مرشح واحد أم مرشح أوحد؟   
الأربعاء 1425/10/26 هـ - الموافق 8/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)
 
ما يصرح به رجال السلطة الفلسطينية بشأن الترشيح للانتخابات الرئاسية يستلزم وقفة صراحة تامة، فأهم مرحلة في أي انتخابات في العالم كله هي الترشيح.
 
وقد قلنا في مقالات سابقة إن خيارات الناخب الأميركي, في ظل ترسخ منظومة المنافسة الحصرية بين مرشح واحد عن كل من الحزبين الرئيسيين, انعدمت لدرجة أنها في الانتخابات الأخيرة أصبحت بين بوش ولا أحد, أي مع أو ضد بوش لا أكثر.
 
كمثال عربي, نذكر القراء بالاستفتاء الذي جرى على السادات عند تنصيبه, والاستفتاء الذي أجراه هو على صلحه مع إسرائيل, الذي يسأل إن كان المصريون يحبون مصر أم لا, وربط حب مصر بموافقتهم على الصلح مع إسرائيل!!
 
وصيغة الاستفتاء الساداتي الأخير تشتم من بعض ما يقال الآن في فلسطين عن "وحدة الشارع الفلسطيني" أو "وحدة الفصائل الفلسطينية", ثم الوحدة داخل "فتح", التي يروج بأنها لن تتحقق إلا بمرشح واحد عن فتح.. نزولا إلى ما نخشى أن يكون إخلاء للساحة أمام مرشح رئاسي وحيد, ومن ينزلون مقابله من المستقلين لا يملكون أي فرصة لعوامل لا علاقة لها بقدراتهم.
 
"
المرشح الذي تسعى عدة مراكز قوى في السلطة الفلسطينية وفي فتح لفرضه وكأنه الخيار الحتمي هو أبو مازن, وامتحان الشعبية الذي خاضه مقابل أبو عمار يحدد الفرق بين الرجلين بحيث لا تجوز المقارنة ولا المقاربة
"
ففتح هي صاحبة الحظ الأوفر لأسباب تاريخية يعرفها القارئ، ولكن هذا لا يعني أن مرشح فتح هو الأفضل, خاصة إذا قبلت مقولة المرشح الواحد لفتح, بغض النظر عمن يكون. 
وقد يؤدي هذا إلى حصر خيار الشعب الفلسطيني في أخطر مرحلة من تاريخ نضاله بين مرشح فتح و.. لا أحد!!!
 
ولا بد من الرد المسبق والاحترازي هنا على كل من سيقول إن حالة مماثلة سادت الانتخابات الرئاسية التي أدت إلى فوز أبوعمار مقابل مرشحة لا تملك أية فرصة، فنقول إن ذلك كان أبوعمار الذي لم تتمكن حتى إسرائيل وأميركا في أوج انفرادهما


بالعالم وفي أوج جنونهما وتهورهما لا من إبعاده ولا من تصفيته وقد تكون لجأت لاغتياله سرا بالسم, إن ثبتت نظرية التسميم.. وحتى هذه تخشى كل القوى الدولية تداعيات ثبوتها على الساحة الفلسطينية!! 
 
أما المرشح الذي تسعى عدة مراكز قوى في السلطة الفلسطينية وفي فتح لفرضه وكأنه الخيار البدهي الحتمي فهو محمود عباس أبو مازن. وامتحان الشعبية وبالتالي الأهلية لأن يكون المرشح الأقوى الذي خاضه أبو مازن مقابل أبو عمار, يحدد الفرق بين الرجلين بحيث لا تجوز المقارنة ولا المقاربة, تماما كما لا يجوز استثناء أي من المرشحين بزعم أفضلية لأبو مازن.
 
حين جاء أبو مازن إلى الواجهة كرئيس حكومة كانت كل القوى الدولية وفي مقدمتها أميركا القوة الكبرى الوحيدة و"الراعي الوحيد" لما سمي بمسيرة السلام, تدعمه بشكل غير مسبوق، وكذلك كانت تفعل غالبية القوى الإقليمية.
 
وصوّر أبو مازن حينها على أنه عنوان بل وشرط أساسي  لطرح خريطة الطريق التي صورت هي أيضا (حتى لغالبية العرب والفلسطينيين للأسف) على أنها الحل السحري للصراع الذي امتد لأكثر من ثلاثة أرباع القرن والمحقق للحلم الفلسطيني "بدولة مستقلة قابلة للحياة"!!
 
ومع ذلك هزم أبو مازن أمام أبو عمار المحاصر في مقره, والمحاصر إقليميا ودوليا بأكثر من هذا, وأدى الدعم الشعبي  لعرفات ونهجه لدفع أبو مازن خلال أشهر قليلة فقط إلى زوايا النسيان, دون أن يحدث هذا أي فراغ أو اضطراب على الساحة الفلسطينية!! 
 
والقول بأن أبو عمار لا يمكن تعويضه لا ينفي بل يؤكد  ضرورة الالتزام بنهج مقارب لما التزم به عرفات لا الانقلاب عليه، بل لا بد من الحذر أكثر الآن, داخل فتح وداخل السلطة الوطنية بالذات, إن أرادت أي من هذه الهيئات الاحتفاظ  بدورها الحالي, لدى اختيارها من يمثلها في المواقع التي كان يشغلها عرفات, أو بما تقبل به من تسويات, سواء تلك التي رفضها عرفات أو ما يمكن أن يقال إنه قبلها ضمنيا. 
 
فما كان يمكن غفرانه بل وما جرى غفرانه "للختيار" لا يمكن أن يغفر لغيره، فالرجل كان لديه تاريخ طويل مع شعبه يبرر الغفران, ختامه كان مسكا سواء بالضغوط التي مورست عليه في كامب ديفد وطابا أم في الحصار الذي فرض عليه وصمد أمامه مفضلا الموت على الاستسلام, إلى مرضه الأخير وموته الذي لا يسقط نفي تهمة التسميم أن يكون ناتجا عن ظروف الحصار. 
 
بل إن تهمة التسميم قد تعود لتسمم سياسات خلفاء عرفات, بما لا يشفيه أكثر التقارير الفرنسية قدرة على المزاوجة بين الطب والسياسة!! 
 
وبالمقابل فإن نظرة موضوعية للبرنامج الذي جيء بأبو مازن فيما مضى لتنفيذ, مستمدة من صلب البرنامج ومن موقف أبو مازن منه, بعيدا عن أي دعاية مع أو ضد, تلزم لرسم آخر بروفيل سياسي لأبو مازن.
 
"
قبول أبو مازن للإملاءات الأميركية في قمة العقبة يسقط حجته الآن في قبوله اشتراطات شارون الجديدة في ما يتعلق بالإعلام والمناهج, معتبرا أنه أمر قابل للبحث ضمن التبادلية 
"
فإطلاق خريطة الطريق في قمة العقبة جاء بقبول أبو مازن "لإملاءات" أميركية -حسب تعبير نبيل عمرو وليس تعبيرنا- منها إقرار حق كل اليهود في فلسطين عن طريق القبول بمقولة معاناتهم التاريخية في جميع أصقاع العالم, وبالمقابل إغفال حق العودة للفلسطينيين تماما.
 
ولم يأت هذا لا "متزامنا" ولا "متبادلا" مع إقرار إسرائيلي مماثل لصالح الفلسطينيين!! وهذا  يسقط حجة أبو مازن "الآن" في قبوله وحده (دون جميع المعقبين من القادة الفلسطينيين) اشتراطات شارون الجديدة في ما يتعلق بالإعلام والمناهج, معتبرا أنه أمر قابل للبحث ضمن "التبادلية" التي هي في نظره نهج خريطة الطريق!! 
 
ثم إن خريطة الطريق التي جيء بأبو مازن لأجلها لم تخضع فقط لتعديلات تمليها تحفظات إسرائيل العديدة, بل إن ما تلاها من ضمانات أميركية قدمت لشارون من صاحب مبادرة الخريطة تضمنت مباركة لكل ما يقوم به شارون من مجازر وبناء الجدار الذي كان بوش قد قال إنه لم يدع مكانا لإقامة دولة فلسطينية والاحتفاظ بالمستوطنات داخل الضفة.
 
وهذا كله يؤكد أن "الدولة" جزرة معلقة للأبد (كما صرح معاونو شارون مرارا) ستظل تبتعد بذات سرعة "تقدم" الفلسطينيين نحوها، فأول تصريح لبوش ضامن الدولة الفلسطينية بعد وفاة عرفات "العائق" أمام العودة للمفاوضات المؤدية لها هو تأجيل قيام الدولة لأربع سنوات أخر, أي لما بعد ولاية بوش الأخيرة!!  
 
وأول "تقدم" مطلوب أميركيا من الفلسطينيين ليس فقط "إنهاء عسكرة الانتفاضة" الذي تعهد به أبو مازن في قمة العقبة, بل هو الترجمة الحقيقية على الأرض لهذه العبارة بعيدا عن كم التجميل الوارد فيها!! فما يطلبه بوش صراحة هو اعتبار المقاومة "إرهابا", والتعامل "بقسوة وشدة"مع حماس وغيرهم من "القتلة" الفلسطينيين.
 
وما طرحه من تصور أمني لدى فرض أميركا لحكومة أبو مازن على عرفات هو تشكيل قوة فلسطينية جديدة تخضع لسلطة "الحكومة" (أي سلطة أبو مازن) وتتلقى الدعم المالي والعسكري والسياسي من الخارج, ويتم تدريبها في دول مجاورة!!
 
ولا نريد إسقاط تصورنا الخاص على ما ستكون عليه وما ستقوم به هذه القوة, ولكننا نؤشر على توأمها الموجود في العراق تحت اسم "الحرس الوطني"!! كما ستنشر -حسب بوش وخريطته- قوات دولية ليست مهمتها الحفاظ على الهدنة بما يعني حماية المدنيين الفلسطينيين تحت الاحتلال كما كان الفلسطينيون يطالبون دوما, إنما يريدها بوش قوات دولية بصلاحيات "لمحاربة الإرهاب", الذي هو حتما ليس محاربة الجيش الإسرائيلي.. فهل بقيت أي فروق بين ما يعد لفلسطين والفلسطينيين وما أعد للعراق والعراقيين من قبل؟!! 
 
لا نقول إن على فتح أن ترفض الخريطة أو نهج أبو مازن في تطبيقها، لكننا ننصح بشدة بعدم اختصار فتح بهذا النهج, وعدم تقليص خيار الشعب الفلسطيني لرئيسه القادم في مع أو ضد هذا الذي عرضناه.
 
وفتح ليست نقيض حماس والجهاد الإسلامي، بل إن العمود الفقري الذي يستند إليه مفاوضو فتح وما يعطي لفتح شرعية القيادة, هو "كتائب الأقصى" التي تشكل مع حماس والجهاد الإسلامي ثالوث المقاومة الوطنية الفلسطينية المشروعة بكل ألوانها السياسية.
 
ولا يمكن فصل هذه التنظيمات دون فصل مكونات الشارع الفلسطيني، كما أن فصل السلطة السياسة والمسار التفاوضي عن المقاومة لا يمكن دون فصل داخل جسم فتح نفسه، والفصل هو بداية لشرور أعظم!!
 
ليس هنالك ما يحتم طرح أبو مازن كمرشح, فهو ليس الرجل الثاني لا في فتح ولا في السلطة ولا في المنظمة، فرئاسة اللجنة التنفيذية للمنظمة أتته بتنازل فاروق القدومي له عنها, ثم إن فتح لم ترث الرئاسة.
 
وإذا كان دورها السياسي المتأتي من عدة عوامل, منها انتماء أبو عمار لها, يعطيها ثقلا انتخابيا أكبر, فإن ترشيح مروان البرغوثي الذي هو أمين سر فتح أي الرجل الثاني فيها يبدو أكثر معقولية وأكثر حفاظا على دور فتح هذا بعد عرفات.
 
البرغوثي قريب من حماس وبقية القوى الإسلامية, ما يحشد له دعما أكبر من خارج فتح نفسها, ويحقق بهذا شرعية القيادة لكامل الشعب الفلسطيني وليس لفصيل واحد فقط.
 
والأهم من هذا أنه قادر على منع الانقسام والمواجهة بين فصائل مسلحة في الشارع الفلسطيني, وهذه أهم من كل المبادرات التي تطرح باسم حلول, سواء الخريطة أو ما قد يحل محلها.
 
"
القول بأن البرغوثي مناضل يحتم عليه أن يموت في سجنه, بينما يؤول "ثمن" نضاله لغيره هو استغلال لنضال كل القوى الشعبية الشريفة, ومنع لأجندة المناضلين من أن تصل لموقع القرار 
"
فلو بدأ الاقتتال الداخلي لا يعود هنالك أصلا من يفاوض أو يتم التفاوض معه، ثم إن كون مروان من قيادات الانتفاضة تنفي عنه تهمة محاولة تصفيتها التي تحوم حول كل من سيأتي بعد عرفات!! 
 
وإذا كان البعض في فتح أو في السلطة يرون في أبومازن الخيار الأنسب فليس هناك ما يمنع من ترشيح الرجلين, بل إن هذا قمة الديمقراطية واحترام رأي وخيار كامل الشعب الفلسطيني في رئيسه. ويقيني أن أطرافا أخرى لن تستطيع منازعة هذين المرشحين مع أن تعدد المرشحين دليل ديمقراطية!! 
 
أخيرا.. الذين يقولون إنه ليس بإمكان مروان البرغوثي الترشح لأنه معتقل من قبل قوات الاحتلال يعطون الاحتلال حق تقرير من يترشح, الذي هو كما أسلفنا أهم من كامل عملية الانتخاب!! فما على إسرائيل إلا أن تبادر لحملة اعتقالات وتترك الساحة لمرشح تختاره هي!!
 
ولا ننسى زعماء تاريخين ترشحوا وفازوا وهم في السجون، بل إن إحراج إسرائيل لإطلاق سراح من زعمت انه مجرم وقاتل ليخوض الانتخابات الرئاسية سيكون بداية تفتيت التهم الموجهة لمناضلينا، وإن لم تطلق إسرائيل سراح البرغوتي مسبقا فإدانة إسرائيل لاستمرارها باعتقال رئيس منتخب للفلسطينيين تصبح مضمونة.
 
أما القول بأن البرغوثي "لا يبحث عن ثمن لسجنه لأنه مناضل يدرك المصلحة العليا لشعبه" فهو في آن واحد يعكس اعتقاد قائله بأن الموقع السياسي ثمن يقبض, مع أنه في حالات النضال ثمن يدفع!! أما القول بأن كون البرغوثي مناضلا يحتم عليه أن يموت في سجنه, بينما يؤول "ثمن" نضاله لغيره ممن يعتبرون السلطة مكسبا فهو حتما ليس في صالح الشعوب.. بل هو استغلال لنضال كل القوى الشعبية الشريفة, ومنع لأجندة المناضلين من أن تصل لموقع القرار!!



ــــــــــــــــــ
كاتبة أردنية
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة