموقف السياسي والإعلامي وإظهار الحرص على الهدوء وإحراج المقاومة الفلسطينية. فلهذا الأسلوب أهداف مركّبة في التغطية على العدوان، وإرباك الجهد الإعلامي المؤيِّد للحقوق الفلسطينية، وإبقاء رواية الاحتلال فعّالة في المشهد.

إن ترتيب الأولويات الإعلامية عملية متحركة وتخضع لتحويرات تُراعَى فيها التطورات الميدانية أو السياسية أو الإعلامية، تماما كما نحتت دعاية العدوان مصطلح "إرهاب الأنفاق" في غمرة مأزقها الميداني مع مفاجآت المقاومة الفلسطينية التي تظهر من تحت الأرض.

ولا تتردد دعاية الاحتلال في التضليل واختلاق القصص والروايات والمشاهد، بما يغطي على سياسات أو يوفّر ذرائع لخطوات عدوانية. إن القصص المتعلقة بضبط سفن تحمل أسلحة تأتي عادة في هذا السياق، وهي تُقدّم مشفوعة بالصور لتكون برهانا على الواقعة. ولا يغيب في تاريخ الصراع استعمال قصة السفينة "كارين أي" رأس حربة في الحملة الإعلامية على الراحل ياسر عرفات استباقا لحصاره في مقر المقاطعة في رام الله ثم اغتياله.

استنفار منظومة التشويه
تستند دعاية الاحتلال عادة إلى تكتيك التشويه المركّز الذي يستنفر منظومة الدعاية لاستهداف حالة بعينها، قد تكون فصيلا، أو مؤسسة، أو دولة إقليمية، أو شخصا قياديا، فتسلِّط أصابع الاتهام عليه، وتنسج من حوله القصص والأساطير بمنحى يتعمّد التشويه والتهويل.

الاحتلال في عدوانه الحالي يستدعي معظم المقولات الدعائية التي رافقت الجولتين السابقتين، لكن مصطلحات جديدة برزت من واقع التطور الميداني ومفاجآت المقاومة مثل: إرهاب الأنفاق، واختفت عبارات مُستهلَكة كالادعاء بتحوّل غزة إلى ميناء إيراني

وتعمد منظومة التشويه المركز هذه إلى توظيف المتحدثين وتقنيات الإعلام والاتصال الجديدة، وقد برز دور فعّال لمواقع إنترنت متخصصة في التشويه والتحريض، يستخدم بعضُها الصور والوثائق ومقاطع الفيديو التي تغدو بمثابة ذخيرة يتسلح بها من يخوضون غمار المواجهة الإعلامية، من المتحدِّثين والإعلاميين ومن يجاريهم.

إن فعالية التشويه المركز تتأتى من استهداف حالة مُفرَدة، ولا ينتهي الأمر بإلحاق "وصمة" ما بالطرف المُستهدَف، بل تتواصل من خلال ما يترتب على هذا "النجاح" الدعائي من "وَصم" تلقائي لكل من تُزعَم علاقته أو صلته بهذا الطرف ليُحاصَر في خانة دفاعية.

ولا يخفى أن دعاية العدوان تسعى إلى ضرب مصداقية ما يعترض طريقها، عبر التشكيك في جزئية محددة أحيانا لنقض الرواية بأسرها. ويعتمد هذا التكتيك على التقاط تفاصيل محددة من تصريحاتٍ أو مما جاء في تقرير ما، وإثارة الشكوك حول هذه الجزئية ومحاولة نقضها بشتى السبل.

ويبقى التشكيك في جزئيات محددة خيارا متيسرا مقارنة مع التصدي لمهمة النقض الشامل لكل ما يأتي في التصريحات والتقارير التي تسعى دعاية الاحتلال والعدوان للإجهاز عليها وضرب مصداقية الجهات التي تصدر عنها، كما يجري مع التقارير الدولية والحقوقية الناقدة لسياسات الاحتلال وممارساته. ومن المكاسب المتفرعة عن توظيف هذا التكتيك، إشغال الجهات الناقدة للاحتلال والعدوان بالدفاع عن ذاتها ومحاصرتها لحرفها عن مقاصد ظهورها الإعلامي الأساسية.

أما عندما تتسبب وقائع معينة أو تطورات ما في إضعاف موقف الجانب الإسرائيلي وزعزعته، وما قد يترتب على ذلك من نشوب ضجة عالمية أحيانا مندِّدة بالاحتلال وسياساته وممارساته، فمن المعتاد أن تلجأ دعاية الاحتلال إلى تقديم روايات مُغايرة للوقائع وإعادة تعريف ما جرى، ومحاولة البرهنة على خطأ الأصل الذي تفرّعت عنه الأحكام والاستنتاجات.

وفيرة هي الوقائع التي برز فيها هذا التكتيك، منذ قضية الطفل محمد الدرة إلى واقعة الفتى محمد أبو خضير. ويعتمد هذا الأسلوب التشكيكي على إيراد حزمة من الشبهات التي يُراد لها أن تحوم حول الواقعة، فتجعل الإعلاميين والمهتمين من الجمهور يترددون في قبول الرواية الفلسطينية، أو يفضِّلون "التريث حتى تنجلي الحقيقة"، أو تتضاءل حماستُهم للموضوع.

وعندما يتحكم الاحتلال ببعض مصادر المعلومات تكون منظومته الدعائية أقدر أحيانا على تمرير إفادات مضللة مشفوعة بالصور والمشاهد المزورة، مثل اتهام مقاومين بنقل صواريخ في سيارات تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في قطاع غزة، واستخدام صور مزورة من الجو لتمرير هذا الادعاء الذي ثبت بطلانُه في تحقيقات الأمم المتحدة.

جديد المقولات الدعائية
يستدعي الاحتلال في عدوانه الحالي معظم المقولات الدعائية التي رافقت الجولتين السابقتين، لكن مصطلحات جديدة برزت من واقع التطور الميداني ومفاجآت المقاومة مثل "إرهاب الأنفاق"، واختفت عبارات مُستهلَكة كالادعاء بتحوّل غزة إلى "ميناء إيراني".

ويذهب متحدِّثو العدوان إلى التهوين مما تقترفه آلة حربهم بحق المدنيين في القطاع عبر مطالبة وسائل الإعلام "بالانشغال بما يجري في سوريا والعراق" بدلا من ذلك، في اتهام سخيف للتغطيات عن غزة بالانحياز ومجافاة الموضوعية لمجرد متابعتها الوقائع.

ويبقى لأحداث الميدان التي لا يمكن حجبها تأثير حاسم على التناول الإعلامي، فالمجازر وجرائم الحرب لا تسعف أيّ جهاز دعاية في إنجاز مهمته. وفي المقابل يفرض الأداء الفلسطيني المتطوِّر من جولة إلى أخرى احترامه على التغطيات التي لم يعد بوسعها اختزال المقاومة في القالب "الإرهابي" النمطي، ففرص التشويه تتضاءل مع الكفاءة الفلسطينية في إدارة المعركة والانضباط الميداني والتركيز على الأهداف العسكرية، علاوة على شكل الأداء القتالي ذاته ومفاجآته.

ويبقى تطور الخطاب الفلسطيني في جناح المقاومة لافتا بحرصه على وضع التطورات في سياقاتها التاريخية، أي بالعودة إلى المربع الأول لقضية فلسطين. ففي الخطابات والتصريحات التي ترافق العدوان الجاري تحضُر إشارات واضحة إلى فلسطين التاريخية، ووحدة الشعب الفلسطيني في رقاع الانتشار، مع تأكيد الحقوق الجوهرية كعودة اللاجئين.

كما تميّز الخطاب الفلسطيني في جولة 2014 بتطور نوعي على مستوى صياغة المصطلحات. والواقع أن المقاومة التفتت عبر عقد مضى إلى أهمية المصطلح العسكري في المعركة، فأطلقت تسميات ذات مغزى على عملياتها الهجومية المتعددة، كما اختارت لردِّها على جولات العدوان أسماء تشتبك مع نقيضها الاحتلالي. فحرب "الفرقان" هي التسمية المقابلة لعدوان "الرصاص المصبوب" في شتاء 2008/2009، و"حجارة السجيل" هي الردّ على "عمود السحاب" في خريف 2012، ثم كان الموعد مع "العصف المأكول" في مواجهة "الجرف الصامد".

مقابل الدعاية الصهيونية تأتي التسميات المختارة لمبتكرات التصنيع العسكري محتفظة بتسميات بنسق منطقي، فبعضها مستقى من المكوِّن الديني والثقافي، وبعضها الآخر يحمل رمزية تكريمية لقادة المقاومة الذين استهدفهم الاحتلال

ثمّ تأتي التسميات المختارة لمبتكرات التصنيع العسكري من صواريخ وقذائف وقنابل وألغام وطائرات مسيّرة, وقد احتفظت تلك التسميات بنسق منطقي، فبعضها مستقى من المكوِّن الديني والثقافي، وبعضها الآخر يحمل رمزية تكريمية لقادة المقاومة الذين استهدفهم الاحتلال.

ما استجدّ تحديدا في المصطلح هو الشق السياسي منه بالتحديد، مثل مصطلح "الحصار مقابل الحصار" الذي صرّح به رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في مؤتمره الصحفي يوم 23 يوليو/تموز 2014، وكان يتحدّث حينها عن قدرة غير مسبوقة أحرزتها المقاومة في محاصرة مجتمع الاحتلال وتقييد تواصله مع العالم وشلّ الحركة في مطاراته.

زعزعة الجبهة الداخلية
ظلّ إلقاء المنشورات التحذيرية المكتوبة بلغة ساذجة هواية يفضِّلها جيش الاحتلال في مخاطبة التجمعات السكانية الفلسطينية في زمن التصعيد. تراهن منشورات الترهيب تلك على إضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة، فتورد عبارات من قبيل "من أجل سلامتكم، تحلّوا بالمسؤولية عن مصيركم وتجنّبوا الاقتراب من عناصر حماس ومراكزها التي ستعرِّض حياتكم للخطر".

لا يمكن لتحذيرات كهذه أن تحقِق أي مردود إقناعي أو تحذيري بالأساس لأن مصدرها يتمسّح بالحرص على سلامة السكان ويمارس فنون الإبادة في حقهم حتى داخل منشآت الأمم المتحدة. لم يعد الأمر مقتصرا على إلقاء المنشورات، فالتشويش على الإذاعات ومحطات التلفزة لبثّ رسائل ترهيب أو مقاطع ساخرة، استحال ممارسة اعتيادية تتضافر مع تعميم رسائل التخويف عبر الهواتف النقالة.

يبقى السؤال متعلقا بالجدوى من حملات التخويف الجماعي تلك، في خضمّ الترويع المباشر الذي تمارسه آلة الحرب بحق سكان قطاع غزة الذين يشكل الأطفال والنساء معظمهم.

مقابل ذلك، فإن قدرة المقاومة الفلسطينية على تعميم رسائل بالعبرية -مصوّرة وصوتية ومكتوبة- عبر اختراق محطات التلفزة والإذاعة ومواقع الإنترنت والهواتف النقالة في صميم مجتمع الاحتلال، تشكِّل ضغطا على معنويات الجمهور الإسرائيلي وتعزِّز شكوكه في مظلة الحماية التي يحظى بها.

وعندما تسكن المعركة على الأرض، فإنها تبقى متأججة في فضاءات الإعلام. والثابت في النهاية أن فنون التضليل قد تصرف الأنظار وتسيء الفهم، لكنها لا تكسب العقول والقلوب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة