العلاقات الأوروبية الأميركية.. إلى أين؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ عبد النور بن عنتر*

-"أوروبا الجديدة" ضد "أوروبا القديمة"
-الاتحاد الأوروبي بين الاستقلالية والإذعان
-أميركا ومعاقبة الحليف الفرنسي المتمرد
-أوروبا وأميركا.. تصوران للنظام العالمي
-رفع الحظر على العراق.. صراع القوة والنفوذ

من الصعب توقع مدى الانعكاسات السلبية للخلاف بين العديد من دول الاتحاد الأوروبي وأميركا حول التعاطي مع الأزمة العراقية وبالتحديد حول الخيار العسكري وتوقيته على العلاقات بين ضفتي الأطلسي، لكن ما يمكن تأكيده بداية هو أن التطورات المستقبلية لهذه العلاقات تبقى رهينة المنحى الذي ستأخذه العلاقات الأوروبية الأوروبية على وجه التحديد.

"أوروبا الجديدة" ضد "أوروبا القديمة"

دول أوروبا الشرقية التي ستنضم إلى الاتحاد في مايو 2004 وقفت كلها إلى جانب أميركا.. بولندا، المجر، التشيك وقعت مع خمس دول في الاتحاد على رسالة دعم لأميركا منادية بـ "جبهة موحدة لأوروبا وأميركا في الأزمة العراقية".

وتتسابق هذه الدول في دعمها لواشنطن وتقديمها المساعدة. فبولندا التي أصرت على الحصول على أموال إضافية في قمة كوبنهاغن الأوروبية أعلنت بعدها بأيام شراءها مقاتلات أميركية وليس أوروبية، كما وقفت إلى جانب أميركا ضد معسكر السلام الأوروبي. أما التشيك فأرسلت جنوداً إلى الكويت. والمجر كانت قد فتحت قاعدتها لتدريب معارضين عراقيين. وحتى رومانيا (ذات التوجهات الفرنكوفونية القريبة من فرنسا – المرشحة للانضمام للاتحاد عام 2007 مع بلغاريا) تتنافس والأعضاء الجدد في مغازلة أميركا، حيث أقبلت على إعفاء الجنود الأميركيين من وصاية (صلاحية) المحكمة الجنائية الدولية وعرضت مثلها مثل بلغاريا قواعدها لأميركا.


تسعى أوروبا لفرملة الانفرادية الأميركية خاصة وأنها تتخوف من انعكاسات المحتوى الديني للسياسة الأميركية عالمياً ومن التوجه الحالي الذي يضع أميركا فوق النظام العالمي ومن عزمها شن حروب استباقية ووقائية
الحقيقة أن هذه الدول تقيم علاقات متميزة مع أميركا التي لعبت الدور الرئيس في ضمها للحلف الأطلسي، وعليه فإن انضمامها للاتحاد سيضع سياسة أوروبا الخارجية والدفاعية المشتركة أمام التحديات خاصة وأنها لم تبن بعد. ألا يكون توحيد أوروبا إعلاناً على نهاية الاتحاد الأوروبي سياسياً؟ من المتوقع أن تتفاقم الخلافات السياسية داخله بعد التوسيع لأن الأعضاء الجدد سيحاولون الانتقام من فرنسا ومواقفها المنتقدة لهم، كما أن أميركا ستدفع هذه الدول إلى إجهاض الاتحاد من الداخل في المجال السياسي على أمل تحويله إلى تجمع اقتصادي ضخم بلا روح سياسية.
من الواضح أن دول أوروبا الشرقية وقفت مع الأقوى أي أميركا وكأنها تعودت على تبعية قرارها الإستراتيجي. فقد كانت في السابق تتبنى مواقف الاتحاد السوفياتي دولياً، وهي اليوم تفعل نفس الشيء مع أميركا لتعودها على التبعية الإستراتيجية.

يعبر الانقسام الأوروبي أيضاً عن صراع من أجل زعامة أوروبا خاصة بين بريطانيا، فرنسا وألمانيا. دعم الدول الأوروبية "الصغيرة" لأميركا يعبر أيضاً عن تخوفها من سيطرة هذه الدول على الاتحاد فكان اعتمادها على أميركا للحفاظ على نوع من التوازن في أوروبا.

الاتحاد الأوروبي بين الاستقلالية والإذعان

تتجاذب أوروبا مقاربتان الأولى استقلالية تتزعمها فرنسا والثانية إذعانية تتزعمها بريطانيا. تقول الأولى بضرورة استقلالية القرار السياسي الأوروبي وبناء هوية للدفاع مستقلة عن الحلف الأطلسي وبأولوية الرابطة الأوربية على الأطلسية رغم تكاملهما. بينما تقول الثانية بالإذعان الأوروبي للمظلة السياسية والإستراتيجية الأميركية ودعم كل مواقف واشنطن في الأزمات الدولية واستبعاد قيام بنية عسكرية أوروبية مستقلة عن الحلف وبأولوية الرابطة الأطلسية على الأوروبية. التناقض بين التصورين له مغزى سياسي بالغ الأهمية، لأن أصحاب التصور الأول يريدون أوروبا موحدة سياسياً وعسكرياً، بينما يكتفي أصحاب التصور الثاني بأوروبا الموحدة اقتصادياً دون أية طموحات سياسية. وجاءت الأزمة العراقية لتعمق الهوة بينهما حيث عارضت بريطانيا الطروحات الفرنسية بما فيها تلك القائلة بضرورة بناء عالم متعدد الأقطاب، ويرى البريطانيون أن تعدد مراكز القرار في العالم يضعف الغرب وعليه يتعين الوقوف كرجل واحد وراء أميركا.

عقدت ببروكسل قمة رباعية يوم 29 أبريل 2003 جمعت شيراك، شرودر، ورئيسي الحكومتين البلجيكية واللوكسمبورغية، خصصت للدفاع الأوروبي أملاً في المزيد من الاستقلالية عن أميركا. هذه القمة التي عقدت خارج الإطار الرسمي للاتحاد أثارت مخاوف الأوروبيين من أنصار الرابطة الأطلسية الذين يتخوفون من تشكل "نواة قوية" قادرة على منافسة الأطلسي. وكان بلير قد استبقها بالإعلان أن بريطانيا وباقي الأوروبيين لن يقبلوا بشيء "ينسف" الحلف الأطلسي. أما إسبانيا فاعتبرت أنها انعقدت خارج مؤسسات الاتحاد وأن سياسة دفاع أوروبية لن تحققها ثلاث أو أربع دول بمفردها. الغريب هو أن بريطانيا وإسبانيا تحركتا خارج مؤسسات الاتحاد وهما اليوم تثيران هذه المؤسسات لانتقاد قمة بروكسل الرباعية. هذه الأخيرة أعلنت أنه لا نية لها في تشكيل "ناد مغلق" لمنافسة الحلف الأطلسي وأن همها أن تتولى أوروبا مسؤولياتها، كما أن اجتماع 4 دول لا يعني خلق هوة في أوروبا وإنما الدفع بها قدماً.

طبعاً غياب بريطانيا وهي أول قوة أوروبية يضعف هذه المبادرة، لكن الرسالة السياسية الموجهة للندن هي أن بناء الدفاع الأوروبي قد يتواصل دونها إذا اقتضى الأمر. رغم أن هذه القمة تؤكد مدى الخلافات الأوروبية حول هندسة دفاعية أوروبية، فإنها تكشف مدى التناقض في مواقف أميركا وحلفائها في أوروبا الذين يقولون إن أوروبا ضعيفة عسكرياً وبالتالي لا يمكنها فعل شيء وإنه يجب أن تنفق المزيد في المجال العسكري، ولما تتحرك أوروبا لبناء بنى دفاعية يقولون إن مبادراتها ستنسف الحلف الأطلسي ! طبعاً واشنطن ستقوض مستقبلاً النزعة الاستقلالية الفرنسية داخل الحلف بعرقلة المشاريع الفرنسية لبناء دفاع أوروبي بواسطة حلفائها الأوروبيين. وتعمل في الحلف على إجهاض كل المحاولات لبناء دفاع أوروبي مشترك. وفي هذا الإطار جاء مقترح البنتاغون لتشكيل قوة تدخل سريعة داخل الحلف الأطلسي. حيث يعتبر هذا منافسة مباشرة لقوة التدخل السريع الأوروبية، خاصة وأن دول أوروبا الشرقية ستفضل بدون شك التحرك في إطار الأطلسي على عمليات عسكرية أوروبية.

أميركا ومعاقبة الحليف الفرنسي المتمرد


إذا كانت أوروبا تريد نظاماً عالمياً متعدد الأقطاب يسوده القانون الدولي وعمل المنظمات الدولية، فإن أميركا تريد نظاماً تسيطر عليه وتحدد قواعدها لوحدها وتمنع فيه أية مقاومة لهيمنتها وتضع فيه نفسها فوق القانون الدولي
تتوالى التصريحات الأميركية حول معاقبة فرنسا لموقفها بخصوص الحرب على العراق. ويعتبر الأميركيون أن على فرنسا تحمل عواقب ذلك. لكن رغم الصخب السياسي الإعلامي في واشنطن فإن التحالف الإستراتيجي بين البلدين لن يناله شيء ذو أهمية كبيرة، ثم إن استهداف فرنسا يعني استهداف الاتحاد الأوروبي مما يجعل أميركا في حرب تجارية مع هذا الأخير، وهذا أمر غير وارد تماماً ذلك أن حجم المبادلات بين الاتحاد وأميركا يبلغ أكثر من مليار دولار يومياً. لكن هذا لا يعني عدم استهداف بعض منتجات فرنسا ومنافستها في مناطق نفوذها.

يتخوف الفرنسيون من الخسارة التي قد تلحق بشركاتهم، لكن السلطات الفرنسية تقلل من هذه المخاوف معللة ذلك بتداخل الاقتصادين الفرنسي والأميركي وبأن العلاقات الاقتصادية الدولية تحكمها قواعد منظمة التجارة العالمية. وتعمل 2371 شركة فرنسية بأميركا وتشغل 500 ألف شخص. ليست هذه المرة الوحيدة التي تواجه فيها فرنسا تهديداً أميركياً بمقاطعة بضائعها. ففي عام 1986 لما رفضت فرنسا فتح مجالها الجوي للطائرات الأميركية التي قصفت ليبيا هدد الأميركيون بمعاقبتها لكن لم تكن لهذه الحملة آثار تذكر. والجدير بالملاحظة هنا هو أن إسبانيا رفضت آنذاك فتح مجالها الجوي لكنها لم تعامل نفس المعاملة، مما يظهر أن التركيز الأميركي على فرنسا ليس وليد الساعة.

أميركا وفرنسا وساحل العاج
لم يكن مستبعداً تفاعل صراع النفوذ في أفريقيا بين أميركا وفرنسا في ضوء الحرب على العراق. وتجسد هذا في أحد أكبر معاقل النفوذ الفرنسي في أفريقيا السوداء وهو ساحل العاج. إذ عطلت أميركا مشروع قرار فرنسي في مجلس الأمن ينص على إنشاء مهمة سلام أممية في ساحل العاج مشكلة من 255 رجلا (للالتحاق بالقوات الفرنسية وقوات حفظ السلام الأفريقية الموجودة هناك). عارضت واشنطن الاقتراح الفرنسي بحجة شح أموال المنظمة العالمية مقترحة تخفيض المهمة إلى الثلث من حيث الرجال والأموال (المهمة حُددت تكلفتها السنوية بـ 27 مليون دولار). طبعاً أميركا بحاجة لحشد مالي عالمي لإعمار العراق، لكن الحجة الاقتصادية استخدمت لحجب الدوافع السياسية وهي أن واشنطن تعاقب باريس بسبب موقفها في الأزمة العراقية.

وعليه فمن المتوقع أن يحتدم التنافس في أفريقيا وتزداد حدة مضايقة المصالح الفرنسية فيها والتي بدأت مع إدارة كلينتون. وجاءت المسألة العراقية لتظهر مدى شراسة المنافسة. فرغم العلاقات الوثيقة بين باريس وياوندي فإن النفوذ الأميركي في الكاميرون تقوى لاسيما بعد العمليات العسكرية ضد العراق، إذ فتحت وكالة التنمية الدولية الأميركية مكتبها في ياوندي الذي أغلق عام 1990، وبدأت الاستثمارات الأميركية في الكاميرون التي تلقى مساندة واشنطن في صراعها مع نيجيريا حول شبه جزيرة باكاسي. وقد شرعت أميركا في انتشار جيو اقتصادي في القارة. وقبل الحرب تحركت سياسياً واقتصادياً في بلدان مثل غينيا الاستوائية الغنية بالنفط. وتزامن هذا التحرك مع التنافس الأميركي الفرنسي على ربح أصوات أنغولا والكاميرون وغينيا في مجلس الأمن. أما في مجال حفظ السلام فقد أنشأ الأميركيون المبادرة الإفريقية لإدارة للأزمات لتنافس المبادرة الفرنسية للقدرات الإفريقية لحفظ السلام.

أوروبا وأميركا.. تصوران للنظام العالمي

تسعى أوروبا لفرملة الانفرادية الأميركية خاصة وأنها تتخوف من انعكاسات المحتوى الديني للسياسة الأميركية عالمياً ومن التوجه الحالي الذي يضع أميركا فوق النظام العالمي ومن عزمها شن حروب استباقية ووقائية. ثم إن القوى الأوروبية ذات النزعة الاستقلالية مثل فرنسا غير مرتاحة للإستراتيجية القائمة على منع أي دولة الحق أو حتى الرغبة في مضاهاة القوة الأميركية. هنا الإستراتيجية الأميركية عالمياً تشبه الإستراتيجية الإسرائيلية إقليمياً، أي السعي للحفاظ على تفوق عسكري دائم. يشكل هذا التوجه الأميركي رسالة للقوى الكبرى الصاعدة. فهم أميركا هو الحيلولة دون بروز قوى منافستها وضمان استمرارية هيمنتها بما في ذلك إبقاء مواطنيها فوق أي تقنين دولي. وسياسة القوة التي تنتهجها أميركا تتناقض وسياسة أوروبا القائمة على الحوار والحل السلمي للصراعات.

هذا التوجه غير العسكري يثير طبعاً سخرية المحافظين الجدد مثل روبرت كاغان الذي يعتبر أن أوروبا تجنح للسلم لضعفها، وأميركا تجنح للحرب لقوتها. الحقيقة أن أوروبا ترفض فكرة عسكرة العلاقات الدولية ذلك أنها تعتبر أن الاتحاد أوجد الاستقرار في أوروبا وها هو يصدره إلى قسمها الشرقي. وجوهر الخلاف بين أميركا والدول الأوروبية يكمن في اللجوء إلى القوة في عالم اليوم. وعليه فهم أوروبا ليس العراق بالتحديد وإنما السوابق الخطيرة التي ستنجر عن الحرب عليه ليس فقط في الشرق الأوسط بل وفي العالم ككل. فهي تتخوف من أن يصبح العراق نموذجاً للسياسة الأميركية في العالم خاصة وأن الحرب على العراق حركتها أيضاً مواقف أيديولوجية ولا شيء يمنع من استهداف دول أخرى. وهذا ما دفع بالمفوض الأوروبي للشؤون الخارجية إلى القول إنه بعد حرب أفغانستان "يجب ألاَّ يترك لأميركا رخصة صيد غير محدودة" بحجة مكافحة الإرهاب.

وإذا كانت أوروبا تريد نظاماً عالمياً متعدد الأقطاب يسوده القانون الدولي وعمل المنظمات الدولية، فإن أميركا تريد نظاماً تسيطر عليه وتحدد قواعدها لوحدها وتمنع فيه أية مقاومة لهيمنتها وتضع فيه نفسها فوق القانون الدولي. ووصلت معارضتها الشديدة للمحكمة الجنائية الدولية إلى حد التفكير في قانون يسمح باستخدام القوة لإطلاق سراح جنود أميركيين يحاكمون أو سيحاكمون من قبل هذه المحكمة.

رفع الحظر على العراق.. صراع القوة والنفوذ

لم تتغير الأمور كثيراً بخصوص مواقف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن قبل وبعد الحرب. ففرنسا وجل دول الاتحاد الأوروبي تصر على دور محوري للأمم المتحدة في إعادة إعمار العراق، بينما تعتبر واشنطن أنها حسمت الأمر عسكرياً ويعود لها الحق في تسيير شؤونه والاضطلاع بمسؤولية رئيسية فيه. وتعمل الدول التي عارضت الحرب على إدخال الأمم المتحدة من جديد في الأزمة العراقية للعب دور في مرحلة ما بعد الحرب. لكن ينطوي هذا الموقف على انزلاق خطير؛ شرعنة الحرب الأميركية على العراق وبالتالي المشاريع الأميركية المعدة مسبقاً لتحديد مستقبله.


إن مستقبل العلاقات الأوروبية الأميركية ستحدده أساساً تطورات العلاقات الأوروبية الأوروبية لأن الأزمة العراقية أظهرت مدى الانكشاف السياسي لأوروبا وثقل النفوذ الأميركي في القارة مقابل ضعف الحس السياسي الأوروبي
وواشنطن تعي محدودية مواردها المالية خاصة وأن الانتخابات الرئاسية قريبة وعليه فهي بحاجة ماسة لتمويل دولي، لكنها تفضل أن يتم ذلك في المجال الإنساني حصراً، نظراً لتعالي أميركا عليه. ثم إن الاستثمار في المجال الإنساني لا يعود بفوائد جيوسياسية أو اقتصادية كما أنه يعني مغادرة العراق بمجرد تحسن الوضع الإنساني، بينما تبقى الشركات الأميركية العاملة في القطاعات الاقتصادية فيه. وعليه تريد واشنطن حصر دور الأمم المتحدة في المجال الإنساني. أما فرنسا وروسيا فتدافعان على مسؤولية المجموعة الدولية في العراق. وعلى عكس واشنطن التي تطالب برفع الحظر على العراق، تقول باريس وموسكو بتعليقه في شقه المدني والإبقاء على الجوانب العسكرية. وتعتبر باريس أنه على الأمم المتحدة تحديد سبل إنهائه، أما موسكو فتربط رفعه بعودة المفتشين الدوليين للعراق لـ "إنهاء عملهم".

يبدو من المواقف الفرنسية والروسية أن المعركة في مجلس الأمن حول رفع الحظر معركة استعراض القوة بين أميركا ومعسكر السلام. حيث ترى فيها باريس وموسكو فرصة للتأكيد على الدور الأممي وعلى وزنهما في رسم ملامح النظام العالمي، وعلى أن أميركا لا يمكنها أن تقرر كل شيء دون موافقتهما. ومن المرجح أن تسير الأمور نحو إصدار قرارات تدريجية لرفع الحظر، لأنه يستبعد أن توافق فرنسا وروسيا على قرار واحد ينهي كل شيء بما في ذلك برنامج "النفط مقابل النفط" ويطلق يد أميركا في العراق وبالتالي يشرعن الحرب.

ويخفي الخلاف حول رفع الحظر صراع النفوذ حول عراق ما بعد صدام. ففرنسا تسعى وتأمل في قلب إدارة الأزمة. ويهدف تمسكها بعودة المفتشين إلى العراق على أساس أنهم أصحاب السلطة القانونية في البت في ملف أسلحة الدمار الشامل إلى:

  1. إظهار أن الحرب الأميركية على العراق بدون ترخيص من مجلس الأمن لا تعني أن العراق خرج من تحت وصاية الأمم المتحدة وسقط تحت وصاية أميركا، بل إنه لا يزال موضع قرارات مجلس الأمن. إنها رسالة قوية إلى واشنطن فحواها أن حسمها الأمر عسكرياً لصالحها لا يعني حرية التصرف المطلقة في مستقبل العراق.
  2. استغلال ملف رفع العقوبات للعودة بقوة إلى الملف العراقي وتقديم نفسها كشريك لأميركا يحسب له الحساب.
  3. إقناع واشنطن بأن عودة المفتشين تخدم المصالح الأميركية لأنها ستظهر للعالم أنه ليس لأميركا ما تخفيه وأن أسلحة يكتشفها المفتشون ستلقى مصداقية بينما سيُشكك في أسلحة تعثر عليها القوات الأميركية. والموقف الفرنسي يعززه الموقف الروسي القائل إن المفتشين الدوليين وحدهم لهم الصلاحية القانونية لإعلان خلو العراق من هذه الأسلحة. الحقيقة أن هدف الحرب الأميركية كان قلب نظام صدام حسين أساساً وليس البحث عن هذه الأسلحة. فلو أن الأميركيين كانوا يشكون في وجود هذه الأسلحة في العراق وقدرته على تهديد قواتهم لما غزوه. وهذا يقودنا إلى فرضية مفادها أن لجان التفتيش الأممية -عن قصد أو غير قصد- هيأت العراق من خلال عملها للغزو الأميركي لأنه لولا تدميرها أسلحة العراق غير التقليدية والتأكد من محدودية ما تبقى لديه من أسلحة تقليدية، لكانت أميركا فكرت ملياً قبل غزوه.

إن مستقبل العلاقات الأوروبية الأميركية ستحدده أساساً تطورات العلاقات الأوروبية الأوروبية لأن الأزمة العراقية أظهرت مدى الانكشاف السياسي لأوروبا وثقل النفوذ الأميركي في القارة مقابل ضعف الحس السياسي الأوروبي، وسيزداد الأمر تعقيداً مع انضمام دول أوروبا الشرقية ذات التوجهات الأطلسية إليه. ورغم الشرخ الذي أحدثته هذه الأزمة فلا يرجح أن تتسبب في فك الترابط الإستراتيجي بين أميركا وأوروبا، لكن هذا لا يمنع احتدام صراع النفوذ والمنافسة الاقتصادية.

_______________
*كاتب ومحلل جزائري مقيم في فرنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة