دعاة وعلماء.. أزمة مستعادة في الخطاب الإسلامي   
الأحد 12/2/1427 هـ - الموافق 12/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:52 (مكة المكرمة)، 12:52 (غرينتش)


بشير نافع

شهدت مصر، والساحة العربية الإسلامية ككل، خلال الأسبوعين الماضيين افتراقاً حاداً وغير متوقع في الموقف من الرسوم الدانماركية المشينة. أصل هذا الافتراق كان قيام الداعية التلفزيوني الشهير عمرو خالد في مؤتمر صحفي بالقاهرة بإعلان مبادرة حوار بين شبان مسلمين وشبان دانماركيين يعقد في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن.

المنطق الذي أسس عليه خالد مبادرته أن أحد أسباب الأزمة العالمية الناجمة عن نشر الرسوم سيئة الذكر أن الدانماركيين، كما الغربيين عموماً، يجهلون الإسلام ولا يعرفون نبيه الكريم، وأن مسؤولية المسلمين اليوم هي العمل على بناء جسور حوار تعرف بالإسلام ونبيه.

وللتوكيد على صحة موقفه ظهر السيد خالد في مؤتمره الصحفي محاطاً بدعاة معروفين مثله معلناً أن مبادرته تلقى دعماً من عدد من الدعاة والعلماء العرب الآخرين.

أثار موقف عمرو خالد معارضة واسعة النطاق في الساحة الإسلامية، فقد جاء هذا الموقف وحركة الاحتجاج والمقاطعة الشعبية للدانمارك تمتد من إندونيسيا إلى القاهرة، ومن هونغ كونغ إلى واشنطن، وفهم بالتالي أنه محاولة لتمييع الموقف الإسلامي وكسر حركة الاحتجاج.

"
عمرو خالد كما يعرف نفسه ليس عالماً بل داعية, والداعية هنا هو مصطلح أقرب إلى المشتغل بالوعظ الإسلامي غير المتخصص بشؤون الإسلام المعرفية, ولم يقدم نفسه باعتباره عالماً أو زعيماً دينياً أو سياسياً
"
وإضافة إلى الجدل حول صحة تصور خالد للتصرف الدانماركي (الذي أعلن أصحابه أنفسهم أن لا علاقة للجهل به) ولبعديه السياسي والثقافي القيمي، أظهر الجدل جانباً بالغ الأهمية من جوانب الساحة الإسلامية السنية المعاصرة.

كان الإسلام السني طوال تاريخه ساحة عريضة من الآراء والاتجاهات، وتصرف المسلمون السنة ونظروا لأنفسهم ليس كطائفة صغيرة محدودة بل باعتبارهم تيار الإسلام العام وحاضنه.

وبالرغم من أن العلماء كانوا حراس الشريعة والمتحدثين باسم الدين، لم يعرف الإسلام السني فكرة المرجعية الواحدة المعروفة في الكنيسة الكاثوليكية أو التي تطورت لدى المسلمين الشيعة الإثني عشرية منذ نهاية القرن الثامن عشر.

كانت طبقة العلماء السنة مفتوحة لكل من تعارف عليه مجتمع العلماء بأنه وصل المستوى المطلوب من العلم، وأصبحت شروط العلم والتقوى وثقة الناس هي المحدد الأهم لدور العالم وموقعه ونفوذه ووزنه.

عمرو خالد، كما يعرف نفسه، ليس عالماً، بل داعية. والداعية هنا هو مصطلح أقرب إلى المشتغل بالوعظ الإسلامي غير المتخصص بشؤون الإسلام المعرفية.

وبغض النظر عن الدلالات الاجتماعية الطبقية لخطابه، وعن البساطة البالغة في مضامينه الإسلامية، لم يتقدم عمرو خالد إلى جمهوره باعتباره عالماً أو زعيماً دينياً أو سياسياً. 

تخرج السيد خالد في كلية التجارة، ولم يتلق تدريباً أكاديمياً في العلوم الإسلامية. ولكنه اكتسب شهرة واسعة من لغة وعظية محببة، وتوجه إلى الطبقة الوسطى المصرية الجديدة، شباناً وشابات، مقدماً الإسلام باعتباره خيار الناجحين والمتفوقين.

ولسبب أو لآخر، وجدت الدولة المصرية حرجاً في نشاطه الدعوي فطلبت خروجه من البلاد. ولكن ذلك لم يقلل من أثره، لاسيما وأن قناة إقرأ التلفازية المعروفة قد أصبحت وسيلته الأكثر انتشاراً للوصول إلى الناس داخل مصر وخارجها. في النهاية، وما إن اكتشف توني بلير الآثار الإيجابية لخطاب عمرو خالد "المعتدل"، حتى عادت القاهرة وفتحت أبوابها له.

كان لابد لمبادرة عمرو خالد الأخيرة أن تثير تساؤلات عدة، منها مثلاً السبب وراء قيام الداعية الشهير بطرح نفسه مرة واحدة زعيماً يقرر مسيرة أزمة عالمية الأبعاد، وهل بات عمرو خالد يرى في نفسه نداً للعلماء المسلمين الكبار الذين كادوا يجمعون على ضرورة التصدي للإهانة الموجهة لنبي الإسلام وقيمه، حتى بحركة احتجاج ومقاطعة شعبية.

ومنها مثلاً العلاقة بين كون الإسلام السني ساحة عريضة بلا مرجعيات محددة، وازدحام الساحة الإسلامية المعاصرة بعدد كبير من المتحدثين باسم الإسلام بدون أن تتوفر لديهم الشروط العلمية والمعرفية التي تؤهلهم للحديث باسمه.

ليس عمرو خالد، والدعاة الإسلاميون الجدد من أمثاله، ظاهرة جديدة تماماً. هم جدد بالمقياس التاريخي الطويل للإسلام، ولكنهم ليسوا غريبين عن الإسلام المعاصر.

أغلب الذين تصدوا للحديث باسم الإسلام في القرن العشرين من كتاب وقادة رأي عام وزعماء قوى إسلامية سياسية، لم يكونوا علماء بالمعنى الحرفي.

"
أحد أسباب صعود المتحدثين الجدد في الساحة الإسلامية كان بالتأكيد تقلص وضعف مؤسسة العلماء التقليدية، والوجه الآخر لهذا التطور كان القوة المتسعة للدولة الحديثة وسعيها إلى السيطرة على ما تبقى من مؤسسة العلماء
"
كان تقي الدين النبهاني أزهرياً، كما تلقى حسن البنا وأبو الأعلى المودودي تعليماً إسلامياً أساسياً، أثروه فيما بعد بالجهد الشخصي، ولكن أغلب قيادات الإخوان المسلمين وحزب التحرير والجماعة الإسلامية ناهيك عن عشرات الجماعات الصغيرة الجديدة، لم يكونوا من العلماء.

وقد شهدت العقود الأخيرة تزايداً ملحوظاً في عدد الناطقين باسم الإسلام من غير العلماء، من أسامة بن لادن والظواهري إلى عمرو خالد.

قبل قرن ونصف القرن من الزمان لم تكن هذه الظاهرة موجودة ولا كان من الممكن أن توجد، إذ لم يكن تمثيل الإسلام والنطق باسم شريعته مهمة العلماء وحسب، بل حتى الدولة لم تكن تملك الوصاية على الدين والشريعة.

ولأن الشريعة هي خطاب المجتمع، كان العلماء هم الحافظين للحمة الاجتماع ولسان الناس. ولكن هذه التقاليد الإسلامية عميقة الجذور تعرضت لمتغيرات هائلة بفعل حركة التحديث التي بدأت قبل قليل من منتصف القرن التاسع عشر في مصر والمجال العثماني، لتطال كل العالم الإسلامي خلال المائة عام التالية.

قوضت حركة التحديث، جزئياً أو كلياً، معظم مؤسسات وأنماط وتقاليد الاجتماع الإسلامي التقليدي، من الوقف إلى التعليم والقضاء، ومن معنى الشرعية إلى مصدر السلطة.

أقامت حركة التحديث جيشاً جديداً بقيم ومفاهيم جديدة، أدخلت المدرسة الحديثة ومناهجها، والمحكمة الحديثة ونمط عملها وقوانينها، ونمط إدارة وهيكلية جديدة لها.

وفي هذا العالم الحديث لم تفقد طبقة العلماء الكثير من مواقعها السابقة وحسب، بل وجدت في مواجهتها منافسين جددا، قادة جددا للمجتمع ومتحدثين باسمه، من الضباط والمدرسين ورجال الصحافة وكبار موظفي الدولة والتكنوقراط.

بيد أن حركة التحديث لم تستطع تحقيق انتصار حاسم. ولذا، فبالرغم من الضعف الشديد الذي أصاب طبقة العلماء، فقد حافظت على وجودها واستمرارها. كما ان الفئات الحديثة سرعان ما انقسمت على نفسها، بين معسكر موزع على تيارات وأفكار جديدة، وآخر ظل موالياً للإسلام وقيمه.

ومن بين هؤلاء الأخيرين، جاء الكثير من قادة وكوادر القوى الإسلامية السياسية، كما جاء القطاع الأكبر ممن عرف بالكتاب والمفكرين الإسلاميين ورجال الدعوة والعمل الخيري والاجتماعي.

ما وفر لهؤلاء شرعية الحديث باسم الإسلام، لم يكن مجرد الموقع الاجتماعي ولا مجرد الولاء للإسلام، بل متغيرات جديدة في قلب الفكر والخطاب الإسلاميين.

فمنذ نهايات القرن التاسع عشر، ولد في مؤسسة العلماء المسلمين تيار إصلاحي بالغ التأثير. كان الإصلاحيون علماء على درجة عالية من المسؤولية حاولوا الاستجابة لتيارات التحديث والمحافظة على مرجعية الإسلام والشريعة.

وأمام عجز العلماء التقليديين عن الصمود أمام العاصفة التحديثية، شن الإصلاحيون هجوماً حاداً على الميراث الإسلامي التقليدي ورجاله. وقد استلهم الإصلاحيون من أمثال محمد عبده، ورشيد رضا، وصديق حسن خان، وجمال الدين القاسمي، وطاهر الجزائري، وعبد الحميد بن باديس، ومحمود شكري الألوسي، وعلال الفاسي، الميراث السلفي في شكل جديد ومعقد، ومن هنا عرفوا باسم السلفيين الجدد.

إلى جانب عدد آخر من المقولات الهامة، دعا الإصلاحيون الإسلاميون إلى تجاوز التقليد الفقهي والعودة الاجتهادية إلى الكتاب والسنة، معتبرين أن الإسلام لن يصعد من جديد إلا بقوة نصوصه المؤسسة: القرآن والحديث.

لم يقصد الإصلاحيون إنكار العلوم الإسلامية الرئيسية، ولكن سعيهم إلى توكيد موقع القرآن والسنة ساهم مساهمة كبيرة في تقويض الشروط المتعارف عليها للعلم والمعرفة الإسلامية.

"
آن للمسلمين المعاصرين أن يعوا الخطر الكامن خلف قطاع المتحدثين الجدد، وأن يعيدوا النظر في الشروط التي لابد من توفرها فيمن يتصدى للحديث باسم الشريعة والجماعة
"
ولم تعد الدراية الوثيقة بأصول الفقه وخلاف المدارس والفقهاء، بأدوات الاستنباط وأسرار اللغة، بالقرآن والحديث وعلومهما، وبالكلام والعقيدة، ينظر إليها باعتبارها شروطاً ضرورية للحديث باسم الإسلام.

أحد أسباب صعود المتحدثين الجدد في الساحة الإسلامية كان بالتأكيد الفراغ المتسع الذي تركه تقلص وضعف مؤسسة العلماء التقليدية. الوجه الآخر لهذا التطور كان القوة المتسعة للدولة الحديثة، وسعيها إلى السيطرة على ما تبقى من مؤسسة العلماء.

ولكن صعود المتحدثين الجدد تجاوز في مناسبات ومنعطفات عديدة حدود ما يعطيه لهم الولاء للإسلام والسعي إلى تعزيز موقعه. فمن أحياء بيروت وطرابلس، وقصبات كردستان العراق، ومدن أفغانستان، وقرى المرتفعات الجزائرية، وضواحي الحواضر المصرية والمغربية، نصب شبان، بحصيلة معرفية ضئيلة، أنفسهم أمراء لتقرير ما هو شرعي وما هو غير شرعي.

ومن حين إلى آخر، أعطى أدباء أو خريجو تخصصات حديثة أنفسهم الحق في كتابة نصوص تعالج مسائل الدين الكبرى، كالإسلام والكفر والجاهلية والإيمان والجهاد والإصلاح، سرعان ما تلقفها الآلاف من الشبان المسلمين المتحمسين.

وما إن حلت وسائل الاتصال الحديثة، حتى ازدحمت شاشات التلفزة ومواقع الإنترنت بدعاة جدد من كل الخلفيات والمستويات يشرحون للملايين المتعطشة شؤون دينهم.

ما إن يتسع نطاق المستمعين، حتى يتحول المتحدث إلى قائد. ولكن المشكلة ستبقى دائماً في حدود هذه القيادة، وفي إدراك المتحدث لهذه الحدود.

وربما آن للمسلمين المعاصرين أن يعوا الخطر الكامن خلف قطاع المتحدثين الجدد، وأن يعيدوا النظر في الشروط التي لابد من توفرها فيمن يتصدى للحديث باسم الشريعة والجماعة.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة