تحالف الإرهاب والحرب على الإرهاب   
الثلاثاء 1426/7/18 هـ - الموافق 23/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:51 (مكة المكرمة)، 7:51 (غرينتش)

 

 

نبيل شبيب

 

من فواحش "الحرب على الإرهاب"

من فواحش ما يسمّى الإرهاب

 

يتجدّد الإحساس بالألم مع مشاهد سقوط الضحايا ورصد آلام ذويهم، وليس للألم هوية مصرية أو بريطانية، عربية أو أوروبية، كذلك ليس للألم هوية عراقية أو أفغانية أو فلسطينية، فباتت المشاهد يختلط بعضها ببعض، كما بات من المستحيل الفصل بين هذه الموجة وتلك من موجات التقتيل، كما يريد كلٌّ من الطرفين المسؤولين عما يسمى الإرهاب، وما يسمى الحرب على الإرهاب أن يصنع، متجاهلا الرابط بين السبب والنتيجة، والفعل ورد الفعل.

 

إن ما حدث في مصر وبريطانيا في يوليو/ تموز 2005 في مسلسل طويل معروف هو عنف غير مشروع إسلاميا ولا دوليا، وإن ما حدث ويحدث في العراق وأفغانستان وفلسطين وأخواتها، إجرام غير مشروع بمختلف المقاييس والمعايير الدينية والإنسانية، وبات القاسم المشترك هو دماء الضحايا، بغض النظر عن تفاوت التفاصيل والأعداد وآلية التقتيل ومواقع المسؤولية.

 

من فواحش "الحرب على الإرهاب"

"
على الكل أن يرفضوا "الحرب على الإرهاب" على الطريقة الأميركية فقد بات فيها من الأخطاء الفاحشة ما يجعل القائمين عليها شركاء في المسؤولية عن وقوع مزيد من الضحايا
"
كلما أسقطت عملية جديدة مزيدا من الضحايا من عامة البشر، مسلمين وغير مسلمين، في البلدان الإسلامية وغير الإسلامية، عاود المسؤولون كبارهم وصغارهم مع أتباعهم في الإعلام، تأكيد موقف ثابت لا يراد له أن يتغير، محوره "لن نخضع.. لن نذعن.. لن نتراجع أمام الإرهاب" وكأنهم في حلبة ملاكمة، وليس في موقع المسؤولية عن قرارات يترتب عليها ما يترتب على صعيد أرواح البشر.

 

وليست القضية قضية خضوع وتراجع، إنما هي قضية "إستراتيجية أميركية" خاطئة جملة وتفصيلا، بتوجيه الضربات المضادة للعنف غير المشروع، في كل اتجاه يزيد انتشاره بدلا من القضاء عليه.

 

إننا لا نواجه هنا ما يوصف عادة بتصريحات للاستهلاك المحلي بل نواجه مقولةً تترجم إلى:

 

1- إجراءات حربية عسكرية، أميركيا ومواكبةً للأميركيين في مسيرتهم الحربية.

 

2-إجراءات قمعية أمنيا، داخل البلدان الإسلامية باعتقال المئات أو الألوف دون أن يصل غالب الاعتقالات إلى مستوى تحقيق ومحاكمة وإدانة، حتى أصبح في كل بلد إسلامي عشرات النماذج المصغرة عن غوانتنامو وأبو غريب.

 

3-خطوات إضافية في البلدان الغربية على طريق قوانين استثنائية مستحدثة، لها نسب القرابة مع حالات الطوارئ المزمنة في بلدان غير ديمقراطية، وما يجري هنا وهناك هو على حساب الحريات العامة، وبما يستهدف المسلمين أكثر من سواهم.

 

دون القبول بتخفيف مسؤولية أي فرد أو مجموعة من وراء ارتكاب عنف غير مشروع، يجب التأكيد أنه قد آن الأوان لبريطانيا والدول الأوروبية، وآن الأوان لمصر والدول الإسلامية، ولكل من يحرص على الأمن والسلام ويحرص أيضا على عدم دفع شبيبة المسلمين دفعا إلى هاوية التطرف والعنف، أن يرفضوا بكل وضوح "الحرب ضد الإرهاب" على الطريقة الأميركية فقد بات فيها من الأخطاء الفاحشة ما يجعل كثيرا من المعارضين في الدول الغربية نفسها، يعتبرون القائمين عليها شركاء في المسؤولية عن وقوع مزيد من الضحايا.

 

وكلمة ضحايا هنا تشمل: ضحايا جرائم الحروب الاستباقية والعدوانية بعشرات الألوف، وضحايا إجرام العنف غير المشروع بالمئات أو الألوف، وكذلك ضحايا الانزلاق إلى ارتكابه من الشبيبة في مختلف البلدان.

 

"
إن المطالبة برفض الحرب على الإرهاب هي المطالبة التي تنطلق من الحرص على سائر الضحايا دون تمييز
"
في مقدمة تلك الأخطاء الفاحشة:

1-عنف حربي عدواني مدمر ينتهك المبادئ والقوانين الدولية والإنسانية ويزرع الرغبة في الثأر والانتقام، أي يصنع التربة التي تشهد الاستجابة لدعوات عنف غير مشروع، وليس إلى مقاومة مشروعة فقط.

 

2-اكتساب الحروب العدوانية الجارية واقعيا صفة حرب على الإسلام والمسلمين وبلدانهم، مع استنفار الأتباع لمواكبتها من الداخل، ما يضاعف نشر التيئيس من السلام والأمن، وكذلك من الأنظمة، التي تجمع بين الاستبداد والارتباط بالمخططات العدوانية الأميركية، فيزيد استعداد الاستجابة الحماسية لمن يستخدمون العنف ضدها رغم أنه عنف يسبب الضحايا وحسب.

 

3-الخلط بين دعوات تطرف وعنف جميعها نشأ في حقبة إقصاء الإسلام عن توجيه الحياة والحكم، وبين تعاليم الإسلام نفسه، نظريا بما يقال ويكتب، وعمليا عبر حملات متوالية، على الحجاب.. على مصطلح الجهاد.. على مناهج التعليم.. على المدارس.. فجميع ذلك وأمثاله يرصده جيل الصحوة الإسلامية ويحس بآثاره، وجميع ذلك يدعم مزاعم من يزعمون أنهم يدافعون عن الإسلام بطريق العنف غير المشروع، بدلا من إضعافها.

 

4- شمول "الحرب ضد الإرهاب" غالبيةَ الدعوات إلى الإسلام دون تمييز، حتى الإغاثية أو المصرفية منها، وتحويل تعبير الإسلام السياسي المبتكر إلى تهمة، مثلما كان مع الأصولية والظلامية والرجعية وبقية المسلسل القديم.

 

فباتت كلمة "إسلامي" تستثنى في مشاريع الإصلاح وإقرار الحقوق والحريات، وفي الحديث عن دساتير وقوانين أحزاب وانتخابات.. وهذا مما ينشر التيئيس على مستوى الشبيبة الإسلاميين اتجاها أو المتعاطفين مع الدعوة إلى الإسلام حياة وحكما، وهم الغالبية الشعبية، التي يراد التهوين من شأنها بإشاعة تعبير "سيطرة الإسلاميين على الشارع".

 

إن التيئيس هنا خطير للغاية، إذ يعزز مواقع من يقولون بعدم وجود طريق مشروعة سياسيا أمام صاحب الاتجاه الإسلامي، فليبحث إذن عن طريق آخر!

 

5-إطلاق الحرب ضد "مجموعات من مرتكبي العنف غير المشروع" تحت عنوان حرب "عالمية" شمولية وبهذا أعطى القائمون عليها الحجج الصالحة لتعميم قول تلك المجموعات إن "طريق عنفها" هي وحدها القادرة على مواجهة الإجرام الأميركي تجبرا وهيمنة وعدوانا تجاه المسلمين وعلى المستوى العالمي.

 

إن "الحرب على الإرهاب" على الطريقة الأميركية تسهم في نشر الإرهاب، لا سيما وأنها تستبيح قتل عشرات الألوف في بلد واحد كالعراق.. وإن المطالبة برفضها هي المطالبة التي تنطلق من الحرص على سائر الضحايا دون تمييز، مثلما تنطلق من الحرص على جيل المستقبل من شبيبة المسلمين، وقد باتت تلك الحرب الأميركية الشاملة تسهل عمل من يعمل على الانحراف به في أي اتجاه إلا اتجاه الإسلام القويم نفسه.

 

من فواحش ما يسمى الإرهاب

"
ليست الوسطية اتجاها غالبا في الإسلام، إنما الإسلام كله وسطي، والعمل للإسلام يكتسب صفة الإسلامي عندما يكون وسطيا
"

لا نستطيع استخدام تعبير "الإرهاب" دون التنويه بما بات معروفا أنه لا يوجد تعريف دولي لكلمة الإرهاب، فقد سدت -أميركيا- السبل أكثر من مرة دون الوصول إليه منذ السبعينيات من القرن الميلادي العشرين.

 

والتعريف الأميركي الجديد منحاز مرفوض كالقديم، وقد تجاهل كسواه -أوروبيا وعربيا- إما مشروعية مقاومة الاحتلال أو "إرهاب الدولة" أو هذا وذاك، أما المنظمات غير الحكومية فتعلن مواقفها إزاء ذلك وأمثاله فلا يؤخذ بها، ككثير من المفكرين في العالم، ممن يعبرون عن قلقهم على مستقبل العالم وضياعه بين إرهاب وإرهاب مضاد. 

 

في المقابل نجد الذين ينسبون الإرهاب إلى الإسلام أو إلى اجتهاد "إسلامي" أو طائفة "إسلامية" أو تنظيم "إسلامي"، يلتقون بذلك على أرض الواقع مع أولئك الذين ينسبون إلى الإسلام تطرفهم هم واستخدامهم العنف.

 

إن الذين يستخرجون من نصوص إسلامية ما يختارونه، ليؤولوه وليصنعوا منه حججا لإلصاق تهمة التطرف والعنف بالإسلام، يلتقون في الحصيلة مع أولئك الذين يستخرجون من نصوص إسلامية ما يختارونه، ليؤولوه وليصنعوا منه حججا لتسويغ طريق التطرف والعنف لأنفسهم ومن يسير معهم.

 

ومن أبرز الأمثلة على افتراء الطرفين افتراء لا ينقطع رغم ظهور تهافته، ربط إرهابهم المعاصر، بكلمة يرهبون في سورة الأنفال "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم اللهُ يعلمهم.." (8-60) 

 

وهي آية سبقتها آيات تتحدث عن نقض العهود القائمة على السلم.. "الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون" (8-56).

 

كما أنها آية تتبعها آيات تتحدث عن السلم فتفرضه إن جنح العدو للسلم أيضا، بل وتؤكده بالإشارة إلى عقده رغم احتمال الخداع "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم * وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله، هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين" (8- 61 و62).

 

فهذه الآية بسياقها ومفهومها:

 

1-تربط بين إعداد القوة وضرورة ردع عدو عن نقض عهد قائم، باعتداء ينشب قتال بسببه.. فهو الحرص على عدم نشوب قتال.

 

2-وهو إذن ردع السعيِ لدوام السلم، ويؤكده الجنوح للسلم وتأكيده رغم احتمال المخادعة.

 

ولا علاقة لهذه الآية إذن بحديث الساعة عما يسمى الإرهاب، بل فيها الإرهاب عن عدوان يلغي السلم، وليس فيها ما يرتبط بالشروع في قتال أو عمل مسلح، مما تتقرر مشروعيته في آيات أخرى.

 
"
مشكلة الفكر التكفيري والاستئصالي والإقصائي مشكلة مشتركة وتتطلب مواجهة مشتركة، شريطة النزاهة في التعامل معها بعيدا عن أساليب تبرئة الذات واتهام الآخر
"

ولا نغفل عن المحور في هذه الآية الكريمة وهو أن واجب إعداد القوة الكافية وبسائر أشكالها، الرادعة عن العدوان بسائر أشكاله ومصادره، واجب مفروض على الأمّة الإسلامية.. وهذا ما تقصر عن أدائه وتحول دونه الأنظمة مدعومة من جانب الدول الغربية، فتوجد أوضاعا مرفوضة، يستغلها دعاة تسويغ العنف بصور أخرى.

 

إن من يسوغون العنف غير المشروع ومن يزعمون أنهم يحاربون ذاك العنف يتلاقون في مسالكهم هذه على الافتراء على الإسلام، وأصبحت أقلام إسلامية عديدة تنزلق من حيث لا تدري إلى دعم هذا وذاك عندما تستخدم "مفرداتهم" هم حتى وهي تكتب لنقض ما يقولون، لا سيما عندما يقال إرهاب إسلامي، وتطرف إسلامي، ومنظمات إسلامية متطرفة، وما شابه ذلك.

 

فتجمع العبارة الواحدة بين نقيضين لا يجتمعان، فليست الوسطية اتجاها "غالبا" في الإسلام، إنما الإسلام كله وسطي، والعمل للإسلام يكتسب صفة الإسلامي عندما يكون وسطيا.. فقط، وكل تطرف وعنف غير مشروع يبتعد بأصحابه عن الإسلام نفسه وعن العمل الإسلامي، على حسب ما يبلغ تبنيهم للتطرف والعنف. والإسلام وسطي كله، لا ينفي القوة المشروعة والجهاد المشروع، ولكن ينفي العنف غير المشروع بجميع أشكاله.

 

لا ينبغي للأقلام الإسلامية أن "تتيه" بين هؤلاء وأولئك من طرفي معركة دائرة، الإسلام فيها ضحية والمسلمون ضحية والبشرية ضحية، وطرفاها يتجاهلان عن سبق إصرار أن الخط الإسلامي العام، المتمثل في العلماء والدعاة والحركيين، قد تصدى بالرفض لخط التطرف والعنف العام، منذ بزغ للوجود لأول مرة قبل خمسة عقود.

 

وفي سجل التصدي أسماء مرجعية كالغزالي والقرضاوي والهضيبي والبشري والبهنساوي، وهو مسلسل ما زال مستمرا إلى عمارة والعوا وهويدي، إضافة إلى سلسلة الفتاوى والبيانات والمواقف والمقالات التي واكبت مجرى الأحداث حتى الآن، وشارك ويشارك فيها علماء الأمة المعتبرون من أقصى الأرض إلى أقصاها.

 

رغم ذلك لا ينقطع الافتراء فنقرأ بالعربية أحيانا ما لا نكاد نجد ما يصل إلى مستواه بلغات أخرى، كقول أحدهم مثلا: "الإرهاب الإسلامي وليد الإسلام السياسي المعتدل"، وقول آخر "النفاق في الإسلام وسيلة، والإرهاب لغة حوار، والعنصرية نمط عيش".

 

ومن أراد المزيد يجده في الشبكة العالمية وفي كثير من وسائل الإعلام، وله أن يرى كيف يسهم أصحاب هذه الأصوات مع أميركا في خدمة العنف لا القضاء عليه، وفي الترويج له لا حصاره، فضلا عن ممارسة الافتراء ومتابعة طرق الصراع لا الوفاق، والضياع بدل الخروج من حقبة جمعت بين توأمي الاستبداد والتخلف، وبين عقليات الإقصاء والتكفير المرفوضين معا، وممارسات الاستئصال والعنف غير المشروعين معا.

 

إن مشكلة الفكر التكفيري والفكر الاستئصالي والإقصائي مشكلة مشتركة، وتتطلب مواجهة مشتركة، شريطة النزاهة في التعامل معها، والتعامل بين الأطراف المتعددة، بعيدا عن أساليب تبرئة الذات واتهام الآخر والمزايدات.


ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة