أمراض تفتك بـ"الجيش الذي لا يقهر"   
الأربعاء 1430/12/28 هـ - الموافق 16/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:30 (مكة المكرمة)، 12:30 (غرينتش)
عدنان أبو عامر


جيش غير جدير بالثقة
الجنود المنتحرون
معالجة غير مضمونة

بادئ ذي بدء لا يعتقدن أحد أن الكتابة في هذا المجال الشائك من الكتابات المتخصصة، تحاول التقليل من قوة الكيان الإسرائيلي، سياسياً وعسكرياً وعلمياً، لكن في ذات الوقت من المهام الملقاة على عاتقها تصوير هذا الكيان على حقيقته، بعيداً عن التهوين والتهويل، والتقزيم والتضخيم، لاسيما وأنه ما زال يمثل لنسبة وافرة من العرب، "البعبع المخيف"، والقوة التي لا تهزم، والجيش الذي لا يقهر.

جيش غير جدير بالثقة
الصورة المتجذرة داخلياًٍ تشير إلى أن كل من يخدم في الجيش له مكانة سامية في المجتمع الإسرائيلي، مما يمنحه الاحترام الكبير والتقدير الوافر، إلا أن هذا التقارب بين الجمهور والجيش بفعل أهمية الخدمة العسكرية التي كانت عاملاً مركزياً في "الانتماء المدني" للدولة، بات عاملاً هامشياً في الكثير من القطاعات.

كما برز الانخفاض في مركزية مكانة الجيش في الوعي الثقافي للمجتمع الإسرائيلي منذ وقت طويل على عدة مستويات، أبرزها ما قاله رئيس هيئة الأركان السابق "أمنون ليبكين شاحاك" في خطاب تأبين "إسحق رابين" حول أن العلاقات بين المجتمع والجيش، التي كانت قبل عقد أو عقدين مفهومة بحدّ ذاتها، تتصدر اليوم مركز قلق المؤسسة العسكرية، التي تعتبر الحفاظ على مكانتها في الوعي "الإسرائيلي" مهمتها الرسمية.

ومنذ حرب 1973 تقوضت لأول مرة مكانة الجيش كإطار لا يمكن أن يخطئ، وساعد في هذه المسألة الطابع الفاشل لمعظم حروبه في السنوات التالية، صُبِغت بإثباتات مخيبة للآمال الإسرائيلية على القدرة المهينة غير المناسبة للجيش، وتؤكد التدني الأخلاقي على مستويات قيادية.

"
لم يعد الإسرائيليون يؤمنون بأن "جيش الدفاع الإسرائيلي"، الأقوى في العالم، وعلى العكس، هم اليوم أقل تفاؤلاً وأكثر خوفاً، ولم يعودوا يؤمنون بالقوة العسكرية كثيراً، وفقدوا ثقتهم بمؤسسات الدولة
"
ولم يعد الجمهور يؤمن بأن "جيش الدفاع الإسرائيلي"، الأقوى في العالم، على العكس، فإن الإسرائيليين اليوم أقل تفاؤلاً وأكثر خوفاً، ولم يعودوا يؤمنون بالقوة العسكرية كثيراً، وفقدوا ثقتهم بمؤسسات الدولة، وهي معلومات مستقاة من معطيات مقياس المناعة القومية السنوي الذي عرض في مؤتمر هرتسيليا سنة 2007.

وأفاد استطلاع للرأي أجرته صحيفة "هآرتس" بأن ثقة الشباب الإسرائيلي في الجيش، انخفضت بنسبة 7% خلال السنوات الأخيرة، مما أزعج القيادة العسكرية، التي أجرت استطلاعات سرية أعطت نتائج مشابهة، وأقيمت لجنة خاصة في الجيش لمعالجة المشكلة وإعادة الثقة للشباب، ومنع تدهور الوضع أكثر.

قسم علوم السلوك من جهته -الذي يدرس مواقف رجال الجيش- سأل رجال الخدمة الدائمة سؤالاً بسيطاً: كيف يُنظر إلى المهنة العسكرية في أعين الإسرائيليين؟ عام 2005 أجاب 61% منهم أن المجتمع المدني يرى فيها مهنة "اعتبارية"، وبعد عامين، عام 2007، قدّر 26% فقط أن مهنتهم "اعتبارية"، ويقتنع الباقون أن الجمهور ينظر إليهم كـ"كومة من المتعطلين".

ومع مثل هذه الصورة القاسية يرى الخبراء العسكريون أنه من الصعب بثّ روح حقيقية في الجيش، والانتصار في حروبه، وزاد ذلك في أعقاب حرب غزة الأخيرة، حيث سمعت انتقادات رسمية موجهة لقائد الجيش وضباط هيئة أركانه، عبرت عن غضب وخذلان سُمع من أفواه الجنود، بعد التشويش في اتخاذ القرارات، والإحساس بالضياع لدى غير المدربين وقليلي التجهيز، والأوامر المتضاربة والمتغيرة باستمرار، وقلة التنسيق، وعدم الفهم للمهمات والأهداف، وهي عوامل أدت إلى فقدان الثقة بالقيادة والزعامة العسكرية، ولذلك، لم يكن غريباً أن كثيراً من الجنود الإسرائيليين قالوا إنهم إذا دعوا مجدداً للحرب، فلن يُلبوا الدعوة.

الخطر الأشد جسامة الذي وقع فيه الجيش، فضلاً عن أزمة الثقة الداخلية بين قادته وجنوده، وما كشفته الحرب عن مستويات متدنية لبعض الأسلحة، واستخبارات رديئة، و"غطرسة" بعض الجنرالات، أنها ستؤثر على صورته في نظر أعدائه، وتأثيره الحاسم على قرارهم بالشروع في حرب المستقبل، أو إطلاق الصواريخ على العمق الإسرائيلي.

الجنود المنتحرون
باتت الحالات النفسية والمرضية ظاهرة متفشية في الجيش الإسرائيلي، ولا يقتصر الأمر على من يلتحق به للمرة الأولى، فهناك ارتفاع كبير في نسبة الذين يتركونه بعد مضي فترة من الخدمة، وهناك من يخدمون ويعانون من مشاكل، ورفعوا دعاوى ضدّ وزارة الحرب باعتبار أن ما يمرون به أثناء العمليات العسكرية يسبب لهم ظواهر مرضية، كما تطالب نسبة كبيرة ممن أحيلوا للتقاعد بتعويضات نتيجة ما سببه الجيش لهم من مشاكل نفسية أثناء خدمتهم.

بلغة الأرقام، تتسع نسبة المرضى النفسيين بين جنود الجيش سنوياً، وبلغت سنة 2005 واحدا من كل ثمانية جنود، يحصلون على تقارير تؤكد معاناتهم من أعراض نفسية، وتشير الإحصاءات إلى ارتفاع النسبة إلى 30% مقارنة مع عام 2002، وأدى ارتفاعها وسهولة التعامل معها لخلافات بين المسؤولين، وجهت خلالها اتهامات لمن يتعامل بتساهل مع هذه الشريحة من الشباب اليهود دون سن 18 عاماً.

"
الانتحار بين الجنود الإسرائيليين يعدّ السبب الأساسي في وفاتهم داخل الجيش، أكثر من القتلى في العمليات والمواجهات العسكرية وحوادث العمل، وبلغ معدل انتحار الجنود قبل انتفاضة الأقصى ثلاثين جندياً سنوياً، وهي النسبة الأكثر ارتفاعاً في العالم
"
في ذات السياق، واستمراراً لهذه المشاكل النفسية، فقد انتشرت ظواهر الانتحار بين صفوف الجنود، ما دفع بمراقب جهاز الأمن العقيد "يوسي بن هورين" إلى فتح تحقيق حول عمليات الانتحار في الجيش بعد إثبات عجزه عن معالجتها، في ظلّ ارتفاع حالات الانتحار في الأعوام الماضية، ودفع تزايد الظاهرة إلى إبلاغ الجيش للكنيست عن عدة خطوات لمواجهتها، بعد المعطيات التي أشارت إلى انتحار مجند واحد كل أسبوعين.

وأثبتت التقارير أن الانتحار بين الجنود يعدّ السبب الأساسي في وفاتهم داخل الجيش، أكثر من القتلى في العمليات والمواجهات العسكرية وحوادث العمل، وبلغ معدل انتحار الجنود قبل انتفاضة الأقصى ثلاثين جندياً سنوياً، وهي النسبة الأكثر ارتفاعاً في العالم، وازدادت بشكل كبير منذ اندلاعها، مما جعلها تشكل أزمة حقيقية في إسرائيل.

رغم أن التحقيقات أفادت بأن قيادة الجيش لم تهتم بالظاهرة بالشكل المطلوب، ولم تعتد الإعلان عنها، ولذلك لم يعرف بها عامة الإسرائيليين، مما جعل رئيس هيئة الأركان السابق "دان حالوتس" يجري نقاشاً سنوياً خاصاً بهيئة الأركان العامة لمناقشتها، لذلك لم ينجح الجيش في تقليص عدد المنتحرين، مثلما نجح في تخفيض عدد القتلى في حوادث الطرق والتدريبات.

معالجة غير مضمونة
في محاولة من الجيش لتجاوز هذه الإخفاقات السلوكية والثغرات الأمنية، اقتُرِحَت وسائل عديدة للمتابعة، حيث يقوم القادة في المستويات العليا بإجراء رقابة ومتابعة شخصية لتأهب الجنود، واستعدادهم على حدود قطاع غزة والضفة الغربية، من قبل قائد الكتيبة "تشيكو تامير"، وقائد المنطقة الجنوبية "يوآف غلانت"، وبات من أبرز الظواهر المرضية التي يعتقد رئيس هيئة الأركان "أشكنازي" بأن عليه أن يتكفل بعلاجها:

1- الترهل في بنية الجنود: هناك شعار في الجيش يقول "كل شيء يبدأ بالانضباط"، وهو شعار صحيح، جيش بلا انضباط هو "سيرك"، والجيش الإسرائيلي اليوم بات غير منضبط، ويكفي أن ترى المقدم "مزراحي" قائد منطقة قيادة هيئة الأركان في "تل أبيب" يركض وراء الجنود الذين "يتسكعون" في المعسكر بأحذية ذات ألوان "قوس قزح"، لتدرك أن حال الانضباط تعيس، فجميع الجنود يجلبون تقارير طبية تبين أنهم لا يستطيعون ارتداء أحذية الجيش لأسباب طبية.

ورغم أن المظهر الخارجي للجنود بحدِّ ذاته ليس مهماً، لكن غياب الانضباط فيه يُعدّ مشكلة تدلّ على مدى الفوضى في صفوفهم، والأمر ينسحب على التقيد بالمواعيد، و"أشكنازي" المعروف بصلابته، يهتم بالانضباط، ويحافظ على مسافة مع مرؤوسيه، والموظفون في وزارة الحرب، حتى الكبار منهم -الذين يصلون للجلسات متأخرين- يتعرضون للتقريع منه، وبالتالي شعر الوافد الجديد لغرفة رئيس هيئة الأركان، ضرورة الحرص على إعادة الانضباط الصارم للجيش.

كما ظهرت زيادة في تدهور "المادة القتالية"، وهم أعضاء القوات المسلحة، فقيادتهم ترى أن استمرار المواجهات العسكرية مع قوى المقاومة الفلسطينية سيؤدي لتصعيد فقدان المقدرة القتالية، وانخفاض الروح المعنوية، والإحساس العميق بالخوف واليأس.

"
جندي إسرائيلي: غزة أصبحت "عشاً من الدبابير"، وأنا أفضل خدمة شهرين على الحدود مع لبنان، على الخدمة أسبوعين على حدود غزة، كلما تذكرت أني سأعود لهذه الأماكن المقيتة اعترتني قشعريرة، وتصبب العرق من جبيني"
"
وجاء في إفادة لجندي عائد من الخدمة على حدود قطاع غزة: "كان ذلك كابوساً حقيقياً، غزة أصبحت "عشاً من الدبابير"، وأنا أفضل خدمة شهرين على الحدود مع لبنان، على الخدمة أسبوعين على حدود غزة، كلما تذكرت أني سأعود لهذه الأماكن المقيتة اعترتني قشعريرة، وتصبب العرق من جبيني".

2- القطيعة السائدة بين القادة: أحد التحديات التي يواجهها الجيش هو الاستقرار في هيئة الأركان، التي تحاول الخروج من صدمتي حربي لبنان وغزة، وبالنسبة للقادة الأقل درجة، تسود القطيعة في العديد من الوحدات العسكرية، وبينهم وبين المرؤوسين، وهناك قادة ألوية لا يكلمون قادة الوحدات لديهم، والأمر نفسه ينطبق على قادة أصغر، وهي قضية ترى قيادة الجيش أنها تحتاج إلى علاج مُلِحّ، وبلا مسايرة.

3- ضعف التدريبات الميدانية: بجانب الاستعداد للحرب، ترى أوساط عسكرية نافذة أنه ينبغي القفز عدة درجات بمستوى الأداء القتالي المهني، ويجب العودة إلى تعليم أمور في التدريبات العسكرية من الأساس، وليس فقط للجنود، بل أيضاً للقادة.

وعلى سبيل المثال، يحتاج جيش الاحتياط للبناء من جديد، بعد سنوات طويلة من الإهمال، فقد جرى حديث غزير عن إرسال جنوده لحرب غزة الأخيرة 2009، دون أن يتلقوا ما يكفي من تدريبات، لكن بعد أزمة الحرب، تؤكد محافل عسكرية أنه لا يكفي الاهتمام بالتدريبات فقط، بل توجد حاجة لإعادة الثقة، لأنه بدونها ستتزايد عمليات رفض الخدمة، والتمرد على أوامر الاستدعاء للاحتياط.

4- إعادة الثقة للجمهور: هناك عملية "تآكل" متواصلة في الحصانة التقليدية للجيش من الانتقادات العامة، وهي ظاهرة مهمة في مسيرة تغيير العلاقات بين الجيش والمجتمع، وتكشف عن تغييرات في الجوهر، وليس فقط في الأسلوب.

رغم أنه كان من المحظور في السابق بصورة قاطعة، توجيه إصبع الاتهام، ولو بالإشارة فقط في وسائل الإعلام المختلفة، لأي نوع من عيوبه وعوراته، والفجوات التي قد تعتريه في هيكلياته التنظيمية، أو أجهزته التنفيذية، أو أدائه العملاني، باعتباره "البقرة المقدسة" التي يُحرَّم على الإسرائيليين التعرض لها بأي أذى أو انتقاد، مادياً كان أو معنوياً، لكن الحربين الأخيرتين مع حزب الله وحماس تبين أن "الجيش الذي لا يقهر"، ليس سوى جيش كسائر الجيوش، يَقتُل ويُقتَل.

وأدى هذا الحرص الشديد، حتى المغالاة، ليس فقط إلى تلميع صورته والحفاظ على معنوياته، وصون سمعته الردعية، بل لتكريس صورة المؤسسة السياسية الراعية له، التي ربطت نجاحها بنجاحه، بل واستمدت منه الكثير من القوة والمدى البشري والمعنوي والشعبي، وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة حول ذلك.

5- إبعاد الجيش عن السياسة: تعتبر طريقة انتخاب "أشكنازي" رئيساً للأركان، خطوة متقدمة نحو الابتعاد بالجيش عن الحسابات السياسية، فالمطبخ السياسي الذي عمل بجانب رئيس الوزراء السابق "أرييل شارون" حاول أن يفرض انتخاب "موشيه كابلينسكي" رئيساً للأركان، لكنه لم ينجح، وبالتالي ترى الأوساط العسكرية على الجيش أن يبقى خارج إطار الصراعات السياسية، والحسابات الحزبية، ومحظور استخدام مستشارين إعلاميين لقادة الجيش، وأن تكون الترقيات على أساس مدى قربه من هذا السياسي أو ذاك.

أخيراً، فإن الحافز لهذه الخطوات والجهود التي تبذلها هيئة الأركان مردّها إلى تقرير سري عن الأوضاع النفسية والمعنوية في الجيش، أثار قلقاً كبيراً لدى الحكومة، بعدما أظهر أن حالة الإحباط واهتزاز الثقة التي سادت الجيش إثر الحرب الأخيرة، دفعت 50% من الجنود للتفكير في ترك الجيش، والبحث عن عمل آخر.

"
الجيش الإسرائيلي ترهل وشاخ وتقادم، وهو واهن العضلات ويتستر بـ"ورقة توت"، كما أن إرادة القتال فيه قد انهارت، والمفعول الانهزامي للانسحابات المتوالية يتراكم، وأصبح يترنح بين ضمور الروح العسكرية واللوذ بالفرار"
"
واحتوى التقرير على نتائج استطلاع رأي أجري في صفوف الجنود، دلّ على وجود أزمة ثقة متفاقمة بينهم وبين قيادتهم، وحين سُئِل جنود الاحتياط عن نظرتهم ومدى ثقتهم واحترامهم لقادتهم، قال 25% إنهم يثقون، وحين وجه السؤال للجمهور العام، لم تزد نسبة الثقة كثيراً، وقال 40% فقط إنهم يثقون بقيادة الجيش.

وهو ما دفع بوزير الحرب "باراك"، ورئيس الأركان "أشكنازي"، لحمل هذه المعلومات لرئيس الوزراء "نتنياهو"، ومطالبته بالتعاون معهما في تنفيذ خطة لإعادة ترميم الروح المعنوية للجيش، عبر التدخل لدى وزارة المالية لتخصيص ميزانية خاصة لتمويلها، بقيمة نصف مليار شيكل، ما يعادل 125 مليون دولار.

لا أرى خاتمة لهذا التحليل أفضل من اقتباس ورد في تقرير موسع نشرته مجلة "نتيف" العسكرية "أن الجيش الإسرائيلي ترهل وشاخ وتقادم، وهو واهن العضلات ويتستر بـ"ورقة توت"، كما أن إرادة القتال فيه قد انهارت، والمفعول الانهزامي للانسحابات المتوالية يتراكم، وأصبح يترنح بين ضمور الروح العسكرية واللوذ بالفرار".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة